فهرس الكتاب

الصفحة 2607 من 3028

ومعنى ذلك أن علينا أن نتقبل ما يقوله السادة المستشرقون عنا وعن ديننا ونحن صاغرون، وليس لنا حتى مجرد حق التعبير عن الاستياء وإلاّ فنحن متخلفون جاهلون، قاصرون عن فهم الأمور فهمًا علميًا .

ولست أدري من الذي ندب مثل هؤلاء الناس المتغطرسين لتنويرنا ؟ ومن أعطاهم حق الوصاية الفكرية علينا ؟

أليس هذا يعد تدخلًا سافرًا في أخص أمورنا الذاتية ؟ وهل يقبل هؤلاء أن نتدخل في أي أمر من أمورهم صغر أم كبر؟!

[1] مصدر القرآن ..

[2] صحة النص القرآني ..

[3] خطورة القرآن …

[1] مصدر القرآن ..

القرآن الكريم هو كتاب الإسلام الأول الذي تقوم على أساسه عقائد الدين الإسلامي وشريعته، وتنبثق منه أخلاق الإسلام وآدابه. فإذا ثبت أنه وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ومن خلفه، فإن الإيمان به يصبح أمرًا لا مفر منه .

ومن أجل ذلك اتجهت جهود المناهضين للإسلام قديمًا وحديثًا إلى محاولة زعزعة الاعتقاد في صحة القرآن وفي مصدره. وقد بذل الوثنيون جهدهم في مقاومة فكرة أن القرآن وحي من عند الله. فزعموا أنه ( إفك افتراه وأعانهُ عليه قومٌ آخرون) ( الفرقان:4) وأنه (أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرةً وأصيلًا) ( الفرقان:5) وأن محمدًا (.. يعلمه بشر ..) ( النحل: 103) ، أو أن القرآن قول ساحر أو كاهن. وكانوا يهدفون من وراء ذلك كله إلى إبطال القول بأنه وحي السماء إلى محمد صلى الله عيه وسلم لهداية البشر .

وقد حذا المستشرقون المتحاملون على الإسلام في موقفهم من القرآن حذو مشركي مكة. وبذلوا محاولات مستميتة لبيان أن القرآن ليس وحيًا من عند الله وإنما هو من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم . ورددوا أحيانًا الاعتراضات التي قال بها الوثنيون قديمًا رغم دحض القرآن لها.

يقول ( جورج سيل G. Sale ) في مقدمة ترجمته الإنجليزية لمعاني القرآن التي صدرت عام 1736 م ما يأتي:

( أما أن محمدًا كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيسي له فأمر لا يقبل الجدل، وإن كان من المرجح ـ مع ذلك ـ أن المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة. وهذا واضح في أن مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك ) (87)

وقد كان ( جورج سيل ) ممن لهم اهتمام بالغ بالإسلام لدرجة أنه وصف بأنه نصف مسلم. وقد صادفت المقدمة التمهيدية للترجمة التي جزم فيها بتأليف محمد للقرآن نجاحًا عظيمًا في أ وروبا، الأمر أدي بمستشرق آخر هو ( كاسمير سكي) أن يجعل من مقدمة ( سيل) مقدمة لترجمته الفرنسية لمعاني القرآن التي صدرت عام 1841 م. وقد استطاعت هذه المقدمة أن تثبت وجودها زمنًا طويلًا جدًا كمصدر علمي موثوق به لدى المستشرقين من حيث اشتمالها على عرض شامل للدين الإسلامي (88)

وقد أصبحت قضية تأليف محمد للقرآن لدى المستشرقين ( أمرًا لا يقبل الجدل ) ، كما يقول ( سيل) ، غير أن من المستشرقين من يذكرذلك صراحة كما فعل (سيل) من قبل، وكما فعل ( رينان ) من بعده، إذ اعتبر الرسالة المحمدية امتدادًا طبيعيًا للحركة الدينية التي كانت سائدة في عصر محمد صلى الله عليه وسلم دون أن تشتمل هذه الرسالة على أي جديد (89) . ومنهم من يذكر ذلك بأسلوب أقل حدة وبطريق غير مباشر، وبعض المستشرقين المعاصرين ينحو هذا المنحى، الأمر الذي يجعل رأيهم يبدو وكأنه استنتاج علمي .

وإذا كان محمد هو مؤلف القرآن فإن الفرية الاستشراقية تحاول أن تكون محبوكة بقدرالإمكان وذلك ببيان المصادر التي اعتمد عليها محمد في كتابته للقرآن. ويذهب الخيال الاستشراقي في هذا الصدد كل مذهب لإثبات مزاعمه .

ويرى ( ريتشارد بل Richard Bell ) (90) مؤلف كتاب مقدمة القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمد في كتابته للقرآن على الكتاب المقدس، وخاصة على العهد القديم في قسم القصص. فبعض قصص العقاب كقصص عاد وثمود مستمدة من مصادر عربية، ولكن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية. وقد كانت فرصته في المدينة للتعرف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة حيث كان على اتصال بالجاليات اليهودية في المدينة، وعن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل (91) .

ويذهب المستشرق ( لوت ) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مدين بفكرة فواتح السور من مثل: حَمَ وطَسم، والمَ إلخ . لتأثير أجنبي ، ويرجح أنه تأثير يهودي، ظنًا منه أن السور التي بدئت بهذه الفواتح مدنية خضع فيها النبي صلى الله عليه وسلم لتأثير اليهود. ولو دقق في الأمر لعلم أن سبعًا وعشرين سورة من تلك السور التسع والعشرين مكية، وأن اثنتين فقط من هذه السور مدنية وهما سورتا البقرة وآل عمران (92) .

وعن التأثير النصراني يقول ( بارت) :

لقد كانت معلومات الناس في مكة ـ في عصر النبي ـ عن النصرانية محدودة وناقصة ولم يكن النصارى العرب سائرين في معتقداتهم في الاتجاه الصحيح. ولهذا كان هناك مجال لظهور الآراء البدعية المنحرفة. ولولا ذلك لما كان محمد على علم بأمثال تلك الآراء التي تنكر صلب المسيح وتذهب إلى أن نظرية التثليث النصرانية لا تعني الأب والابن وروح القدس ، وإنما تعني الله وعيسى ومريم. وعلى أية حال فإن المعارف التي استطاع محمد أن يجمعها عن حياة المسيح وأثره كانت قليلة ومحدودة . وعلى عكس من ذلك كان محمد يعرف الشيء الكثير عن ميلاد عيسى وعن أمه مريم (93) .

وما يقصد أن يقوله ( بارت ) هنا واضح وهو أن المعلومات التي وردت في القرآن عن النصرانية وعن المسيح وأمه كانت المعلومات الشائعة آنذاك إما خاطئة أو محدودة. فمحمد إذن هو مؤلف القرآن .

ويزعم المستشرقون أيضًا أن محمدًا تعرف على النصرانية من بحيرى الراهب في رحلته التجارية إلى الشام. وقد تمثل محمد في نفسه ما سمعه من بحيرى الراهب (94) وما عرفه من أتباع اليهودية، وخرج على الناس يعلن دينه الجديد الذي لفّقه من الدينين الكبيرين .

وهذه كلها مزاعم واهية لا حظ لها من العلم ولا سند لها من التاريخ ، وإنما هي تخمينات وافتراضات يضعها أصحابها كما لو كانت ( حقائق ثابتة لا تقبل الجدل) .

وقد تناول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله في دراسته القيمة ( مدخل إلى القرآن ) جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن. وناقشها مناقشة علمية ، وأظهر زيفها وبطلانها، وانتهى إلى القول بأن:

جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له ( أي للنبي صلى الله عليه وسلم ) فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته ، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيرًا كافيًا لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون.. إلخ (95) .

فلم يبق إلاّ أنه وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أرسله رحمة للناس أجمعين. ويحق لنا أن نسأل الذين يجادلون في مصدر القرآن ويرون أنه مأخوذ من النصرانية واليهودية أو من البيئة العربية .

ما المانع أن يكون القرآن وحيًا أصيلًا مأخوذًا من النبع نفسه الذي اغترفت منه الديانات السماوية الصحية ؟

ما المانع أن يكون الإسلام هو الحلقة الأخيرة من حلقات الوحي الإلهي الذي أقام الاتصال بين السماء والأرض على مدى تاريخ البشرية ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت