فهرس الكتاب

الصفحة 2608 من 3028

لماذا تحرِّمون على الإسلام ما تبيحونه لليهودية والنصرانية ؟

هل هو التعصب الأعمى ، أم هي الكراهية لهذا الدين الذي جاء مصححا لما طرأ على الديانات السابقة من أوهام وأباطيل، وكاشفًا لوجه الحق فيها ؟

هل مبدأ جواز اتصال السماء بالأرض عن طريق الوحي مبدأ مسلم به أم لا.؟!

إنه إذا كان هذا المبدأ مسلمًا به فلا معنى لأن تحتكره اليهودية والنصرانية وتمنعه عن الإسلام، وإذا لم يكن مسلمًا به فلا مجال للديانات جميعها ؟

لقد جاء القرآن الكريم بما هو أعلى وأوسع وأكمل من كل المعلومات التي كانت لدي بحيرى الراهب ولدى كل النصارى واليهود في شتى بقاع العالم، وجاء القرآن مصدقًا لما نزل على موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم من حيث كون الكتب التي نزلت عليهم هي في الأصل وحي من عند الله، كما جاء القرآن مهيمنًا على هذه الكتب وحاكما عليها، فذكر القرآن أن اليهود والنصارى أوتوا نصيبًا من الكتاب، وأنهم نسوا حظًا مما ذكروا به وأنهم حرفوا الكلم عن موضعه، كما بيّن القرآن الكريم كثيرًا من القضايا الكبرى التي كانت موضع خلاف بينهم في العقائد والأحكام والأخبار (96) وهناك العديد من الأمثلة التي خالف فيها القرآن ما ورد من أخبار في كل من العهد القديم والجديد .

فهل أخذ محمد صلى الله عليه وسلم ذلك من الرهبان في رحلته التجارية إلى الشام؟ وهل كان كفار مكة يسكتون عن ذلك لو عرفوا أن محمدًا استقى معلوماته من اليهود أو النصارى ؟

لقد كانوا يلجأون إلى أوهى المزاعم فلماذا سكتوا عن زعم تلقي محمد عن اليهود والنصارى ؟

لقد زعم الزاعمون أن الذي يعلّم محمدًا هو عبد رومي كان يصنع السيوف في مكة، فرد عليهم القرآن الكريم زعمهم قائلًا: ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعَلِّمهُ بشرٌ لُسانُ الذي يُلحدون إليه أعجمي وهذا لسانٌ عربيٌ مبينٌ) ( النحل: 103) . وحتى المعلومات التي ذكرت في القرآن وكان لها أصل في كتب اليهود أو النصارى لم يكن محمد ولا قومه يعلمون شيئًا عنها: ويشير القرآن إلى ذلك بعد قصة نوح مثلًا: ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) ( هود: 49 ) . وبعد قصة يوسف يقول القرآن: ( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذا أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) ( يوسف: 102 ) .

كما أن هناك من أخبار القرآن ما لم يكن يعرفه أهل الكتاب .. فقد ذكر القرآن الكريم بعد قصة زكريا وولادة مريم عليهما السلام وكفالته لها قوله تعالى:

( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يُلْقُون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) ( آل عمران: 44) (97) .

فمن أين أخذ محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك ؟

إنه وحي السماء، فالإسلام ليس دينًا تابعًا لأي دين آخر، ولكنه الدين الذي أراد الله أن يكون خاتم الأديان، وآخر حلقة في قصة اتصال السماء بالأرض لهداية البشر، وقد أعلن القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) ( المائدة: 3) .

ونود في هذا الصدد أن نذكر السادة المستشرقين بأن مهد اليهودية والنصرانية والإسلام هو الشرق.. فالشرق هو مهبط الرسالات السماوية ، وعلى أرضه سار رسل الله يحملون رسالته إلى الناس جميعًا، والمقياس لهذه الأديان جميعًا لا بد أن يكون مقياسًا واحدًا لأن مصدرها واحد . ولكن هذا المقياس الذي نعنيه لن يكون بالتأكيد ذلك المقياس الذي يريد أن يطبقه المستشرقون على علاقة هذه الأديان بعضها ببعض، وهو مقياس التأثير والتأثر كما لو أن الأمر يدور حول شيء إنساني يخضع لهذا المقياس الإنساني . ولهذا نحن نرفض ـ ومعنا كل الحق ـ منهج المستشرقين في دراسة الإسلام لأنه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي ، ولأنه منهج يقصر عن فهم طبيعة الأديان السماوية، ويحاول أن يضعها في صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية .

[2] صحة النص القرآني ..

بعد أن تعرفنا على مزاعم المستشرقين في التشكيك في مصدر القرآن نأتي الآن للحديث عن نقطة أخرى تسير في اتجاه التشكيك نفسه، ولكنها في هذه المرة تشكك في صحة النص القرآني وكأنهم بذلك يريدون أن يردوا على القرآن بالسلاح نفسه فقد قرر القرآن أن التوراة والإنجيل قد أصابهما التحريف والتبديل .

وقد تكلم المستشرقون كثيرًا في موضوع القراءات بالأحرف السبعة (98) محاولين إثبات أن القراءة كانت حرة طليقة، الأمر الذي جعل تعرض القرآن للتغيير أمرًا لا مفر منه. وهم بذلك يوهمون بأن التدوين وقع في جو هذه الحرية، وفي هذا الجو تم تسجيل قراءات مختلفة. وهذه القراءات التي نجمت عن ذلك لم تكن هي الصورة التي ورد بها الوحي أساسًا. ونتيجة ذلك كله هي القول بحدوث تغيير في النص القرآني.

وقد روّج بعض المستشرقين لفكرة ( القراءة بالمعنى) مما يعطي للمزاعم السابقة سندًا تعتمد عليه. فقد ظهرت هذه النظرية في زعم بعضهم في العهد الأموي وسادت الجو وتلقاها الناس بالقبول ، فلم يكن نص القرآن بحروفه بالنسبة لبعض المؤمنين هو المهم ولكن المهم كان هو روح النص. ومن هنا ظل اختيار الوجه ( الحرف) في القراءات التي تقوم على الترادف المحض أمرًا لا بأس به ولا يثير الاهتمام. وهكذا يمكن أن يخضع تحديد النص لهوى كل إنسان .

إن اختلاف القراءات أمر ثابت لا ننكره ، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضًا أن القرآن كان وحيًا باللفظ والمعنى معًا. ومن أجل ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على تسجيل الوحي فور نزوله والعناية بحفظه في السجلات التي سطر فيها (99) . وليس صحيحًا ما يردده ( بلا شير ) من أن فكرة تدوين الوحي لم تنشأ إلا بعد إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأن التدوين كان جزئيًا وناتجًا عن جهود فردية ومثارًا للاختلاف (100) .

فالثابت أن فكرة تدوين الوحي كانت قائمة منذ نزوله ـ وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه: وقد بلغ عدد كتاب الوحي ـ كما يذكر الثقات من العلماء ـ تسعة وعشرين كاتبًا أشهرهم الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت (101) .

وأما ما يتعلق بمسألة الأوجه السبعة في القراءة فإن الأمر فيها لم يكن متروكًا لأهواء الناس، وإنما كان محكومًا بما يقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس من أوجه للقراءة كان القصد منها التخفيف على الناس في أول الأمر ( فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه، أي على طريقته في اللغة، إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد وتدربت الألسن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة فعارض جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الأخيرة، واستقر على ما هو عليه الآن ) . وهذا ما عليه أكثر علماء المسلمين (102) .

والواقع الذي عليه المسلمون منذ أربعة عشرة قرنًا هو تمسكهم الشديد بالمحافظة على الوحي القرآني لفظًا ومعنى ، ولا يوجد مسلم يستبيح لنفسه أن يقرأ القرآن بأي لفظ شاء ما دام يحافظ على المعنى. وليبحث المستشرقون اليوم في أي مكان في العالم عن مسلم يستبيح لنفسه مثل ذلك وسيعييهم البحث ، فلماذا إذن هذا التشكيك في صحة النص القرآني وهم يعلمون مدى حرص المسلمين في السابق واللاحق على تقديس نص القرآن لفظًا ومعنى ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت