وتنبغي ملاحظة أنه عندما يقال: إن لولي الأمر أن يحسم خلافا وينفذ رأيه فيه، فإن ذلك لا يعني تجرده من المسؤولية والتبعة، ولكن معناه أن الأمر ينتقل من مجال المشروعية الدينية إلى مجال المسؤولية السياسية عن إدراك صوالح الناس بمعايير واقعهم المعيش. وشأن ذلك أيضا شأن ما يسمونه"السياسة الشرعية"وهي أوامر ولي الأمر ونواهيه التي قصد بها صلاح الأمة فيما ليس فيه أمر ولا نهي في الشريعة الْمُنَزلة، فإن هذه السلطة لولي الأمر لا تنفلت عن الشرعية؛ ولكنها تخضع لاعتبارات المصالح.
وأنا لا أريد أن أستطرد أكثر من هذا في هذه النقطة، إنما قصدت سوق الأمثلة للأساليب والمناهج التي يتفاعل بها الفكر الديني بنصوصه الثابتة، مع مناهج إعمال العقل من ناحية ومع أساليب التعرف على الواقع ومناهجه من ناحية أخرى.
وما أريد أن أوضحه أن هذه الأمثلة وغيرها، لم تحتج مني إلى إسناد بالمراجع؛ لأن المادة التي اعتمدت عليها هي من المعروف المشتهر لدى المطالعين والعارفين بهذا الأمر، وما سقته إنما كان جهدي فيه هو الربط والاستخلاص للدلالة التي تُستفاد في صدد الموضوع المعروض. وهذه الأسس هي مما يشكل البنية التحتية للتكوين الفكري الفقهي بالنسبة للإسلام.
سلوك الإنسان بين المعلوم والمجهول
وبالنسبة للضابط الخاص بسلوك الإنسان بين المعلوم والمجهول لديه، فإننا هنا نجد جهود نفر من ذوي الفكر الصوفي تحدثوا في هذا الشأن وشاع حديثهم وتعاليمهم حتى وجدت لها بين العامة مكانها وانعكست في سلوكهم. وإن النظر الذي ساد في كتابات وأحوال ذوي الأثر في البنيان الفكري والمعرفي الذي ذاع بين الناس، ليس هو إنكار الحقائق الواقعية أو البعد عن التعرف عليها، ولكنه يتعلق بكيفية بناء الإنسان على أساس من القدرة على البذل والعطاء وإنكار الذات وعدم تعلق القلوب بمغريات الحياة.
وبالنسبة للنظر إلى القدر، فهو نظر يتعلق بما وراء المعرفة الكسبية والعلم الكسبي، فما نعرفه من حقائق الحياة نتعامل معه بما صيغت به النفس والوجدان من ترويض ومن بذل وعطاء. وما لا نعرفه هو ما يدبر الإنسان أمر نفسه فيه على التقبل والرضا، وهذه المعاني نراها بصياغات كثيرة وأساليب تعبير شتى في الكتابات الذائعة لكبار مفكري هذا المجال مثل الجنيد والقشيري وابن عطاء الله وغيرهم.
وقد أكتفي في بيان الموقف الفكري الإسلامي بهذين المجالين، مجال الفقه الإسلامي وأصوله، ومجال التصوف. وذلك لأنه في تصوري أن هذين المجالين هما أكثر مجالات الفكر التي صيغت بها العقلية الإسلامية، منظورا في ذلك إلى مثقفيهم ذوي الثقافة الإسلامية، وإلى العامة أيضا.
الفقه وأصوله، والتصوف هما أكثر مجالات الفكر التي صيغت بها العقلية الإسلامية.
وبالنسبة للفقه، فإن المفكرين الاجتماعيين المحدثين وباحثيهم ومؤرخيهم، لا يهتمون بهذا الجانب اهتمامهم بالجوانب الأخرى الاقتصادية والأدبية والتعليمية وغيرها. رغم أنه من أكثر الجوانب التي تعكس أوضاع المجتمعات واقعا وفكرا، ولا أقصد بذلك الفقه الإسلامي فقط، ولكني أقصد أيضا الفقه الوضعي، إنه بالنسبة لفروع علم الاجتماع مثل فن العمارة بالنسبة لفروع الفنون التشكيلية؛ لأنه الفرع الأكثر مساسا بالناس في حياتهم اليومية، والفقه لا يستطيع إلا أن يكون واقعيا لأنه يحكم أوضاع الناس ومعاملاتهم ويتصدى لمشاكلهم المعيشة يوما بيوم.
والمجال الثاني هو الصوفية، وقد كان حتى الوقت الحاضر القريب يمثل أكثر المجالات أثرا في الصناعة الدينية للوجدان الشعبي، وكان يقوم بنظراته الإنسانية مقام علوم النفس الآن، وكان يقوم في تشكيله للوجدان الشعبي بما تقوم به فنون الأدب والقصة والمسرحية، وله إنتاجه الأدبي في الشعر والحكم والدعاء، وفيه وجدت الموسيقى والغناء الديني موضعها.
سبل الإصلاح .. ذاتيا
ذكرت من قبل الملامح العامة لتضاريس ما أظنه البنية الأساسية للتفكير الديني الإسلامي في بلادنا. وهذا لا يخل طبعا بما وجد ويوجد من وعورة تعوق السير، ومن طرق مسدودة وغير ذلك. إنما ما قصدت إظهاره أن البنية التحتية الأساسية تبقى في توصيفها الأخير على الصورة العامة التي ذكرتها، وأن ذلك من شأنه أن هذا الفكر مهما اعتراه من جمود أو غيره فإن في بنائه الذاتي ما يمكنه من إصلاح شأنه في تصديه للواقع المحيط في كل ظرف، وذلك بمراعاة ما يلي على سبيل التمثيل:
أولا: إذا كان منهج الاعتبار بالمصالح ومنهج اتصال النص مع الواقع واستخراج الحكم، إذا كان كل ذلك من الأمور المقررة، فإن المشكل يحدث لا من افتقاد القدرة المنهجية المتاحة لرؤية الواقع وإدراك المصالح، ولكنه يحدث من جهة القدرة الذاتية على رؤية الواقع، أو من جهة تنوع المصالح وتعارضها وصياغة الواقع في إطار نظرة محددة ومسبقة للواقع، أو الرغبة في عدم الاعتراف بواقع حادث استبقاء لأوضاع قائمة، وكل ذلك تعرفه العلوم الاجتماعية، وهو يرد في تحليله لا إلى افتقاد المنهج المعرفي، ولكن إلى عجز الرائي عن الرؤية لعدم تقديم الواقع إليه من خلال الخبرات والبيانات والمعلومات الدالة، أو إلى عدم رغبة الرائي في الاعتراف بواقع حادث.
ثانيا: إن مؤسسات الفكر الديني كانت ذات استقلال نسبي، أو بعبارة أدق كان لها تميزها الذاتي وحركتها الذاتية ودرجة لا بأس بها من التعبير عن الذات. وكان ذلك على مشارف المرحلة المعاصرة التي بدأت في القرن التاسع عشر في بلادنا، وكان الفكر الديني يتصف بقدر ملحوظ من الجمود، ولكن جموده في ظني كان يتأتى من جمود حركة الواقع وحركة المجتمع، لم يكن في مجتمعاتنا حتى نهايات القرن الثامن عشر دفع بالواقع الاجتماعي السياسي إلى شيء من التجديد أو التغيير، فلم تكن ظهرت مستجدات ولا تحديات تتطلب استجابات مستحدثة وتطرح على الفكر أن ينفتح لها وأن ينظم ما تستدعيه من أنماط تعامل وقيم سلوك ملائمة.
ثم لما ظهرت هذه الحاجات على مدى القرن التاسع عشر، وواكبها التفاعل الفكري وتحديات الاحتكاك بالحضارة الأوربية والأطماع الغربية، ظهرت محاولات الانتعاش الفكري وظهرت دعاواه ورجاله، ومتابعة التطورات الفكرية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تظهر وتكشف عن هذا الأمر، ولكن ظهرت مسألتان عقدتا هذا المسار.
ثالثا: المسألة الأولى أن حركة التجديد تواكبت زمنيا مع الوفود الأجنبي الغربي في صوره الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية، وكان الوفود الثقافي الأجنبي المؤيد بوقائع الغزو والسيطرة مما جعل المحافظة الدينية الفكرية ذات وظيفة فعالة في المقاومة واستدعاء روح الصمود والتصدي، كما أن هذا الوفود الأجنبي في المجال الفكري والسلوكي قد استنفر مشاعر الخصام ودعم الفعل المتحصن في روح المحافظة.
قويت المحافظة في مواجهة حركة التجديد بما أسبغته على الناس من روح التحصن ضد الغريب الوافد، وبما صار لها من وظيفة إيجابية في التصدي ودعم الصمود والمقاومة على المستوى السياسي والاجتماعي. وضعفت حركة التجديد لأنها لم تستطع في هذا الوقت المبكر لها أن تميز نفسها وقضاياها الجادة عن حركة التغريب الوافدة.