فهرس الكتاب

الصفحة 2777 من 3028

في هذا الفصل يحاول المؤلف التعرض لمقولتين شكلتا العصب الأساس في مكونات الظاهرة الأمريكية، التي شكلت أحدث تطوير لمفاهيم التطور التأريخي والفكر السياسي وفلسفة التأريخ في الغرب بشتى تداعياتها، أريد لهما ـ هاتين المقولتين ـ أن تكونا جوابًا عن السؤال أعلاه، معتقدًا ـ المؤلف ـ بأن كل الإجابات التي قدمها العقل الغربي عن السؤال حتى الآن لما تؤد إلى فهم مقنع بحقيقة الصراع بين الأمم والشعوب، هل هو ديني أم أثني أم ايديولوجي أم اقتصادي أم سياسي أم خليط مركب من هذا وذاك؟ الأمر الذي يدع مجالًا عريضًا ـ والكلام له ـ للشك في قدرة العقل الغربي على تقديم فهم حقيقي لحاضر العالم وعلى استشراف مستقبله، وبالتالي ثبوت عجزه ن فهم الإنسان والتأريخ والتطور التأريخي وشروط قيام عالم متوازن ومتكامل وآمن.

هاتان المقولتان اللتان تحاولان تقديم رؤية في تفسير حركة التحولات التي تجتاح العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وصياغة منظور في العلاقة بين الحضارات ـ وفق التصور الأمريكي ـ تنتميان إلى نوع المقولات التي مزجت بين السياسة والثقافة في تكوين بنيتها الداخلية وفي نظرتها للعالم الخارجي. وهما مقولتا: (( نهاية التأريخ والإنسان الأخير ) )وهي محاولة المفكر السياسي الأمريكي (( فوكوياما ) )، الذاهبة إلى أن الديموقراطية الليبرالية ... تشكل فعلًا منتهى التطور الايديولوجي للنسانية، والشكل النهائي لأي حكم إنساني، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مما يعني نهاية التأريخ بتحقق الانتصار الشامل للنموذج الحضاري الغربي كخيار وحيد لمستقبل الإنسانية. إذ سوف لا يبقى في نهاية التأريخ أي منافس حقيقي للديموقراطية الليبرالية ... جازمًا بأن الدين ـ بدوره ـ لن ينشئ بذاته مجتمعات حرة، وبأن المسلمين في المدى المنظور لن يتمكنوا من منافسة الديموقراطية الليبرالية في عقر دارها في مجال الأفكار.

إن مقولة فوكوياما، بالمحصلة، وهي تقرأ الواقع الجيوسياسي في العام اليوم، وهو واقع متهافت وقلق لا يضمن التحليل العاقل استمراره وديمومته، إنما تعيد تظهير مشهد العلاقات الدولية بمعادلاتها وارتجاجاتها الحالية، باعتباره قدرًا نهائيًا يرتسم فيه العالم المابعد تأريخي بدوله الديموقراطية القائمة (الشمال) ودوله الممكنة في المستقبل، واحة سلام مستقر. بينما يرزح العالم التأريخي (دول الجنوب) في فوضى التدافع والقتال والصراع وتحتشد بين العالمين ـ وبالمنطق التيموسي الفوكويامي نفسه ـ قابليات انفجار الحروب وعواملها. فكيف للتاريخ أن ينتهي وللعالم أن يستقر ويهدأ، وسيوف الصراع وأسبابه مسلطة فوق رؤوس البشر، في ظل غلبة معادلات الظلم والهيمنة وآيديولوجيا البقاء للأقوى، وتشرعي إخضاع الآخر بكل الوسائل المتاحة؟.

ثم إن المتمعن في العلاقة الجدلية التي يرسمها فوكوياما بين السياسة ومكونات الهوية الثقافية الأخرى يجد أن السياسي عنده يكاد يبتلع كل شيء، ويحتويه بما في ذلك الفكر والدين والانتماء القومي وخصوصيات الهوية الثقافية، إلى درجة باتت فيها الثقافة شرطًا ممكنًا لقيام الديموقراطية، لا شرطًا حقيقيًا وضروريًا.

هكذا وبهذه الإسقاطات المتجزئة التي انتزعها فوكوياما ـ يقول سمير سليمان ـ من رماد جمهورية أفلاطون .. ومن مفهوم الدولة والتحقق التأريخي الهيغليين .. اللذين أحرق هيكلهما بثقاب انتقائيته، يقرر فوكوياما أن الديموقراطية .. هي ابتداع نخبوي انقلابي من الدرجة الأولى، حققه دهاقنة السياسة، وليس للشعوب فيه إلا دور الرعايا الذين يصادقون على قرار النخبة، أو بمعنى أدق ـ يُذعنون له. وحتى ثقافات الشعوب (( المصنعة ديموقراطيًا ) )يختزلها فوكوياما إلى (( ميولات غامضة ) )تُشطب من عل أو تمحى بحبر سياسي.

(( إن مقولة فوكوياما، بأبعادها المركبة المنوه بها هي مقولة إلغائية استكبارية حضاريًا وسياسيًا، تصدق بلا ريب عن رؤية فلسفية حضارية هي في قلب المشروع الحضاري المادي المعنون اليوم بالغرب ) ).

المقولة الأخرى، التي استقطبت اشتغالات على نطاق علمي واسع في ميادين الثقافة والسياسة والاقتصاد والإعلام وهكذا في ميادين الفلسفة وعلم الأديان والتاريخ. الاشتغالات التي أكدت الطابع الجدلي لهذه المقولة ولما لها من حساسية وتوجس، هي مقولة (( صدام الحضارات ) )وهي محاولة المفكر السياسي الأمريكي (( صامويل هانتغتون ) )القائلة بـ: (( إن المصدر الأساسي للنزاعات في العالم الجديد لن يكون مصدرًا آيديولوجيًا أو اقتصاديًا في المحل الأول. فالانقسامات الكبرى بين البشر ستتكون ثقافية .. وستظل الدول/ الأمم هي أقوى اللاعبين في الشؤون الدولية، لكن النزاعات الأساسية في السياسات العالمية ستحدث بين أمم ومجموعات لها حضارات مختلفة، وسيسيطر الصدام بين الحضارات على السياسات الدولية، ذلك أن الخطوط الفاصلة بين الحضارات ستكون هي خطوط المعارك في المستقبل ) ).

وبعد أن يحدد هانتغتون مفهومه لمصطلح (( الحضارة ) )ينتقل إلى رسم الشكل العام لخارطة الحدود الحضارية في العالم المعاصر، حيث يرى أن (( خطوط الفصل) 9 بين الحضارات ستكون نقاطًا حساسة وستكون عاملًا لظهور الصراعات المستقبلية، وتُعد البديل لحدود الايديولوجية السياسية الخاصة بفترة الحرب الباردة،ويسعى الكاتب في دراسته إلى إفهام رجال السياسة في أمريكا والغرب بأن مصدر الصراع المستقبلي سيكون بين الحضارة الغربية من جهة واتحاد المجتمعات الكونفوشيوسية في شرق آسيا والعالم الإسلامي من جهة أخرى، ويعتقد أن الصراعات الحضارية هي آخر مرحلة من مراحل تكامل الصراع في العالم.

ثم في ضوء هذه التضاريس والحدود التي احتفرها هانتغتون يحاول المؤلف أن يخرج بملاحظتين منهجيتين، قوام الأولى: خطورة اعتبار الأديان ـ وفق ما ينتهي إليه هانتغتون ـ مجرد مشاريع نزاعات وحروب .. ناهيك أن تأويله مؤد حتمًا إلى إثارة الأديان وتحريضها بعضًا ضد بعض.

أما قوام الأخرى فهو عدم الدقة في المطابقة بين مفهوم الحضارة الذي اعتمده هانتغتون وبين الحدود التي اختطها على أساسه. وهما في الحقيقة جزء من مجموع مؤاخذات نقدية أوردت على هذه المقولة، إذ يمكن الإشارة هنا إلى ملاحظات (( برجنسكي ) )الذي يقبل من حيث المبدأ استبدال الصراع الغربي ـ الشيوعي، بالصراع الغربي ـ الإسلامي، إلا أنه ينكر على هانتغتون عدم اهتمامه بتفتت الفكر الغربي وتآكله داخليًا. كذلك من المؤاخذات المهمة التي وجهت لنظرية (( صدام الحضارات ) )هي ما كتبه الدكتور فؤاد عجمي، الذي يستغرب من هانتغتون تجاهله دور الدول في تحقيق مصالحها القومية، مع أن (( الدولة ) )لا تزال أقوى العوامل على مسر القضايا العالمية، فهو ينظر أولًا لسيطرة الدول على الحضارات وثانيًا لضعف العامل الحضاري.

ـ فوكوياما وهانتغتون وجهان لعملة واحدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت