فهرس الكتاب

الصفحة 1945 من 3028

وأسلوبه في الحياة ، ولهذا: كان التركيز شديدًا على وصف الصحوة الإسلامية بأنها: قوة (ظلامية) ، وأنها تريد العودة بالمجتمعات إلى القرون الوسطى ، وأنها ...

(ماضوية) ، أي: تعيش في الماضي ، وتنظر إلى الحاضر على أنه جزء من

الماضي ... إلى آخر المنظومة الفكرية المتداولة في أوساط الثقافة العلمانية .

ولعل في الإشارة إلى هذين العنصرين الإيجابيين الذين يشكلان حصاد

الصحوة خلال السنوات الماضية ما يحفز إلى معرفة السلبيات والإخفاقات التي

تتعثر فيها الصحوة ؛ لكي يتم تدارسها وبحثها من قبل العلماء والدعاة والمفكرين

الإسلاميين ، الذين يهمهم مستقبل الإسلام وأبنائه في عالم متغير متقلب .

الانتقال إلى مرحلة مختلفة:

إن المتأمل في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي

يعيشها العالم يشعر بأن هناك متغيرات كبيرة تحدث على أكثر من مستوى ،

وبالتالي: تؤثر في جميع الحركات الاجتماعية التي تعمل وتعيش في هذا العالم ،

والصحوة الإسلامية المعاصرة - مثل أي حركة اجتماعية أخرى -( بالمعنى

الواسع للكلمة )تتأثر وتؤثر بما يجري حولها من أحداث وتطورات على جميع

الأصعدة .

وكل ظاهرة اجتماعية فاعلة ومتحركة تتطور بفعل محركين أساسين ، هما:

العوامل الداخلية التي تعتمل داخل الحركة ، والعوامل الخارجية التي تتعامل معها

الحركة وتؤثر فيها . ولو نظرنا إلى الصحوة الإسلامية من هذا المنطلق لوجدنا أنها

قد دخلت - بالفعل - في مرحلة تاريخية جديدة ، لها ظروف خاصة ، ولها متطلبات

أخرى غير تلك التي كانت سائدة في فترة ماضية ليست بعيدة عن وقتنا الراهن .

ولكن .. هل يمكن معرفة خصائص المرحلة الجديدة قبل ان نعرف: ما هي

خصائص المرحلة السابقة ، ومتى انتهت ، ولماذا أصبحت المرحلة الحالية مختلفة

عن السابق ؟ .

الواقع: أن الباحث في تاريخ الصحوة يجد صعوبة في تحديد بداياتها ،

ومراحل تطورها ، والتحديات التي أثرت على مسيرتها التاريخية ، ولن نجد

صعوبة في الإشارة إلى أن دراستنا للصحوة الإسلامية - بوصفها ظاهرة تاريخية

اجتماعية متغيرة - ضعيفة إلى حد بعيد ، ولو أراد الباحث الرجوع إلى المكتبة

للبحث في مصادر تتناول ظاهرة الصحوة بشكل عام ، لوجد العديد من الدراسات

والكتب والندوات والمؤتمرات ، التي إما أن تكون صادرة عن مراكز البحث العربية

القومية ، أو تكون صادرة عن مراكز البحث الغربية ، نعم: هناك كثير من الكتب

الإسلامية المتميزة ، ولكنها في الغالب تتناول ظواهر جزئية لها علاقة بظاهرة

الصحوة ، أو جزءًا من مكوناتها ، مثل: التجديد ، و الغلو والتطرف ، وتطبيق

الشريعة ، ومظاهر الانحراف عن المنهج الصحيح في العقيدة والأدب والفكر ..

وغيرها ، و لكن لا تجد الكثير والمفيد من الدراسات التحليلية لتاريخ الصحوة

وواقعها ومستقبلها .

إذن: فإن هذه المحاولة في تحديد ملامح المرحلة الجديدة التي نتوقع أن

الصحوة قد دخلت فيها ، ستكون قريبة من الاستقصاء الذي يعتمد على قراءة

للأحداث التي حدثت خلال السنوات الماضية ، ولا يمكن اعتبارها دراسة تحليلية

تعتمد على تراكم المعرفة في هذا الموضوع ، إذ إن الباحث يحتاج إلى مقدرة كبيرة

في لملمة جوانب الموضوع من مصادر عديدة ، قد يكون كل مصدر له ارتباط

بظواهر جزئية من مكونات الصحوة .

لو تأملنا في واقع الصحوة خلال العقدين الماضيين - أي: في السبعينات

والثمانينات الميلادية - لوجدنا أن الصحوة قد اكتسبت انتشارًا واسعًا في جميع بلاد

العالم ، وأصبحت شيئًا فشيئًا تستفيد من الإخفاقات المتسارعة للأيديولوجيات القومية

والبعثية والماركسية ، التي كانت تجتذب قطاعًا واسعًا من الشباب المسلم ، ثم بدأ

الجهاد في أفغانستان بعد الغزو السوفييتي لذلك البلد المسلم في عام 1979م ، فأدى

إلى استنفار إسلامي شعبي ضخم مما جعل من هذه القضية محورا أساسًا من محاور

خطاب الدعوة ؛ حيث بدأت الآمال تراود كثيرًا من الشباب بصياغة ملحمة إسلامية

كبرى تحرر المسلمين من نفسية الذل والانكسار ، وتغسل العار الذي لحق بالمسلمين

في أماكن أخرى كثيرة ، من أهمها: فلسطين . وقد ساند هذا الاتجاه: الظروف

الدولية المواتية التي كانت تنظر إلى الجهاد في أفغانستان على أنه الأمل في تحطيم

الدب الروسي ؛ ولذلك: ساندته كثير من الأطراف بالمال والسلاح ، وعلى الرغم

من قيام الثورة الإيرانية في تلك الفترة ، التي اعتبرها كثير من الحركات الإسلامية

وغير الإسلامية نصرًا للفكرة الإسلامية ونذيرًا بالخطر على الأيديولوجيات السائدة ،

إلا أن كثيرًا ، من القوى المهيمنة كانت تدرك الحاجز الكبير الذي يفصل الشعوب

الإسلامية عن النموذج الإيراني ؛ مما جعلها لا تتحرك بشكل جدي للوقوف في وجه

العمل الإسلامي .

هذا من الناحية السياسية ، أما من النواحي الأخرى فقد اتسمت تلك المرحلة

بتأسيس كثير من المشروعات الدعوية والخيرية في كثير من بلاد العالم مما مكن

الصحوة من اكتساب خبرات كثيرة ، إضافة إلى تكوين جذور عميقة في العمل

الاجتماعي والإغاثي وبناء المساجد والمدارس ، مما أكسبها التفاف الجماهير حولها ، وجعل خطابها الدعوي مهيمنًا في الأوساط الشعبية في البلاد الإسلامية ، كما

انتشرت وسائل جديدة للدعوة لم تكن مستغلة من قبل ، مثل: الشريط ، والمجلات ،

والمؤتمرات الخارجية ، وقوافل ومخيمات الدعوة ... وغيرها ، وظهرت أيضا فكرة

البنوك الإسلامية وبعض مجالات الاستثمار الإسلامي .. إلى غير ذلك من مظاهر

الصحوة أو العودة إلى الدين ، وكل هذه الأنشطة كانت تسير في كثير من بلاد العالم

دون وجود عوائق سياسية أو قانونية كبيرة .

من جهة أخرى ، ومع تسارع العمل الإسلامي وتشعبه ، وبعد النجاحات

السريعة: بدأ يلوح في الأفق التنافس بين تيارات الصحوة في اجتذاب العائدين إلى

الدين ، وبرز كثير من الخلافات حول الأساليب المتبعة في الدعوة ، وتعدى ذلك إلى

ظهور اتجاهات الغلو من جهة والتفريط من الجهة المقابلة ، بعد أن اصطدم العمل

الإسلامي بالواقع المتخلف للمجتمعات الإسلامية ، ونظرًا لكون الصحوة لم تجابه في

ذلك الوقت تحديًا خارجيًا حقيقيًا ، فقد أدى ذلك إلى انشغال الصحوة بنفسها حتى ظن

الكثيرون أن الصحوة بدأت تأكل نفسها .

إذن: هل يمكن أن نقول: إن تلك الأحوال قد تبدلت ؟ بحيث نستنتج ان

الصحوة قد دخلت مرحلة جديدة ؟

إن المتأمل في الأحداث التي وقعت منذ بداية العقد الحالي - أي: منذ خمس

سنوات تقريبًا - سواء على ساحة العمل الإسلامي ، أو تلك الأحداث التي وقعت

على الساحة الدولية والإقليمية ، يدرك أن هناك الكثير من المتغيرات التي بدلت

واقع العمل الإسلامي ، وبدلت الظروف المحيطة بالصحوة ، وما لم يتم استيعاب

هذه المتغيرات ومعرفة حجمها وتأثيرها فإن الصحوة الإسلامية ستفقد القدرة على

التعامل مع تلك المتغيرات ومواجهتها وتكييفها لمصلحة العمل الإسلامي ، وستتطلب

مرحلة استيعاب تلك المتغيرات سعيًا متواصلًا لدراسة المتغيرات كما هي في الواقع ، وأيضًا بحثًا عميقًا للوسائل الشرعية الصحيحة لكيفية التعامل مع تلك المتغيرات

وعلى الرغم من تداخل تلك المتغيرات بحيث يصعب تقسيمها إلى متغيرات داخلية

أو متغيرات خارجية - حيث إن كل متغير داخلي لابد وأن يكون متأثرًا بالعوامل

الخارجية وربما مؤثرًا فيها ، والعكس صحيح أيضًا- ولكن قد يكون من الضروري

فرز تلك المتغيرات لكي يمكن تصور المرحلة الجديدة بشكل أفضل .

المتغيرات الداخلية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت