القرآن كتاب رباني عظيم، وهو سجل الثورة المحمدية، ولكن المترفين يستطيعون ان يأولوه ويفسروه كما يشتهون، فيخرجونه من طبيعته الاصيلة ويجعلونه بضاعة من بضائع الموتى. فلا يكاد يموت منهم ميت حتى يحشدون في سبيله عددًا كبيرًا من"القراء"ليمطروه بوابل من الختمات والرحمات _انه كان مرحوما.
بدأ الاسلام في أول أمره نظاما ديمقراطيا. ولكن الديمقراطية اختفت منه بعد ما رفع معاوية المصاحف وقال للمسلمين: تعالوا نحتكم الى كتاب الله. وكانت نتيجة الاحتكام الى كتاب الله ان تولى يزيد امر المسلمين وقال:
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل
ونحن حين نشاهد الترف الخبيث مستحوذا على سلاطين المسلمين وامراء المؤمنين يجب ان لا ننسى تلك الثورة الشعبية الكبرى التي قام بها ابو ذر وعمار وعلي بن ابي طالب في مكافحة هذا الترف عند أول ظهوره في تاريخ الاسلام.
لقد كانت تلك الثورة فاشلة. لا شك في ذلك. فهي قد سبقت زمانها بعدة قرون، حق لها اذن ان تفشل. ولكنها مع ذلك بقيت في التاريخ رمزا لديمقراطية الاسلام ودليلا صارخا على ان حكومة الاسلام نشأت في أول أمرها من الشعب وبالشعب ومن أجل الشعب.
يقول المؤرخون الغربيون ان حكومة الاغريق كانت أول ديمقراطية وآخر ديمقراطية في التاريخ القديم. ونسى هؤلاء حكومة الاسلام الاولى التي تمثلت في محمد وخلفائه الراشدين.
ولو درسنا سيرة هؤلاء في ايام حكمهم لوجدناهم ديمقراطيين الى درجة لا يستهان بها.
يروى أن أبا بكر اعتاد قبل خلافته ان يحلب للضعفاء من جيرانه أغنامهم كرما منه ورفقا بهم. فلما تولى الخلافة سمع جارة له تقول:"اليوم لا تحلب لنا..."فقال:"لعمري لا حلبنها لكم..."وأخذ يحلبها فعلا.
وعندما تولى علي بن أبي طالب خلافة المسلمين بعد عثمان اتضحت في سيرته معالم الديمقراطية وضوحا مدهشا. ولعلنا لا نغالي اذا قلنا ان ديمقراطية هذا الرجل وصلت الى درجة يعجز عن الوصول اليها كثير من حكام القرن العشرين.
وهو في الواقع آخر حاكم في تاريخ الاسلام انثالت العامة على بيعته طوعا واختيارًا. وقد أشار هو الى ذلك حيث قال:"ان العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر". اما الخاصة فقد بايعه معظمهم. وحين رفض بعضهم بيعته تركهم احرارا، فلم يجبر أحد منهم عليها، وانما خلى بينهم وبين ما أرادوا من الاعتزال، وقبل منهم ما قدموا من عذر، وقام دونهم يمنع الثائرين من ان يصلوا اليهم.
والاعجب من هذا ان عبد الله بن عمر أبى أن يبايع عليًا ثم طلب الاذن بالسفر. فلما طولب بكفيل يكفله، أبى ان يأتي به، فقام الامام علي يكفله بنفسه. ولم يشهد التاريخ حاكما يكفل رجلا أبى بيعته ورفض ان يطيعه. وتلك لعمري آية من آيات الديمقراطية يعجز عن الاتيان بها كثير من الناس.
وكان علي جالسًا بين أصحابه ذات يوم يتحدث اليهم فقال رجل من الخوارج يصف عليًا:"قاتله الله كافرا ما أفقهه". فوثب القوم ليقتلوه فقال علي:"رويدا. انما هو سب بسب أو عفو عن ذنب".
ولو درسنا معاملة الامام علي للخوارج الذين كفروه وشتموه في وجهه وتآمروا عليه في عاصمته لرأينا فيها عجبا. فهو قد كان يتحمل منهم ذلك صابرا. فكان يعطيهم عطاءهم المفروض لهم ويجادلهم جدالًا طويلًا لعلهم يتدارسون أمرهم ويثوبون الى رشدهم. ولم يقاتل منهم إلا تلك الجماعة التي خرجت عليه بالسيف وقطعت طريق السابلة واذاعت الذعر في الناس وقتلت عبد الله بن خباب مع نسوة كن معه. فارسل اليهم الامام رسولا يسألهم عن هذا الفساد فقتلوا الرسل ايضًا. ولم يبدأ بقتالهم إلا بعد ان استنفذ جهده في محاجتهم وجدالهم، بالكتابة مرة وبالمشافهة أخرى.
يقال أن أحد الخوارج، واسمه الخريت بن راشد الناجي، جاء الى علي بعد انقضاء معركة صفين. فجرت بينهما المحاورة التالية:
الخريت: لا والله لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك واني غدا لمفارق لك.
علي: ثكلتك أمك. اذن تنقض عهدك وتعصي ربك ولا تضر إلا نفسك. أخبرني لم تفعل ذلك؟
الخريت: لانك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق اذ جد الجد وركنت الى القوم الذين ظلموا أنفسهم. فانا عليك راد وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين.
علي: ويحك هلم اليّ أدارسك وأناظرك في السنن وأفاتحك أمورا من الحق انا أعلم بها منك، فلعلك تعرف ما أنت الآن منكر وتبصر ما أنت الآن عنه عم وبه جاهل.
الخريت: فانى غاد عليك غدا.
علي: اغدو ولا يستهوينك الشيطان، ولا يتقحمن بك رأى السوء ولا يستخفنك الجهلاء الذين لا يعلمون. فوالله ان استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لاهدينك سبيل الرشاد.
فانصرف الخريت من عنده ولم يعد غدا ولا بعد غد، وبقى على مفارقته. فجاء أحد اصحابه يشير عليه بان يقبض على الخريت ويستوثق منه. فأجابه الامام:"لو فعلنا هذا بكل من يتهم من الناس لملأنا السجون منهم. ولا أراني يسعني الوثوب بالناس والحبس لهم وعقوبتهم حتى يظهروا لي الخلاف".
يعطينا هذا الجواب تحديدا واضحا للديمقراطية. فالامام علي لا يحاسب أحد على رأي فاه به ولا يعاقبه على تهمة أتهم بها. انما هو يعاقب الرعية حين يظهرون له الخلاف أو يقطعون الطريق أو يقلقون الامن. وأظن ان هذا هو ما تسير عليه الديمقراطية في يومنا هذا.
والواقع ان الايمان الذي يتحمله المؤمن في سبيل ايمانه يصهر نفسه ويصبها في قالب جديد. وهو اذن يختلف عن ذلك الذي يدخل الدين استسلامًا أو يتظاهر به طمعًا بالغنيمة.
وقد اشار الامام علي في احدى خطبه الى المنافع النفسية والاجتماعية التي تنبعث من اضطهاد الدين في بدء دعوته:"فان الله سبحانه يختبر عباده المستكبرين بأوليائه المستضعفين في أعينهم". فلو ظهر الدين قويا منتصرا منذ أول أمره، لدخل فيه جميع الناس ولا نتفى بينهم عامل الامتحان والاختبار."ولكن الله يختبر عباده بأنواع الشدائد، ويتعبدهم بأنواع المجاهد، ويبتليهم بضروب المكاره، اخراجا للتكبر من قلوبهم، واسكانا للتذلل في نفوسهم...".
والقرآن يشير الى مثل هذا المعنى أيضا، حيث يقول:"أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين". ووصف القرآن المهاجرين والانصار فقال:"لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم انه بهم رؤوف رحيم".
ومما يجدر ذكره في هذه المناسبة أن أكثرية المهاجرين والانصار انظموا الى جانب علي اثناء خلافته. ولم يتخلف عنه منهم سوى نفر قليل. ومما يلفت النظر ان الانصار كلهم كانوا مع علي باستثناء ثلاثة فقط. اثنان منهم ذهبا الى معاوية هما النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلد، والثالث هو محمد بن مسلمة الذي اعتزل الفريقين.
يحكى أن معاوية أرسل ابا هريرة والنعمان بن بشير الى الامام علي يسألانه ان يدفع قتلة عثمان اليه ليقتص منها. فلما أتيا عليًا التفت علي الى النعمان فقال له:"حدثني عنك يا نعمان هل انت أهدى قومك سبيلا؟... فكل قومك قد اتبعني إلا شذّاذ منهم، ثلاثة أو أربعة، أفتكون أنت من الشذاذ؟". فقال النعمان:"اصلحك الله. انما جئت لاكون معك فالزمك. وقد كان معاوية سألني أن أؤدي هذا الكلام ورجوت ان يكون لي موقف اجتمع فيه معك وسمعت ان يجري الله تعالى بينكما صلحا. فاذا كان رأيك غير ذلك فانا ملازمك وكائن معك"وبقى النعمان مع علي زمنا ثم هرب منه الى معاوية لسبب لا نعرفه.