إخوة الإسلام، حافظوا على عمود دينكم وهو الصلاة، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وتخلقوا بالأخلاق الإسلامية الكريمة والمثل والسجايا الحميدة، وحذار من الإكتفاء بالتسمي والمظاهر دون عمل ولا تطبيق، فليس الإسلام والإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، واشكروا الله عز وجل على عموم نعمه وآلائه، فدينكم الإسلامي يحقق لمعتنقيه الراحة والطمأنينة بعيدًا عن القلق والاضطراب والتوتر والاكتئاب، وصدق الله: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ [الزخرف:26، 37] .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2177)
عبد الرحمن السديس إمام الحرم
مكة المكرمة
المسجد الحرام
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون في بلد الله الحرام، حجاج بيت الله الحرام، إخوة الإيمان في مشارق الأرض ومغاربها، أوصيكم بتقوى الله سبحانه وتعالى، فهي وصيته سبحانه للأولين والآخرين وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ [النساء:131] ، من رام عزًا وفلاحًا ونشد خيرًا وصلاحًا وطلب توفيقًا ونجاحًا فعليه بتقوى الله، من أراد عزًا من غير جاه، ورفعةً من غير منصب وغنىً من غير مال فعليه بتقوى الله، إن تقوى الله خير ذخرٍ يدخر، ولباس يزين به ما ظهر وما بطن، هي الطريق لكل خير، والسياج المنيع من كل شر، والحصن الحصين والدرع الواقي من كل بلاءٍ وضر، في تقوى الله الخروج من المضائق والسلامة من العوائق والنجاة من المآزق وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق:2، 3] ، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4] ، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفّرْ عَنْهُ سَيّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5] .
عباد الله، حجاج بيت الله، أتدرون أي يوم هذا؟ أتعلمون أي شهر هذا؟ أتدرون أي بلدٍ هذا؟ أما اليوم، فهو عيد الأضحى المبارك الذي عظّم الله أمره ورفع قدره وسماه يوم الحج الأكبر لأن الحجاج يؤدون فيه معظم مناسكهم يرمون جمرة العقبة ويذبحون هداياهم ويحلقون رؤوسهم ويطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة.
في هذا اليوم المبارك ينتظم عقد الحجيج على صعيد منى بعدما وقفوا الموقف العظيم يوم عرفة ورفعوا أكف الضراعة وذرفوا دموع التوبة والإنابة وتضرعوا إلى من بيده التوفيق والإجابة، ثم أفاضوا إلى المزدلفة وباتوا بها إتباعًا لسنة المصطفى القائل: (( خذوا عني مناسككم ) ) (1) [1] .
هذا اليوم يوم عيد الأضحى المبارك جعله الله للمسلمين عيدًا يعود بخيره وفضله وبركته على المسلمين جميعًا حجاجًا ومقيمين، في هذا اليوم يتقرب المسلمون إلى ربهم بذبح هداياهم وضحاياهم إتباعًا لسنة المصطفى فقد نحر بيده الشريفة في حجة الوداع ثلاثًا وستين بدنة، وضحى بكبشين أقرنين أملحين، إتباعًا لسنة أبينا إبراهيم الخليل عليه السلام الذي أمر بذبح ابنه وفلذة كبده، وثمرة فؤاده فامتثل لأمر ربه جل وعلا وسلم وانقاد، لكن الله سبحانه بلطفه ورحمته فداه بذبح عظيم، وروى البخاري ومسلم أن رسول الله ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
أمة الإسلام، لقد ورد الفضل العظيم، والثواب الجزيل عن إحياء شعيرة الأضاحي، في الحديث أنه قال: (( ما عمل ابن آدم عملًا أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بأظلافها وشعورها وقرونها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، وإن للمضحي بكل شعرة حسنة وبكل صوفةٍ حسنة فطيبوا بها نفسًا ) )رواه أحمد والترمذي وابن ماجه (2) [2] .
ومما ينبغي أن يعلم أن للأضحية ثلاثة شروط:
الأول: بلوغ السن المعتبر شرعًا وهو خمس سنين في الإبل، سنتان في البقر، وسنة في المعز، ونصف سنة في الضأن.
الثاني: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء وقد بينها بقوله: (( أربع لا تجزئ في الأضاحي العرجاء البين ضلعها، والعوراء البيِّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء وهي الهزيلة التي لا تنقي ) ) (3) [3] .
الثالث: أن تذبح الأضحية في الوقت المحدد شرعًا وهو الفراغ من صلاة العيد إلى غروب الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق، والأفضل في يوم العيد وفي النهار ولا بأس بالذبح ليلًا، وتجزئ الشاة الواحدة عن الرجل وأهل بيته لحديث أبي أيوب رضي الله عنه.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وينبغي الإحسان في الذبح بحد الشفرة وإراحة الذبيحة والرفق بها وإضجاعها على جنبها الأيسر، والسنة أن يأكل المسلم من أضحيته ويهدي ويتصدق منها وأن يتولى ذبحها بنفسه أو يحضرها عند الذبح ولا يعطي جازرها أجرته منها، يقول الله عز وجل: فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] ، ويقول سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163] ، ويقول جل وعلا: وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الاْنْعَامِ فَالهكُمْ اله واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34] .
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.