74 ... - ... انظر:
أ.د. عبد الوهاب المسيري
يميل بعضنا إلى تصوير الخطاب الإسلامي باعتباره خطابًا واحديًا، أي ذا بُعد واحد. والدين الإسلامي - ولا شك - هو عقيدة التوحيد. لكن التوحيد لا يعني الواحدية؛ فالتوحيد يعني أن الله الواحد مفارق للإنسان والكونِ منزه عنهما، وهو ما يعني أن الواحد هو الله وحده، وما عدا ذلك فكثير، والخطاب الإسلامي ليس كلام الله، وإنما هو اجتهادات المسلمين داخل الزمان والمكان. ومن ثم فهو -أيضًا - متعدد وكثير، وتاريخ المسلمين هو تعبير عن هذه الكثرة وتلك التعددية. ما الأفكار الأساسية لهذا الخطاب؟ وما أسسه الفكرية؟ هذا ما سنصل إليه بعد قراءة المحاور التالية للدراسة:
الفكر العلماني وصياغة العلاقات بين البشر بصورة إنسانية
أ. منير شفيق: كاتب ومفكر إسلامي
يطرح المفكر العلماني العربي البارز"علي حرب"في كتابه:"حديث النهايات"مجموعة كبيرة من المقولات والأحكام التي تحتاج إلى وقفات متتالية، ولكن يمكن أن نأخذ نموذجًا على ما انتهى إليه. فهو قد قام بتبيين كيف أن الأفكار والنظريات والمذاهب التي انتهجها الغرب قد تسللت إلى وعينا وعقولنا، فمقولات مثل الديمقراطية والعقلانية والتقدم والعلمنة والأنسنة والحداثة وحقوق الإنسان وحرية الفرد - تشكل الانقلاب على النظرة اللاهوتية للكون والإنسان والعالم.
ثم يصل به القول إلى أن أنسنة العلاقات بين البشر في عصر المعلومة والعولمة مستحيلة بالعودة إلى تراثنا، ويخص بدراسته التشريعات وأحوال الإنسان في العصر المملوكي والمجتمع الأبوي (الذي يسلم قيادته لحاكم مستبد ذو نزعة تراحمية) والفكر اللاهوتي (الفكر المبني على نظرية معرفة تعد الكتب السماوية طرفًا بارزًا فيها) .
نحن هنا أمام نموذج آخر من نماذج فكر العلمنة والحداثة في بلادنا. فعلي حرب يمثل قمة من قمم العلمانية والحداثة.
يجب أن نلاحظ بادئ ذي بدء أنه يستخدم وصف النظرة اللاهوتية للعالم والكون والإنسان في سياق يتسم بالغموض.. فهل يعني النظرة اللاهوتية الكاثوليكية انسياقًا مع وصف المدرسة الأنجلوسكسونية (البروتستانتية) ، أو النظرة التنويرية المعادية للكنيسة الكاثوليكية حصرًا في تجربة الغرب (التي لم تر الديانة المسيحية قادرة على مواكبة العصر) ، أم يعمم النظرة اللاهوتية مدرجًا بها -بصورة مواربة- النظرة الإسلامية؟
ولكي لا يبدو السؤال السابق تجنيًا، فهو يستعيد استخدام عبارة الفكر اللاهوتي الاصطفائي في سياق إشارته إلى التشريعات والإنسان في العصر المملوكي، والمجتمع الأبوي، والفكر اللاهوتي؛ الأمر الذي يسمح بالقول إنه يعمم ولا يخصص، ومع ذلك لنرد بطريقة تبين أن الإسلام يستطيع أن يؤنسن أو يسهم في أنسنة العلاقات بين البشر في المعلومة والعولمة.
النقطة الأولى التي يجب حسمها هي كيف يمكن أن يُعزى للغرب إدخال مقولات مثل الديمقراطية والعقلانية والتقدم والعلمنة والأنسنة والحداثة، وحقوق الإنسان وحرية الفرد، ولا أدري لماذا نسي المعرفة العلمية والمنهج العلمي والعدالة والإخاء والمساواة، في منظومتنا الفكرية، كأنها الجديد الذي لم نسمع به أو بمثله قط.
استيراد الثقافة والمفاهيم
ربما يمكن أن نقبل أن بعض المفاهيم لم تستخدم في تراثنا العربي والإسلامي بنفس الألفاظ والكلمات أو المعاني التي أثّر الغرب في إدراجها ضمن حواراتنا، أو لدى فكر البعض، وهو ما جعلها جزءًا من أيديولوجياتهم ونظرتهم إلى تاريخنا وإلى العالم والإنسان وإلى قضايانا المعاصرة.
ولكن كيف لا نلاحظ أن كثيرًا من المحتويات التي تتضمنها تلك المقولات قد أشبعها الإسلام والفقه الإسلامي والفكر الإسلامي تأكيدًا أو دراسة وتمحيصًا. ولنبدأ بأشدها عمومية مثل العقلانية، وقد استُخدمت في القرآن والحديث بمعنى يعقل، ويستخدم عقله، أو لا يستخدمه في معرض الذم أو التوبيخ والتذكير في عشرات المناسبات والأحوال. فكيف يقبل أن تسوّق لنا تحت اسم عقلانية؟ ولدينا ما نقوله الكثير في أبعاد هذا المفهوم كما نشأ في الغرب وتُرجم عمليًا، ليس من خلال صورة واحدة وإنما من خلال صوره المختلفة.
وإذا جئنا إلى إشكالية الديمقراطية وفككناها إلى عناصرها الأساسية، فسنجد جملة من المعاني التي للإسلام فيها من الفهم ما هو أعمق وأبعد مدى، فلا أحد يستطيع أن يصحح مفهوم الإسلام للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو بين الخليفة وجماعة المسلمين، أو حقوق الأمة أو مقومات الحكم العادل، إما إذا جاءت التجربة الغربية ببعض تطبيقات الديمقراطية كالانتخاب المباشر والتعددية السياسية والتداول على السلطة، أو حرية إبداء الرأي والمشاركة -فهذا لا يجعلها مقولات تستحق أن تحل مكان إسلامنا كما حلت مكان النظرة اللاهوتية في الغرب، بل ثمة شكوك في كونها قابلة للنقل عندنا بالطريقة نفسها.
أما إذ جئنا إلى حقوق الإنسان أو حرية الفرد والأنسنة: فنحن حتى يومنا هذا نجد عند الإسلام ما يتفوق على ما عند الغرب من مقولات، فشتان بين ما وصله الغرب من غلو في تحديد حرية الفرد أو حقوق الإنسان وصولًا إلى إقرار حق المثليين (الشواذ) في الزواج، وفي اعتبار كل من يظلهما سقف واحد زوجين، أو المضي بحرية الفرد إلى حق أن يمتلك أكثر ما يمتلكه ألف مليون إنسان يعيشون تحت خط الفقر، وبين الإسلام في توازنه ودقته في تناول تلك القضايا، بل حتى في مسألة عدم التمسك بالتقاليد البالية أو بما وجدنا عليه آباءنا إن كان منحرفًا، أو خاملًا، أو جاهلًا.. فإن الإسلام دعا أول ما دعا إلى ترك كل ذلك وأخذ موقفًا نقديًا منه، وأحدث التغيير العميق والجذري إلى الأفضل في مجتمع الجزيرة العربية، وحيثما رفع لواءه، وهو ما يجدر بأن يسمى العقلانية، بغض النظر عن المحتوى والمعنى والمضمون الإنساني.
العولمة ضد الإسلام
أما على المستوى القول بأن أنسنة العلاقات بين البشر في عصر المعلومة والعولمة مستحيلة بالعودة إلى ما عرفه تاريخنا من تشريعات وأنساق، فلا أدري لماذا حصر ذلك في عصر المماليك والمجتمع الأبوي والفكري اللاهوتي، ولم يشر إلى المرجعية الإسلامية وما خلّفته من تراث علمي وحضاري وإنساني وثقافي ونماذج تاريخية؟. فالذين يتصدون إلى المناداة بأنسنة العلاقات بين البشر أمام هجمة العولمة المتوحشة إنما هم القائلون بالمرجعية الإسلامية وتراثها المضيء وليس بمرجعية العصر المملوكي، أو المجتمع الأبوي ناهيك عن الفكر اللاهوتي.
على كلٍ: إن أنسنة العلاقات بين البشر يجب أن تبدأ أول ما تبدأ بأنسنة علاقة الغرب (المقصود اتجاهاته الرئيسية العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية) بشعوب العالم خارجه. وقد أثبتت الحضارة الغربية والثقافة الغربية منذ عصر التنوير حتى الآن أنهما عاجزتان عن أنسنة علاقة الغرب بمن هم خارجه (أي بغير الغرب) .