فهرس الكتاب

الصفحة 958 من 3028

ما ينبغي أن نتذكره هو أن الجامعة الإسلامية العصرية بالمعنى الدقيق ينبغي أن تدرس المعرفة الإسلامية باعتماد مناهج علمية تجدد الفكر وتتيح في نفس الوقت إنتاج معرفة قابلة للاستيعاب ضمن تلك المؤسسات وخارجها. من ثم جاز لنا أن نقول: إنه إن كان غير مجدٍ أن يدرس التراث الإسلامي على أنه ظاهرة تاريخية خالصة لا صلة للباحث بها بأي صورة؛ فإنه من غير المفيد فهم الانتماء إلى الثقافة الإسلامية على أنه رفض للتاريخ والوضوح النظري. في الحالة الأولى يكون البحث أشبه بتشريح جثة هامدة وتفكيك أواصرها بينما هو في الوضع الثاني سيادة الانفعال وبكاء ونحيب فهو في الظاهر دفاع وفي الحقيقة تعبير عن أزمة.

ما تؤاخذ عليه مناهج جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية هو نزعتها الخطابية الغالبة التي تعجز عن تحقيق تكوين نظري يقارب حتى المستوى العقلي والتنظيري الذي كان عليه علماء السلف، هذا فضلا عن أن يتجاوز نوعيّا ذلك المستوى.

هو منهج لا يُنهي الانفصام القائم بين الباحث المسلم وعصره؛ إنه يعتمد مقولة:"الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، بينما العالم يعيش توقيتا حضاريا واحدا، سواء أكان موقع المسلمين فيه متقدما أم متخلفا. هو منهج يركز الاغتراب والحنق والحيرة فلا يتيح مساهمة في حل مشاكل معرفية أو معضلات وطنية كما لا يسمح بمواجهة إيجابية للتحديات العالمية.

يمكن تلخيص الجامعات الإسلامية في أنها: تاريخ ومناهج ومشروع. لكن قصورها في وظيفتها النقدية أخل بوظيفتها المؤسساتية.

سؤال المعاصرة عندما يطرح على المؤسسة الجامعية الإسلامية فلا بد أن يفضي إلى إنتاج معرفة تكون"سلطة"تحقق للمؤسسة ذاتية لا تقبل المنازعة. بذلك يمكن أن نخلص المؤسسة الجامعية الإسلامية من معرفة غير موصولة بالواقع، ومن وعي مفوت لا يواجه التحديات المستجدة وإن ظن أنه فاعل في الشعارات والحمية، هذا بينما يمكن تلخيص الجامعات الإسلامية في أنها: تاريخ ومناهج ومشروع.

ما يفيده تاريخ الجامعات الدينية في البلاد الإسلامية هو أن قصورها في وظيفتها النقدية أخل بوظيفتها المؤسساتية فلم تكن مساهمة في تجاوز انسداد الأوضاع الفكرية والاجتماعية. من هذه الناحية فقد كانت مختلفة نوعيا عن الجامعات في أوربا الغربية. هذه الأخيرة كانت منذ ظهورها في القرن الثاني عشر الميلادي مؤسسات تعليمية تابعة للكنيسة غير أنها انخرطت في صراع مع الكنيسة أحيانا ومع الدولة وممثليها أحيانا أخرى. أفرز هذا السياق حصانة خاصة للجامعات تدعمت من خلال خصائصها الكبرى التي صاغت وظيفتها العلمية القائمة على ثلاث دعائم هي: الاستقلال /التنظيم /الفاعلية السياسية. بذلك استطاعت الجامعات الأوربية أن تصوغ بمعرفتها سلطة تحمي بها أعضاءها بما يتيح لهم حرية البحث والإبداع، وبما يجعلها قادرة على المساهمة في التحولات الاجتماعية والاقتصادية السائدة في أوربا من جهة أخرى.

هذا في حين كانت المؤسسات التعليمية في البلاد الإسلامية مغايرة في مراميها وطبيعة نشأتها. كانت للمعاهد الإسلامية مهمتان:

1-تأييد الدين بنشر العلوم الإسلامية وخاصة الفقه.

2-بث اللغة العربية لسانا وأدبا.

هذه الغايات أفضت إلى الارتباط بالغاية السياسية، فأصبحت المعرفة والأنظمة الحاكمة أمرين متلازمين يعتمد أحدهما على الآخر؛ تدعم المعرفة شرعية الحاكم في حين يركز هذا الأخير سلطة المعرفة. هذا ما جعل المؤسسات التعليمية الإسلامية مطبوعة بتبعية أبعدتها عن هموم"العامة"، وأفقدتها القدرة على التطوير النوعي في أساليب التعليم ومناهجه بما حرمها من أن تنحت لنفسها المشروع المميز والسلطة الذاتية الواقية. لا غرابة إذن إن تركز فيها فكر أحادي ثابت يعتبر الإطلال على عالم متغير من داخل الثقافة والتراث ابتداعا يستحق النفي.

إن أردنا أن نلخص في النهاية طبيعة المؤسسات الجامعية الإسلامية في المغرب الكبير حتى الفترة الحالية فإننا نقول: إنها ذات خصوصية لا تتاح للجامعات العادية الأخرى، ذلك أنها أقدر على تعميق التساؤلات الحضارية الكبرى التي تنشأ في فترات التحولات الضخمة، لكن ذلك مشروط بوعيها لرهان المعاصرة.

من جانب آخر تختزل تلك المؤسسات معضلة النخبة العربية المسلمة منذ ما لا يقل عن قرن ونصف بحيث تكون إشكالية المؤسسة الجامعية ومعضلة النخب عندنا واحدة: هي كيف تكون معاصرة لعصرها.

من ثم فلا بد من السؤال القديم والمزدوج: لماذا ندرس العلوم الشرعية اليوم؟ وكيف ينبغي أن يكون ذلك؟

قديما كان أبو حامد الغزالي قد أدرك أن خللا هائلا قد طرأ على علاقة منظومة مجتمعه الثقافية بمقتضيات لحظته التاريخية، ولذلك حرر"إحياء علوم الدين". كان تشخيص"الإحياء"على أن جوهر الخلل الذي أصاب المجتمعات ذاتي، تم عند انحراف تلك المجتمعات عن"النموذج الإسلامي"الذي هو أساس توازنها وتطورها. لذلك فالإصلاح يكون بمنطق داخلي صرف دون اعتماد أي عنصر خارجي باعتبار أن المجتمعات الإسلامية لا تحتاج في إصلاح ذاتها إلا إلى الموروث وحده.

سؤال المعاصرة كفيل بتجاوز هذا الخطاب بما يحرر مؤسسات التعليم الإسلامي عامة من منهج الغزالي الإحيائي، ذلك أن الإحالة التراثية للتراث تقيد غاية التعليم في الاكتفاء بذات التراث وقدرته -وحده- على تحقيق الرسالة العلمية وعلى مواجهة كل المصاعب.

أما"معاصرة العصر"ضمن المؤسسات الجامعية الإسلامية -على معنى التجديد وليس على معنى الإحياء- فإنها لا تتركز إلا عندما تخرج نخبا قادرة على تركيب نسيج ثقافي حي يبلور قيما وأفكارا وأذواقا تحقق التواصل مع الماضي، لكنها تصوغها صورا جديدة للمطالب المشروعة والمطامح الإنسانية المتوثبة.

اقرأ أيضا:

انتكاس المنهجية الإسلامية في بناء المعرفة

المعرفة في التصور الإسلامي

التباين بين التصور الإسلامي والتصور الغربي للمعرفة

البحث العلمي موظف حكومي!

** مفكر تونسي.

[1] سنة 1914 تكونت لجنة للإصلاح، وسنة 1918 ألحقت جامعة القرويين بوزارة العدل، ثم تم إقرار هيكلية جديدة للتعليم سنة 1933 بحيث أصبحت هناك ثلاثة مستويات للتعليم، وأقر مستوى للتعليم العالي، به شعبتان: واحدة للدراسات الشرعية والثانية للآداب.

[2] محمد الحرشاوي في مخطوط له يحمل عنوان:"كتاب الأكياس في جواب الأسئلة عن كيفية التدريس بفاس"

طارق البشري**

المستشار طارق البشري

حاولت هذه الورقة- بإيجاز وتركيز- أن ترسم الصورة العامة لما تظنه التضاريس الكلية للموقف الثقافي الإسلامي، بالنسبة لصلة المعتقد بالواقع وبالعقل وبالتربية البشرية، وبالنسبة لمظان البحث في هذا الشأن عقليا ووجدانيا.

يقوم الفكر العقيدي على مسلمات أولية، ولفظ"عقيدة"يرد من عَقَدَ عقدة، والعقدة هو ما تنضم أجزاؤه بعضها إلى بعض فتتماسك، والعقيدة هي ما انعقد في النفس أو العقل، أي ما تراصت أجزاء فكرته فصار بعضها يشد بعضا ويوثقه، ونحن نسميها عقيدة؛ لأن دليلها يدور في داخلها، وبعبارة أخرى هي مسلمة؛ لأنها تحتضن دليلها في ذاتها وتستمده من ذاتها وتدور معه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت