وأسلوبه في الحياة ، ولهذا: كان التركيز شديدًا على وصف الصحوة الإسلامية بأنها: قوة (ظلامية) ، وأنها تريد العودة بالمجتمعات إلى القرون الوسطى ، وأنها ...
(ماضوية) ، أي: تعيش في الماضي ، وتنظر إلى الحاضر على أنه جزء من
الماضي ... إلى آخر المنظومة الفكرية المتداولة في أوساط الثقافة العلمانية .
ولعل في الإشارة إلى هذين العنصرين الإيجابيين الذين يشكلان حصاد
الصحوة خلال السنوات الماضية ما يحفز إلى معرفة السلبيات والإخفاقات التي
تتعثر فيها الصحوة ؛ لكي يتم تدارسها وبحثها من قبل العلماء والدعاة والمفكرين
الإسلاميين ، الذين يهمهم مستقبل الإسلام وأبنائه في عالم متغير متقلب .
الانتقال إلى مرحلة مختلفة:
إن المتأمل في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي
يعيشها العالم يشعر بأن هناك متغيرات كبيرة تحدث على أكثر من مستوى ،
وبالتالي: تؤثر في جميع الحركات الاجتماعية التي تعمل وتعيش في هذا العالم ،
والصحوة الإسلامية المعاصرة - مثل أي حركة اجتماعية أخرى -( بالمعنى
الواسع للكلمة )تتأثر وتؤثر بما يجري حولها من أحداث وتطورات على جميع
الأصعدة .
وكل ظاهرة اجتماعية فاعلة ومتحركة تتطور بفعل محركين أساسين ، هما:
العوامل الداخلية التي تعتمل داخل الحركة ، والعوامل الخارجية التي تتعامل معها
الحركة وتؤثر فيها . ولو نظرنا إلى الصحوة الإسلامية من هذا المنطلق لوجدنا أنها
قد دخلت - بالفعل - في مرحلة تاريخية جديدة ، لها ظروف خاصة ، ولها متطلبات
أخرى غير تلك التي كانت سائدة في فترة ماضية ليست بعيدة عن وقتنا الراهن .
ولكن .. هل يمكن معرفة خصائص المرحلة الجديدة قبل ان نعرف: ما هي
خصائص المرحلة السابقة ، ومتى انتهت ، ولماذا أصبحت المرحلة الحالية مختلفة
عن السابق ؟ .
الواقع: أن الباحث في تاريخ الصحوة يجد صعوبة في تحديد بداياتها ،
ومراحل تطورها ، والتحديات التي أثرت على مسيرتها التاريخية ، ولن نجد
صعوبة في الإشارة إلى أن دراستنا للصحوة الإسلامية - بوصفها ظاهرة تاريخية
اجتماعية متغيرة - ضعيفة إلى حد بعيد ، ولو أراد الباحث الرجوع إلى المكتبة
للبحث في مصادر تتناول ظاهرة الصحوة بشكل عام ، لوجد العديد من الدراسات
والكتب والندوات والمؤتمرات ، التي إما أن تكون صادرة عن مراكز البحث العربية
القومية ، أو تكون صادرة عن مراكز البحث الغربية ، نعم: هناك كثير من الكتب
الإسلامية المتميزة ، ولكنها في الغالب تتناول ظواهر جزئية لها علاقة بظاهرة
الصحوة ، أو جزءًا من مكوناتها ، مثل: التجديد ، و الغلو والتطرف ، وتطبيق
الشريعة ، ومظاهر الانحراف عن المنهج الصحيح في العقيدة والأدب والفكر ..
وغيرها ، و لكن لا تجد الكثير والمفيد من الدراسات التحليلية لتاريخ الصحوة
وواقعها ومستقبلها .
إذن: فإن هذه المحاولة في تحديد ملامح المرحلة الجديدة التي نتوقع أن
الصحوة قد دخلت فيها ، ستكون قريبة من الاستقصاء الذي يعتمد على قراءة
للأحداث التي حدثت خلال السنوات الماضية ، ولا يمكن اعتبارها دراسة تحليلية
تعتمد على تراكم المعرفة في هذا الموضوع ، إذ إن الباحث يحتاج إلى مقدرة كبيرة
في لملمة جوانب الموضوع من مصادر عديدة ، قد يكون كل مصدر له ارتباط
بظواهر جزئية من مكونات الصحوة .
لو تأملنا في واقع الصحوة خلال العقدين الماضيين - أي: في السبعينات
والثمانينات الميلادية - لوجدنا أن الصحوة قد اكتسبت انتشارًا واسعًا في جميع بلاد
العالم ، وأصبحت شيئًا فشيئًا تستفيد من الإخفاقات المتسارعة للأيديولوجيات القومية
والبعثية والماركسية ، التي كانت تجتذب قطاعًا واسعًا من الشباب المسلم ، ثم بدأ
الجهاد في أفغانستان بعد الغزو السوفييتي لذلك البلد المسلم في عام 1979م ، فأدى
إلى استنفار إسلامي شعبي ضخم مما جعل من هذه القضية محورا أساسًا من محاور
خطاب الدعوة ؛ حيث بدأت الآمال تراود كثيرًا من الشباب بصياغة ملحمة إسلامية
كبرى تحرر المسلمين من نفسية الذل والانكسار ، وتغسل العار الذي لحق بالمسلمين
في أماكن أخرى كثيرة ، من أهمها: فلسطين . وقد ساند هذا الاتجاه: الظروف
الدولية المواتية التي كانت تنظر إلى الجهاد في أفغانستان على أنه الأمل في تحطيم
الدب الروسي ؛ ولذلك: ساندته كثير من الأطراف بالمال والسلاح ، وعلى الرغم
من قيام الثورة الإيرانية في تلك الفترة ، التي اعتبرها كثير من الحركات الإسلامية
وغير الإسلامية نصرًا للفكرة الإسلامية ونذيرًا بالخطر على الأيديولوجيات السائدة ،
إلا أن كثيرًا ، من القوى المهيمنة كانت تدرك الحاجز الكبير الذي يفصل الشعوب
الإسلامية عن النموذج الإيراني ؛ مما جعلها لا تتحرك بشكل جدي للوقوف في وجه
العمل الإسلامي .
هذا من الناحية السياسية ، أما من النواحي الأخرى فقد اتسمت تلك المرحلة
بتأسيس كثير من المشروعات الدعوية والخيرية في كثير من بلاد العالم مما مكن
الصحوة من اكتساب خبرات كثيرة ، إضافة إلى تكوين جذور عميقة في العمل
الاجتماعي والإغاثي وبناء المساجد والمدارس ، مما أكسبها التفاف الجماهير حولها ، وجعل خطابها الدعوي مهيمنًا في الأوساط الشعبية في البلاد الإسلامية ، كما
انتشرت وسائل جديدة للدعوة لم تكن مستغلة من قبل ، مثل: الشريط ، والمجلات ،
والمؤتمرات الخارجية ، وقوافل ومخيمات الدعوة ... وغيرها ، وظهرت أيضا فكرة
البنوك الإسلامية وبعض مجالات الاستثمار الإسلامي .. إلى غير ذلك من مظاهر
الصحوة أو العودة إلى الدين ، وكل هذه الأنشطة كانت تسير في كثير من بلاد العالم
دون وجود عوائق سياسية أو قانونية كبيرة .
من جهة أخرى ، ومع تسارع العمل الإسلامي وتشعبه ، وبعد النجاحات
السريعة: بدأ يلوح في الأفق التنافس بين تيارات الصحوة في اجتذاب العائدين إلى
الدين ، وبرز كثير من الخلافات حول الأساليب المتبعة في الدعوة ، وتعدى ذلك إلى
ظهور اتجاهات الغلو من جهة والتفريط من الجهة المقابلة ، بعد أن اصطدم العمل
الإسلامي بالواقع المتخلف للمجتمعات الإسلامية ، ونظرًا لكون الصحوة لم تجابه في
ذلك الوقت تحديًا خارجيًا حقيقيًا ، فقد أدى ذلك إلى انشغال الصحوة بنفسها حتى ظن
الكثيرون أن الصحوة بدأت تأكل نفسها .
إذن: هل يمكن أن نقول: إن تلك الأحوال قد تبدلت ؟ بحيث نستنتج ان
الصحوة قد دخلت مرحلة جديدة ؟
إن المتأمل في الأحداث التي وقعت منذ بداية العقد الحالي - أي: منذ خمس
سنوات تقريبًا - سواء على ساحة العمل الإسلامي ، أو تلك الأحداث التي وقعت
على الساحة الدولية والإقليمية ، يدرك أن هناك الكثير من المتغيرات التي بدلت
واقع العمل الإسلامي ، وبدلت الظروف المحيطة بالصحوة ، وما لم يتم استيعاب
هذه المتغيرات ومعرفة حجمها وتأثيرها فإن الصحوة الإسلامية ستفقد القدرة على
التعامل مع تلك المتغيرات ومواجهتها وتكييفها لمصلحة العمل الإسلامي ، وستتطلب
مرحلة استيعاب تلك المتغيرات سعيًا متواصلًا لدراسة المتغيرات كما هي في الواقع ، وأيضًا بحثًا عميقًا للوسائل الشرعية الصحيحة لكيفية التعامل مع تلك المتغيرات
وعلى الرغم من تداخل تلك المتغيرات بحيث يصعب تقسيمها إلى متغيرات داخلية
أو متغيرات خارجية - حيث إن كل متغير داخلي لابد وأن يكون متأثرًا بالعوامل
الخارجية وربما مؤثرًا فيها ، والعكس صحيح أيضًا- ولكن قد يكون من الضروري
فرز تلك المتغيرات لكي يمكن تصور المرحلة الجديدة بشكل أفضل .
المتغيرات الداخلية: