فهرس الكتاب

الصفحة 3016 من 3028

وكانت قد وجدت المسلمة التي تقول: أنا مسلمة ما دامت نيتي حسنة .. ولكن لا عليّ أن أخالط الشبان وأخرج معهم ، ولا عليّ أن ألبس أحدث أزياء الموضة ولو كانت عارية الصدر أو الظهر أو الذراعين أو الساقين .. أو عارية البدن كله إلا قليلا على شاطئ البحر .. ولا عليّ أن أتزين بكل أنواع الزينة .. ولا عليّ أن أرقص في الحفلات إذا اقتضى الأمر .

وفوق هذا وذلك كان قد وجد"المسلم""والمسلمة"اللذان ينسلخان من دينهما علانية ، ويعلنان أن الدين رجعية وجمود وانحطاط وتأخر .. ينبغي تحطيمها"لتنهض !"الأمة وتخطو إلى الأمام !

وكان ذلك هو حصيلة الجهد الجبار الذي بذله الاستعمار الصليبي في العالم الإسلامي خلال قرنين كاملين من الزمان ، ولكنه لم يكن يعمل وحده .. فقد كانت إلى جانبه - في العالم كله - تيارات مادية منحلة ، تنسلخ من الدين وتندد به وتدعو إلى حيوانية بشعة لا مثيل لها من قبل بهذه الضراوة ، تسند هذا الانحلال الشنيع بنظريات"علمية !"سيكلوجية واجتماعية ، وتضيف إليها أسطورة ضخمة اسمها"التطور"!

من هذه وتلك حدث أكبر انحراف في تاريخ الإسلام .

وفي الفصلين القادمين بيان لكيد الاستعمار الصليبي من ناحية ، والتيارات العالمية من ناحية . ونبدأ بالكيد الصليبي في داخل العالم الإسلامي ، وهو ما سميناه"عوامل محلية".

عوامل محَلية

بدأت بالحملة الفرنسية على مصر صفحة جديدة في التاريخ الإِسلامي .. صفحة سيئة .

لقد هجمت الجيوش الصليبية من قبل على العالم الإِسلامي هجمات متكررة .. ثم ردت مدحورة في كل مرة ، مهما كان مدى لبثها في بعض الأراضي الإِسلامية ، ومهما كانت الخسائر التي تكبدتها الجيوش الإِسلامية في صد العدوان وطرد المعتدين .

وفي هذه المرة جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر .. ثم في النهاية ثار عليها الشعب واضطرتها الظروف إلى الرحيل .. ولكن شيئًا ما كان قد تغير ما بين هذه الحملة وسابقاتها .. في الأسباب والنتائج سواء .

إن الهزيمة الحربية النكراء التي أوقعها نابليون بجيوش المماليك شمالي القاهرة لم تكن في الحقيقة هزيمة جيوش فحسب ، ولكنها كانت هزيمة عهد من العهود الإِسلامية ؛ وهزيمة للفكرة التي يمثلها ذلك العهد . هزيمة عميقة موغلة في النفوس

لقد صدمت الهزيمة نفوس المسلمين وهزتها هزة عنيفة .. مع أنها لم تكن أول هزيمة حربية في التاريخ . فمن قبل ارتدت الجيوش الإِسلامية مرات أمام هجمات الصليبيين . ولكن المسلمين في كل مرة كانوا يحسون أنها هزيمة مؤقتة ، سببتها كثرة الجيوش الغازية أو مفاجأتها للمسلمين على غرة . وكان في حس المسلمين دائمًا أنها فترة قصيرة ريثما تستعد الجيوش الإِسلامية وتتدفق على خطوط القتال .. ثم يأتي النصر من عند الله بعد أن تتهيأ النفوس للمعركة والفداء .

وكان ذلك يحدث بالفعل في كل مرة ..

يهب المسلمون وتتدفق الجيوش في حمية فائرة دفاعًا عن العقيدة .. ويأتي نصر الله كسابق وعده للمؤمنين .

ومن ثم كان المسلمون يحافظون دائمًا على استعلائهم ، حتى والهزيمة حائقة بهم ، فما كان يخالجهم الشك في أنهم الأعلون . وأنهم في النهاية هم المنتصرون .

وكان تكرار النصر بعد كل هزيمة مؤقتة يؤكد هذا المعنى في نفوسهم توكيدًا ، ويرسخ في شعورهم الاستعلاء بالإِيمان ، والاعتزاز بأنهم مسلمون . وكانوا ينظرون إلى الجيوش الغازية - مهما كانت قوتها وعدتها وعتادها - على أنها مجموعة من البرابرة المتأخرين ، الذين لا يعرفون الله حق معرفته ، ومن ثم فهم مخلوقات أدنى منهم ، ولو خدمتهم ظروف المعركة فترة من الوقت وغلّبتهم على المسلمين .

وكانوا ينددون تنديدًا عنيفًا بتقاليدهم المنحلة وأخلاقهم الفاسدة ، وكان من أشد ما ذكره المقريزي في التنديد بهم أنهم قوم فاقدو الرجولة ، فتجد الواحد منهم يصحب امرأته في الطريق حاسرة الوجه والصدر والذراعين فيقابلهما صديق لزوجته ، فيتنحى الزوج ليترك امرأته وصديقها يتبادلان الحديث ، حتى إذا انتهيا عاد فتأبط ذراعها وسار في الطريق !

وكان هذا بطبيعة الحال دنسا وانحلالا خلقيًا في نظر المسلمين ، وفقدانًا لمعاني الشرف في ذلك المجتمع الغربي ، لا يسيغونه هم ، ولا يكادون يتصورون أنه ممكن الحدوث ( ) .

وكذلك ظلت العقيدة مستعلية في نفوس المسلمين ، وظلوا يحسون بالعزة التي قررها الله لذاته - سبحانه - ولرسوله وللمؤمنين ، حتى في ساعات الحرج والكرب حين كانت جيوش الصليبيين تتدفق كالسيل من الجرف المنهار . وكانوا يحسون أن كل تقاليد غير تقاليدهم لوثة لا ينبغي أن تصيبهم ، ورجس لا ينبغي أن يدنس أرض الإِسلام .

ولكن الأمر لم يكن كذلك بعد الحملة الفرنسية ..

كانت العقيدة راسخة في نفوس المسلمين . نعم . ولكنها كانت - تحت الحكم التركي - قد جمدت وتحجرت كما قلنا في الفصل السابق . ولم تعد لها مرونتها الحياة التي كانت تتسم بها في جميع العصور . وتحولت إلى مجموعة من التقاليد - المقدسة المظهر - التي لا تحمل في طياتها رصيدًا حقيقيًا كبيرًا من الحركة الحية الفاعلة في عالم الواقع .

ثم كانت الهزيمة الحربية التي وقعت بالمماليك على يد نابليون في امبابة ، إيذانا بالهزيمة الداخلية .. هزيمة العقيدة في داخل النفوس .

لقد رُوّع المسلمون بمدافع نابليون .. وبدت لهم سيوف المماليك هذرًا فارغًا إزاء تلك المدافع الجديدة التي لم يكونوا يعرفونها ، أو يتصورون وجودها في يد الأعداء .

وانقلب ميزان القوى انقلابًا عنيفًا في نفوسهم .

فتلك هي المرة الأولى التي تنهزم فيها جيوش المسلمين"عن جدارة"وتتغلب جيوش الصليبيين لأنها تملك"قوة"حقيقية من العتاد والفن الحربي و"المعرفة"لا يملكها المسلمون .

ولقد كان ممكنًا مع كل ذلك ألا يتغير الميزان في داخل النفوس .

كان ممكنًا أن تصمد النفوس للهزيمة ، ريثما تتجمع للانقضاض من جديد .. كما حدث مرات كثيرة من قبل . ولكن"الرصيد الداخلي"للعقيدة في تلك الفترة لم يكن من القوة بحيث يصمد للصدمة ويتجمع من جديد .

حقًا .. لقد قام الشعب بمقاومة باسلة للحملة الفرنسية . وثارت القاهرة بزعامة"رجال الدين"وتأثيرهم الروحي .. وحدثت بطولات عجيبة أروعها بطولة"الفتى الصغير"في الصعيد ، الذي ظل بمفرده يدلف كل ليلة إلى معسكر الأعداء ، فيدخل مخزن الأسلحة ، ويستولي على بنادق الفرنسيين ، ويعود سابحًا في الترعة إلى أهله ليتسلحوا بها في مقاومة المحتلين . حتى إذا بان النقص في الأسلحة ترصد الحراس للمتسللين وهم يظنونهم عصابة هائلة ، فإذا بهم يفاجأون بهذا الصبي وحده يصنع هذا الصنيع ! وانقضوا عليه يحاولون القبض عليه فقاوم حتى انكسرت ذراعه ، وحملوه إلى قائد الحملة ( ديزيه ) فلما رآه أخذ بشجاعته وبطولته ، وعرض عليه أن يتبناه فرفض لأنه كافر . فعرض عليه أن يتكره على ألا يعود إلى سرقة السلاح فرفض أن يعده بذلك ما دام الكفار باقين في البلاد ! وأخيرًا أطلق سراحه على أن تشدد الحراسة على السلاح !

حقا .. لقد حدث كل ذلك . ولكنه كان أشبه بالأعمال"الفردية"الفدائية . أما"الكيان"الحقيقي للدولة المسلمة المقاتلة ، التي تنظم القتال وتجيش الجيوش ، وتقف للغزاة بوصفها"دولة الإسلام".. أما ذلك كله فكان قد ذاب في معركة إمبابة ، ولم يعد له وجود .

وأحس المسلمون بالهزيمة حتى وهم يرون الغزاة ينسحبون .

لم تكن الهزيمة الحقيقية هي هزيمة الحرب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت