فهرس الكتاب

الصفحة 2609 من 3028

إنهم يبحثون دائمًا ـ كما سبق أن أشرنا ـ عن الآراء المرجوحة والأسانيد الضعيفة ليبنوا عليها نظريات لا أساس لها من التاريخ الصحيح ولا من الواقع. فنحن المسلمين قد تلقينا القرآن الكريم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو بدوره تلقاه وحيًا من الله . ولم يحدث أن أصاب هذا القرآن أي تغيير أو تبديل على مدى تاريخه الطويل . وهذه ميزة فريدة انفرد بها القرآن وحده من بين الكتب السماوية كافة، الأمر الذي يحمل في طياته صحة هذا الدين الذي ختم الله سائر الديانات السماوية .

وفي هذا الصدد نورد ما ذكره ( رودي بارت ) في مقدمة ترجمتة الألمانية للقرآن الكريم ـ وكأنه يرد على زملائه الذين راحوا يشككون في صحة النص القرآني ـ

يقول ( بارت ) :

( ليس لدينا أي سبب يحملنا على الاعتقاد بأن هناك أية آية في القرآن كله لم ترد عن محمد ) (103) .

ويتصل بالتشكيك في صحة القرآن القول بأن لغة القرآن ( لا تتميز عن لغة الأدب الدنيوي بعصمة يقينية. وهذا أمر يجده المرء في عدم اتفاق أصحاب النبي فيما بينهم على تبعية بعض فقرات معينة للقرآن ، فابن مسعود ـ مثلًا يرى أن سورة الفاتحة والمعوذتين ليست من القرآن على الرغم من أن هذه السور تعد من أشهر المشهورات ) (104) .

وهذا الرأي المنسوب إلى ابن مسعود باطل من أساسه. وقد رفضه علماء المسلمين .

يقول الإمام فخر الدين الرازي:

( نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وهو أمر في غاية الصعوبة، لأنَّا إن قلنا:(إن النقل المتواتر كان حاصلًا في عصر الصحابة يكون ذلك من القرآن ، فإنكاره يوجب الكفر، وإن قلنا: لم يكن حاصلًا في ذلك الزمان فيلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل ) .

ومن أجل ذلك يقول الفخر الرازي بأن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل. وكذلك يقول القاضي أبو بكر: إنه لم يصح عن ابن مسعود أن هذه السور ليست من القرآن . أما الإمام النووي فيقول في شرح المهذب:

( أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئًا كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح ) .

ويقول ابن حزم في كتابه القدح المعلى تتميم المحلى:

( هذا كذب على ابن مسعود وموضوع ، وإنما صح عنه( أي عن ابن مسعود) قراءة عاصم عن زرعان وفيها المعوذتان والفاتحة ) (105) .

وقد ذكر الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن (106) أنه لو صح أن ابن مسعود كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا لكانت الصحابة تناظره على ذلك، وكان يظهر وينتشر. فقد تناظروا في أقل من هذا ، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل، فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه ؟ وقد علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف ، فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة في الإجماع المقرر والاتفاق المعروف ؟

وهكذا يتضح لنا أن هذا الرأي المزعوم لا يستحق الوقوف عنده أو الاهتمام به على النحو الذي يسلكه المستشرقون، فلم يحدث في تاريخ المسلمين أن كان لأمثال هذه الآراء الباطلة أي تأثير على الإطلاق في توجيه معتقداتهم، ولم يذكر لنا التاريخ أن هناك طائفة من المسلمين تبنت هذا الرأي الباطل المنسوب إلى ابن مسعود ، وعلى ذلك فلا يترتب عليه أدنى شك في تميز لغة القرآن عن لغة الأدب الدنيوي المعهود . فلغة القرآن لها خصوصية التفرد . وقد عجزت فصاحة العرب وبلاغتهم ـ وهم أصحاب الفصاحة والبلاغةـ عن محاكاة لغة القرآن . وقد تحداهم الوحي أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ولكنهم عجزوا عن قبول التحدي الذي لا يزال وسيظل قائمًا إلى أن تقوم الساعة. فلو كان القرآن غير خارج عن العادة لأتوا بمثله أو عرضوا من كلام فصحائهم وبلغائهم ما يعارضه . فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم وأساليب نظمهم وزالت أطماعهم عنه (107) .

فإذا جاء مستشرق مثل ( دوزي) [ت 1883 م] وأطلق عبارات مريضة عن القرآن تقول بأنه كتاب ذو ذوق رديء للغاية ولا جديد فيه إلا القليل، وفيه إطناب بالغ وممل إلى حد بعيد (108) .. إذا قال ( دوزي ) ذلك فلا يأخذنا العجب أن يصدر منه ومن أمثاله مثل هذا الهراء، ولكنا فقط نتساءل: من أين له الأهلية لإصدار مثل هذا الحكم على القرآن الكريم ؟ إن العلم الذي يتحدث باسمه لا يمكن أن يعطي له مثل هذا الحق على الإطلاق. وبالتالي فهي الأحقاد والنزعات والأهواء التي تدفعه إلى ذلك . ومن هذا شأنه لا يمكن أن يصل إلى إدراك ما ينطوي عليه القرآن الكريم من إعجاز وفصاحة وبلاغة أجبرت المشركين على الاعتراف بها، فراح مندوبهم الوليد بن المغيرة يردد بعد سماعه للقرآن ( والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته) .

وشتان بين موقف ( دوزي) وموقف ( الوليد بن المغيرة) ! فالوليد بن المغيرة قال ما قال عن تذوق سليم لبلاغة القرآن، أما ( دوزي) فمن أين له مثل هذا التذوق وهو مهما كانت براعته في العربية ـ غريب عن هذه اللغة وأجنبي عن روحها وإن برع في معرفة ألفاظها ؟!

[3] خطورة القرآن …

القرآن الكريم كتاب مقلق للغربيين، ومحير لهم ، ومبلبل لأفكارهم. يقول ( بلاشير ) :

( قلما وجدنا بين الكتب الدينية الشرقية كتابًا بلبل بقراءته دأبنا الفكري أكثر مما فعله القرآن ) (109) .

ولكن الأمر في الواقع ليس مجرد قلق أو حيرة أو بلبلة فكرية، وإنما الأمر أبعد من ذلك بكثير، إنه الشعور بخطورة هذا الكتاب. وقد كان للاستشراق دوره في التحذير من خطورة القرآن على العالم الغربي، فقد تكفل بالكشف عن أخطار القرآن طائفة من المستشرقين الذين أخضعوا بحوثهم العلمية للأهواء الشخصية أو الأهداف السياسية والدينية، فأعماهم ذلك عن الحق وأضلهم عن سواء السبيل .

عندما تدرس هذه الفئة القرآن الكريم دراسة عميقة ، وتتأمل مبادئه الأساسية، وتتبين مزاياه الفريدة، وما فيه من دعوة إلى الترابط، والاعتصام بحبل الله المتين، والتعاون على البر والتقوى، والتحذير من الشر أو الظلم، والنهي عن السخرية بغيرنا أو التجسس عليه، والتحذير من الغيبة والنميمة، والحض على الصدق والأمانة، والعدل والوفاء بالعهد، والحث على طلب العلم والتخلص من الجهل ـ عندما يتبينون ذلك كله يحاولون طمس هذه الحقائق، وإبعاد المسلمين عنها، ويسارعون إلى أولي الأمر في بلادهم من المستعمرين القدامى أو الجدد، ويوحون إليهم بأن هذا القرآن كتاب خطير، لأنه اشتمل على مبادئ تقيم الدنيا وتقعدها، وإذا تحقق فهمها وتطبيقها ساد أهله العالم كله وتحكموا في مصيره.

وهذا يعني ان المسلمين إذا عرفوا كتابهم حق المعرفة، وطبقوه تطبيقًا تامًا، فالويل كل الويل للاستعمار القديم والجديد. إذ أنه لن تقوم له قائمة بعد الساعة التي تتم فيها هذه المعرفة، ويتحقق فيها ذلك التطبيق. ومن ثم يتبين ذلك المجهود الذي يبذله المستعمرون في أن يبقى القرآن مجهولًا، وأن تظل مبادئه مهجورة بعيدة عن التنفيذ (110) .

ومن هنا نعرف سبب هلع الغرب وفزعه الذي لا حد له عندما يشعر بوجود تيار إسلامي في أي مكان في العالم الإسلامي، أو ما يعرف الآن بالصحوة الإسلامية، التي تعني ـ لو أحسن ترشيدها ـ عودة إلى هذا القرآن الخطير، الذي يزع العزة في قلوب أبنائه، ويرفض أن يكونوا أذلاء لأعدائهم. وهذا يعني أيضًا انطلاق المارد الإسلامي من سجنه ليثبت وجوده مرة أخرى، الأمر الذي يهدد أطماع ومصالح الغرب في الشرق الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت