مجلة البيان - (ج 100 / ص 50)
بقلم: د .أحمد محمد العيسى
تمثل الصحوة الإسلامية المعاصرة هاجسًا مزمنًا للعديد من الجهات والتيارات
الفكرية والسياسية على مستوى العالم العربي والإسلامي وعلى المستوى الدولي على
حد سواء ؛ فالذين أحرقهم تسلط الغرب وهيمنته السياسية والاقتصادية ، والذين
أشغلهم تغلغل القيم والثقافة الغربية داخل المجتمعات الإسلامية ، يرون في الصحوة
أملًا في كبح التسلط والهيمنة الغربية ، وفي إيقاظ الشعوب المسلمة من سباتها
العميق ؟ لتعيش حالة التحدي التاريخي للحضارة الغربية بكل منطلقاتها العقدية
والثقافية وقدرتها التقنية العالية ، أما الآخرون الذين يرون أن الغرب قد وصل إلى
مرحلة ( اللاتحدي ) من جانب الحضارات الأخرى ، وأن ما يقدمه من قيم وثقافات
هي قيم عالمية لا ينبغي لأحد أن يعترض عليها أو يرفضها أو أولئك الذين يخافون
على مصالحهم الذاتية ومكاسبهم الشخصية ، فهم يرون في الصحوة خطرًا و ( بعبعًا) يتهدد مصالحهم ووجودهم .
ولكن هل وصلت الصحوة الإسلامية - بالفعل - إلى مستوى متقدم لكى تشكل
لأولئك المتعاطفين معها هذا الأمل المشرق ، أو المعادين لها هذا الهاجس المزمن ؟
وهل واقع الصحوة يبرر تلك الحملات المسعورة التي تشنها الحكومات العلمانية في
العالم العربي على مظاهر الصحوة الإسلامية ويجعلها تنتهج سياسات تجفيف المنابع ... أو يبرر لكثير من مفكري الغرب وسياسييه وضعها في مقام العدو الأول للحضارة
الغربية ؟ .
إن المتأمل لواقع الصحوة الإسلامية اليوم لن يجد صعوبة تذكر في الإشارة
إلى ضعف إمكانات الصحوة المادية والعسكرية والإعلامية ، إضافة إلى عوامل
التفكك والاختلاف الذي يضرب أطنابه في معسكر الصحوة الإسلامية .
إذن: ما هي عوامل القوة والخطورة التي تمتلكها الصحوة والتي جعلت منها
أهم ظاهرة اجتماعية في أواخر القرن العشرين ؟ ، إن الجواب على هذا السؤال
المهم يمكن أن يتناول عوامل شتى ، ولكن - في رأيي - أن أهم عاملين يدعمان
مكانة الصحوة الإسلامية ويجعلانها تمثل الهاجس الذي أشرنا إليه ، هما: سرعة
انتشار الصحوة الإسلامية واستقطابها لشرائح مختلفة في المجتمعات الإسلامية ،
والاهتمام بالتأصيل الشرعي للقضايا المعاصرة .
لقد أدى الانتشار السريع للصحوة الإسلامية ، واستجابة العديد من شرائح
المجتمعات الإسلامية لنداء الدعاة والعاملين للإسلام للعودة إلى الدين والالتزام
بمبادئه وقيمه وإعادة الاعتبار للهوية الإسلامية ، إلى اعتبار الصحوة ظاهرة
تاريخية تسعى إلى تغيير المجتمعات الإسلامية ؛ مما جعلها خطرًا حقيقيًا على الواقع
السائد في هذه المجتمعات ، فلم تكن رسالة الصحوة الإسلامية موجهة للنخبة من
المثقفين أو المفكرين ، كما هو الحال لبعض التيارات الفكرية الوافدة ، مثل: تيار
الحداثة الذي كان ولا يزال يحتقر الجماهير ، ويعتبرها لا تعي رسالته وخطابه
الفكري . ولقد أدى وضوح وسهولة شعارات الصحوة الإسلامية المستمد ة من
القرآن والسنة ، واعتمادها على تاريخ حضاري عريق يحتوي على معين لا ينضب
من الأفكار والرؤى والقيم ، إلى تفاعل الشباب المسلم مع تلك الشعارات ، والتزامه
بما تطرحه من رؤى وآمال ومفاهيم ، وساعد على انتشار الصحوة الإسلامية:
الإخفاق المذهل على جميع المستويات للتيارات المتغربة التي قادت البلاد العربية
والإسلامية خلال هذا القرن ، الأمر الذي جعل من بعض أشد المتحمسين للتيارات
القومية والماركسية والحداثية يعودون إلى الإسلام ، ويتحدثون باسمه ، ويشيرون
إلى أنه الحل لما تواجهه الأمة من مصائب ، ونكبات .
وعلى الرغم من اعتراف الكثيرين من الأعداء والأصدقاء بقدرة الصحوة على
استقطاب أعداد غفيرة من الشباب المسلم ، إلا ان بعض المفكرين الإسلاميين يعتبر
أن استقطاب تلك الجموع الغفيرة أدى إلى ضعف مناهج التربية الإسلامية ؛ حيث لم
يجد المربون والعلماء الوقت الكافي لتربية تلك الجموع بالعقيدة والمبادئ الأخلاقية
الإسلامية والمنهج السليم في التفكير والتلقي ، فكان أن انجرف بعض منهم في
تيارات الغلو ، وانشغلت الصحوة كثيرًا بالأخذ والرد في قضايا بعيدة عن واقع الأمة
وأولوياتها المعاصرة ، وعلى الرغم من صحة هذه الملاحظة - على وجه العموم -
إلا أنه ينبغي التأكيد على أن التأثير والانتشار السريع للصحوة داخل المجتمعات
الإسلامية هو ميزة إيجابية كبرى ، إذ إنها اثبتت أن عموم المسلمين يعيشون في
فراغ كبير لا تستطيع ملأه إلا حركة جماهيرية تعتمد على عقيد ة الإسلام الواضحة
لاستعادة موقع الأمة في العالم المعاصر ، وتؤكد على أن الشباب يستجيب ويتفاعل
مع رسالة الصحوة الواضحة ، مهما كانت الظروف التاريخية والسياسية التي أدت
إلى ابتعاد كثير منهم عن الالتزام الشامل بالعقيدة الإسلامية ؛ فعاشوا ردحًا من الزمن
في غربة عن دينهم وهويتهم ولهذا: فإن الفشل في معالجة الانحرافات الناتجة عن
الانطلاقة السريعة لا يعني أن البداية كانت خاطئة ، ولكن يعني أن أساليب التربية
لا تزال قاصرة عن معالجة تلك الانحرافات ، وغير قادرة على مواكبة التغيرات
الكبيرة التي تحدث على الساحة الإسلامية .
ويأتي الحديث عن العامل الثاني من عوامل نجاح الصحوة الإسلامية ، وهو:
قضية التأصيل الشرعي لقضايا المسلمين المعاصرة ، وقضية التأصيل الشرعي
أصبحت همًا من هموم الصحوة الإسلامية ، بعد أن اصطدم الفكر الإسلامي بمعضلة
التفاوت الكبير بين المبادئ الإسلامية والواقع الراهن ، حيث أدت سنوات طويلة من
غياب المسلمين عن مصادر دينهم ؛ بسبب الجهل المتراكم عبر سنوات عديدة ،
وبسبب الغزو الفكري والثقافي من قبل الحضارة الغربية .. إلى أن تختلط كثير من
أحكام الدين بالعادات المتوارثة ، أو بالعادات الوافدة ، فنشأت المناهج المشوشة في
كثير من قضايا المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ... فكان لزامًا
على الدعوة أن تبحث في تأصيل تلك القضايا من الناحية الشرعية ، وإعطاؤها
الوقت الكافي للدراسة العلمية ، بعيدًا عن تسطيح تلك القضايا وتمييعها وتلفيق
الحلول لها ، وسبب آخر أدى إلى تصاعد الدعوة إلى التأصيل الشرعي للقضايا
المعاصرة ، هو: اتساع شقة الخلاف بين بعض تيارات الصحوة ، فأصبح كثير من
الدعاة والمفكرين يدركون الحاجة إلى وجود مرجعية ومنهج يحتكم إليه المختلفون
لمعرفة الحق والصواب . وعلى الرغم من أن الإنجاز في هذا الموضوع لا يزال
ضعيفًا ومحدودًا ، إلا أن مجرد الاهتمام بهذه القضية الكبرى ، وكونه شائعًا في
أوساط الصحوة الإسلامية ، يمكن اعتباره إنجازًا مهما للصحوة الإسلامية المعاصرة ، ... يضاف إلى الإنجاز الأول الذي أشرنا إليه آنفًا .
ولعل الهجوم الشرس الذي تتعرض له الصحوة الإسلامية اليوم من قبل القوى
العلمانية والشيوعية في العالم الإسلامي أو من الدول الغربية ، ليس مرده فقط إلى
سرعة انتشارها واعتبارها القوة الشعبية الأولى في العالم الإسلامي ، بل وأيضًا
بسبب الدعوة إلى تأصيل القضايا المعاصرة شرعيًا ، والدعوة إلى تغيير الحياة من
جميع جوانبها داخل المجتمعات الاسلامية .
إن هذه الدعوة أثبتت للغرب ولأصحاب التيارات التغريبية أن الصحوة ، في
الوقت الذي تطالب فيه بتطبيق الشريعة في جميع مناحي الحياة في البلاد الإسلامية ، فإنها إنما تدعو إلى قيام نظام شامل للحياة يختلف عن مفاهيم الغرب وقيمه