والفكر الفلسفي عامة لا يخرج عن هذا الإطار، إلا أنه يطرح بدائل مستجدة أو مستحدثة أو يعرض للبدائل القائمة، وهو إما"يفترض"مسلمات جديدة أو يتحدث ويعرض للمسلمات القائمة. وهو في كل الأحوال ينشغل بما تنشغل به العقائد من حيث أصل الوجود أو صلة الإنسان بالكون وموضعه فيه وغير ذلك، وهو في النهاية يعرض"مسلمات"بديلة أو مقترحة.
والدين يعتمد على الاعتقاد بوجود الذات الإلهية الغيبية، أي التي لا يمكن العلم بكنهها، ولكن يمكن إدراك آثارها مع الاعتقاد بأنها مطلقة القدرة ومطلقة القوة ومطلقة في تنزيهها عن الشبيه والمثيل، وأنها واجبة الطاعة والعبادة بالطريقة التي رسمها للبشر. والدين بذلك يرد من المطلق ليحكم النسبي، ويأتي من الثابت ليحكم المتحرك، ويأتي من الدائم ليحكم المؤقت.
وإن البعض من مفكري الإسلام يعرفون الدين بأنه وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقادات وإلى الخير في السلوك والمعاملات. ومن هنا ترد الصلة بين الدين بوصفه معتقدا يتصل بالمطلق والثابت والدائم والمنزه، وبين الدين بوصفه حاكما لأوضاع الواقع المتغير والتحول. ومن هنا أيضا ترد مسألة صلة المعتقد بالمعرفة وكسبها، أي صلة المعتقد وتعاليمه بالتعامل مع الواقع.
ولا أريد أن أستطرد كثيرا، ولكن فارقا أساسيا هنا بين أصول الاعتقاد في المسيحية وأصولها في الإسلام، فالمسيحية حسبما تبلورت لدى المسيحيين في القرون الأولى التالية للسيد المسيح، صُنع معتقدها على نحو يقبل القسمة والتمييز بين الرؤية الاعتقادية وبين ممارسة الواقع ومعايشته.
وبهذه المكنة أمكن بعد ذلك زحزحة مجالات النشاط عن بعضها البعض على ما يتابع من بعد في العصر الحديث في أوروبا، فوجد الدين، وبجواره ليس متصلا به ولا متفرغا عنه، وُجِد النظر المعرفي الوضعي. وساعد على ذلك أن السيد المسيح لدى مسيحيي القرون التالية كان هو ذاته ذا الوضع الإلهي، وهو الكلمة، وقد رفع فلم يبق في الأرض.
أما في الإسلام فالتصور العقيدي مختلف، إن ما يقابل مسيح المسيحيين في إسلام المسلمين هو القرآن، لأن القرآن هو كلمة الله، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن باقٍ على الأرض، وهو لا ينظم المعتقد الإسلامي فقط من حيث صلة الإنسان بالله، ولكنه يحكم سلوك المسلم ومعاملاته، بما أورد من أحكام تشريعية وبما أحال إليه من أحاديث وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بقيت بالرواية ثم بالتدوين.
النص والعقل والواقع
ومن هنا ثارت مسألة كيف يمكن للنص الثابت الذي يشكل وضعا إلهيا أن يحكم الواقع المتغير للبشر؟، وكيف يمكن للنص المحدد في إطار ألفاظه المعدودة أن يحكم الواقع المتنوع على مدى الزمان؟؛ من هنا جاءت جهود التفسير لتضبط مناهج النظر المعرفي إلى الواقع المتغير وموقف الإنسان تجاه هذا الواقع المتغير، موقفه تجاهه من خلال النصوص الإيمانية الثابتة.
وكان ذلك مما شغل علم الفقه من أول قرون الإسلام، إذ انتشر الإسلام في الأمصار والأصقاع وصارت أحكامه واجبة التطبيق على أقوام شتى وشعوب متعددة وبيئات متنوعة، وصار مطلوبا أن تحل المشاكل المستجدة في هذا المجال، ثم لما تعددت حالات التطبيق وتكاثرت الحلول واختلفت أساليب التفسير، صار مطلوبا أن تتحدد وتتعين مناهج للتفسير تضبط تلك الأساليب، وصار ذلك ما عرف بعلم"أصول الفقه".
ثم جاءت مسألة أخرى هي حدود معرفة الإنسان في أي زمان ومكان، إن ما يعرفه تتولى مناهج أصول الفقه استخراج الأحكام بشأنه، ولكن ما هو الضابط النفسي والسلوكي الذي يضبط الحدود بين المعلوم والمجهول، وما كان أكثر المجاهيل التي تحيط بالإنسان على مر قرون عديدة، وهنا ظهرت محاولات علم التصوف وممارساته للتمييز بين الأمر المدرك الذي يمكن للإرادة الإنسانية أن تدبر الشأن فيه، وبين غير المدرك وغير المعلوم الذي تكله الإرادة البشرية على المعبود سبحانه.
علم أصول الفقه اقترب من المجال الإيماني بمنهج عقلي معرفي.
وبالنسبة لأصول الفقه، فقد عُني أول ما عُني بإيضاح ما هي مصادر التشريع الإسلامي، وأن مصدريه الأساسيين المجمع عليهما هما القرآن الكريم والسنة النبوية، والركيزة الأساسية للتصديق بهما هي ركيزة إيمانية، ولكن علم أصول الفقه اقترب من هذا المجال الإيماني بمنهج عقلي يتعلق"بالثبوت"والثبوت مسألة معرفية، فقالوا: إن القرآن الكريم ثابت بطريق"التواتر"، وعرفوا التواتر بأنه ما يقول به جماعة يستحيل اتفاقهم على كذب، وهذا منهج عقلي أشد صرامة مما نقول به الآن عن"المعرفة الاجتماعية"التي تصل للفرد منا ويصدق بها بغير أن يختبر بنفسه أدلة صوابها وثبوتها، مكتفيا بأنها تنتقل إليه من مصادر شتى، مثل دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس، ومثل وجود أية بلدة لم يرها الشخص بنفسه.
ثم أجروا معايير التحقيق العقلي على الأحاديث الشريفة التي لا تتوافر لثبوتها درجة التواتر، وهي من حيث الضبط والتحقيق أكثر صرامة في نسقها العقلي من أساليب تحقيق الوقائع التاريخية، وهنا نلحظ أن النصوص الأساسية هذه، وهي إيمانية في التصديق بها، قد صارت عقلية في ثبوتها، وقد تخللها العقل من هذا الوجه المعرفي، ثم بدأ هذا التخلل يفرض سلطانه على ما يتلو هذين المصدرين من مصادر أخرى ومن مجالات أعمال.
ومن المعروف أن النصوص محدودة، سواء نصوص القرآن الكريم أو نصوص السنة النبوية الشريفة، فظهرت مصادر أخرى تالية، وفي غالبها نلمس دورا ناميا وفعالا للعقل في تفاعله مع الواقع المعيش.
فمثلا"القياس"الذي قال به الإمام الشافعي منذ اثني عشر قرنا وصار مهما وواسع التطبيق، هو يتعلق بإدراك وجه الشبه الفعال بين الظواهر التي وردت عنها أحكام في القرآن أو السنة، والظواهر التي لم ترد عنها أحكام فيهما، والمهم هنا هو المنهج المعرفي الذي وُضع لإدراك الشبه الفعال، وهو منهج يُعمل الاستقراء لإدراك خواص الظواهر التي تعتبر"علة"الحكم، أي سببه، وهو ما أسموه"المناط". وهنا نلحظ وجوه تجريب واستقراء وملاحظة، ثم استخلاص للصفة العلة وبلوغ المشترك الحاكم لما يمكن أن نعتبره متماثلا.
ومثلا"الاستصحاب"وهو منهج عقلي معرفي، ومؤداه هو بقاء الحال على ما كان حتى يقوم دليل يغيره، فهو يتعلق"بالإدراك"البشري للواقع، ومؤداه أنه عند التيقن من وجود أمر ما، فنحن نتصرف على أساس أنه موجود بعد ذلك حتى يتبين لنا أن ثمة تغييرا أو تعديلا حدث. وما ثبت باليقين من ذلك لا يزول إلا بيقين مغاير. وقد سمى الفقهاء هذا الأمر أنه مصدر تشريعي، وفي الحقيقة هو منهج معرفي مكمل للإدراك البشري، يسد الفجوة بين تيقن حدث وتيقن آخر طرأ بعد مدة.
ومثلا"الاستصلاح"أو المصالح المرسلة، وهي التصدي المباشر للواقع الحادث والعمل بما فيه مصلحة الناس، وذلك فيما ليس فيه أمر ديني أو نهي ديني ورد بالقرآن أو السنة. والنظر في هذا الشأن يكون بملاحظة أن كل الأوامر الدينية والنواهي الدينية هي مقررة من الله سبحانه لنفع الناس ولإصلاح شؤونهم أيضا.
وفي مجال الخلاف في مدى كل من الأوامر والنواهي التي مصدرها القرآن والسنة؛ فإن الخلاف يكون في غير الأحكام ذات الدلالة القطعية، يكون فيما هو ظني، وهو ينقسم بين رأي راجح ورأي مرجوح، وهذا الانقسام إنما يكون بالدليل العقلي والواقعي، ويحسمه ما تتقبله الجماعة وترضى به، ويحسمه أيضا ولي الأمر فيما يراه.