فهرس الكتاب

الصفحة 2778 من 3028

بعد القراءة التفكيكية والتركيبية لمقولتي فوكوياما وهانتغتون يخلص المؤلف إلى القول بأنهما لم تفلحا في إنتاج نظرية متماسكة ومقنعة تميط الحجب عن تلك الحقيقة الإشكالية، المتمثلة في السؤال المنهجي الشمولي المتعلق بحقيقة الصراع بين الدول والجماعات الإنسانية، كونهما جاءتا محكومتين برد فعل (( مشروع ) )على تحول استراتيجي (( مفاجئ ) ). تمثل بانهيار المنظومة الماركسية، وانتهاء مرحلة الحرب الباردة، فكان طبيعيًا أن يسراع العقل الغربي في محاولة ملء الفراغ الايديولوجي الذي طرأ على أثر التهافت (( الظاهري ) )للأدبيات السجالية التي كانت تزخر بها حمى الوطيس بين الجبارين تحت ضغط هذا الواقع المستجد جرى استيلاد المحاولتين اللتين لم تشكلا سوى مراكمة لتأريخ التعثر الفكري في الغرب.

ـ الاستعادة الصحيحة للمنهج الحضاري الإسلامي في قراءة التأريخ:

يرى المؤلف إمكانية القول أن المنهج الحضاري في تفسير التأريخ المعاد اكتشافه في آخر الإضافات الفكرية الأمريكية وخصوصًا على يد صامويل هانتغتون، وبالرغم من الأخطاء الفظة والاستخلاصات الناشزة التي ارتمى في بُحرانها، هو المنهج الأصل بالمنظور الإسلامي، وبمعاييره الدقيقة أيضًا.

يبقى أن نشير إلى اعتقاده: بأن العودة العملاقة للإسلام إلى الواجهة السياسية والمعرفية الدولية لم تكن لتتبوأ ذلك الموقع الانبعاثي المتقدم لولا ثورة الإمام الخميني وشعبه بالمشروع الحضاري للإسلام وانطلاقًا منه.

ـ الإمام الخميني والصراع الحضاري:

قد لا نكون مبالغين إن قلنا أن مصطل ـ مفهوم (( الصراع ) )هو أحد أبرز المصطلحات ـ المفاهيم السجالية التي طفت على سطح النقاش المحتدم بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك مفاصل الخصم التأريخي لليبرالية الديموقراطية.

على هذا الأساس يحاول أن يقدم المؤلف رؤية الإسلام ـ بالإمام الخميني ـ عن طبيعة الصراع (بين الأمم والشعوب أو بعبارة بين الدول) ، حيث يحدده وفق هذه الرؤية بأنه: لا يعني إعلان الحروب واستخدام العنف بالضرورة بل هو الجهاد العمودي الارتقائي الذي يرتفع بالإنسان والجماعة إلى مرتبة تدرجية أعلى هي في ذاتها سمو أكثر اقترابًا من الهدف النهائي المطلق .. إنه الصراع/ الجهاد التراكمي باتجاه الكمال.

ثم إنه طبقًا لما بناه سابقًا من انحصار المفهوم الحضاري بإثنتين من الحضارات ـ المادية والإلهية ـ ينوه إلى استخدام الإمام الخميني مصطلح الطريق، من مجموع مصطلحات متقاربة حتى حدود الترادف، للإشارة إلى كل من هاتين الحضارتين المؤسستين قرآنيًا على قيمتين مطلقتي الدلالة أي: كل حق وكل باطل، وقرن كلًا منهما بوجهة قرآنية مطلقة أيضًا، عندما سمى الأولى: (( الطريق إلى الله ) )وسمى الثانية (( طريق الطاغوت ) ).

ـ السنن في الصراع الحضاري بالمعايير الإسلامية:

يتطرق مؤلف الكتاب في هذا الفصل الذي اتخذ من (المناشيت) أعلاه عنوانًا له، إلى أهم المميزات وأبرز المواصفات التي يتسم بها المشروع الحضاري الإسلامي والتي منها:

أزلية الصراع: المتحققة وفق القراءة التي ترى في الصراع الحضاري سنة ـ قانون من السنن ـ القوانين التأريخية ـ الاجتماعية التي لا تستطيع صيغ الحياة الخروج على حتميتها أو ديمومتها، حيث يعتبرها الشهيد محمد باقر الصدر (ره) ذات طابع موضوعي وعلمي، لأن أهم ما يميز القانون العلمي ـ كما يقول ـ عن بقية المعادلات والفروض هو الاطراد والتتابع وعدم التخلف.

وبهذا المعنى، فإن الصراع الحضاري أزلي يتحلى بكل شروط الديمومة، من هنا جاء قول الإمام الخميني ـ بالإسلام ـ: (( إن صراع حضارة الحق/ طريق الحق ضد النزوع الحضاري المادي، هو صراع أزلي مستمر منذ آدم إلى نهاية الحياة ) ).

ـ في التغير والتحول التأريخيين:

إن الصراع الحضاري يهدي المعايير السننية الإلهية/ الثوابت .. محكوم بنمط آخر من المعايير في تصور الحضارة التوحيدية لمسار التحولات والتغيرات التأريخية التي لطالما تضاربت في تفسيرها التجريبية الفكرية المادية، فالذي يُنشئ تلك التحولات والتغيرات في الأصل، وعلى مستوى نظام الحياة والوجود، هو المشيئة الإلهية، غير أن هذه المشيئة لا تتدخل في تثبيت فعل التغيير والتحول إلا بعدما يغير الناس/ الجماعة/ القوم ما بأنفسهم. قال تعالى: (إن الله لا يُغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم) .

ثم إن هذا التغيير من الداخل ليس خصيصة منهجية إسلامية في الصراع الحضاري وحسب، بل هو أيضًا فعل مقاومة لا تنقطع لسلبيات المشروع الحضاري المادي، وهو بذل ممانعة دائمة داخل النفس، وفي الجماعة المواجهة محاولات الاختراق التي لابد من أن تتعرض لها الذات المؤمنة بعنوان الأهواء، وصنوف الإغراءات الفردية والجمعية المؤدية إلى تهافت الأمة وسقوطها، ومعها يتهاوى المشروع الحضاري الذي اختارت الانتماء إليه من خلال تداعي مصاديقه.

ـ الصراع الإحيائي:

يعقد المؤلف هذا الفصل لتكفيك رموز مصطلحي الصراع والحوار، على خلفية الغموض والالتباس الذي يكتنفهما، وفق التصور الإسلامي، منطلقًا من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ... ) في تحديد معنى الصراع الذي يرى في هذا الاحياء/ الدعوة للانتصار على السكونية والموت المعنويين .. دعوة مشروعة للانضواء في الصراع الحضاري الأزلي إن لم يكن هو فعل الصراع بعينه.

ثم يعقب على ضرورة توطيد التعاون والتخفيف من حدة حوافز الاختلاف، وتذليل عقبات التفاهم إلى الحد الأقصى الممكن وذلك عبر المشروع الذي ارتسم بعنوان الحوار بين الحضارات الذي يبصره باعتباره القطب الأول في ثنائية جدلية يشكل مشروع الهوية الكونية الواحدة الناهدة إلى وأد الهويات المحلية الموقعية أو ما عُرف بالعولمة، القطب الآخر لها.

وفي طريق إرساء دعائم القطب الأول يرى شرطية إحداث تحول مبدئي في العلاقات الدولية بنسقها التدميري الرائج والقائم على ما يسمى (( لعبة المصالح ) )ـ أو إدارة الأزمة في كوكب الفقراء حسب أحد المفكرين الإسلاميين ـ والبراغماتية المادية العمياء، وذلك باتجاه بناء علاقات راسخة بين الدول بوجهة جديدة ومضمون جديد يقومان على المساواة بين الدول في الحق والسيادة وفي الواجبات وفي تنمية علاقات الصداقة والتعاون بما يضمن الأمن والسلم الدوليين، وعلى أساس الاحترام المتبادل واللجوء إلى الطرق السلمية لفض النزاعات وضمان الحق بالتنافس البناء والتمايز النقدي الحر.

ثم إنه يعتقد أن الإمام الخميني (رض) مثل التجسيد العيني للنموذج غير الطوباوي للعلاقات الدولية بمعاييرها الإسلامية، عندما قرر للسياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن ترفض المساومة على المبادئ الإسلامية التي قامت عليها تلك السياسة.

رافضًا ـ المؤلف ـ الدعوى التي ترى في نظرة الإمام إلى العلاقات الدولية والصراع الدولي، محكومة بالمنهج الفلسفي المثالي المنطلق من مقدمات عقيدية أو ميتافيزيقية ثابتة، والمنطلق مما يجب أن يكون لا مما هو كائن، وذلك قبالة (( المنهج الواقعي المعاصر ) )على طريقة هانس مورنمانثو ..

إذا كان ذلك يحلو لهم، فإن تطبيق الإمام عمليًا لتصوره الإسلامي للعلاقات الدولية ومبادئ حمايته فعل الصراع الدولي، خير دليل على أن الإمام قد زاوج بين ما ينبغي له أن يكون وبين ما هو كائن، مقدمًا من خلال ذلك أفضل مثال على اقتران النظرية بالممارسة في المشروع الحضاري الإسلامي والشريعة التي يعتد بها.

* مجلة التوحيد /العدد701/1002 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت