فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 3028

أولًا: صناعة المعاذير والتهرب من التكاليف وجعل حول النفس ضبابا وستارا يتستر به من فضيحة ما هو فيه من الذلة والمهانة والهوان، وهذا ما وقع على عهد الرسول الكريم حين جاءه من يعتذر له عن جهاد الروم مدّعيا الخوف من الفتنة: لو خرج إلى جهاد الروم أن يرى من حوله نساء بني الأصفر، فأنزل الله تعالى فيه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49] . وكذلك شأن من جاء يتنطّع إلى رسول الله وهو يقول: (( إن بيوتنا في المدينة عورة مكشوفة للعدو، وليس فيها إلا الصبية والنساء ) )، وهذا نوع من أنواع الانفلات من الجهاد والمشاركة في حفر الخندق، فأنزل الله تعالى قوله: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا [الأحزاب:13] . كيف يحقق الله النصر للإسلام بمثل هؤلاء؟! ألسنتهم في واد من الدعاوى، ونفوسهم تائهة في واد آخر من التنافس والتسابق إلى أهواء الدنيا وملذاتها. هؤلاء لا يتفقون فيما بينهم، وهم لا يثقون ببعضهم ولا يتحابون ولا يتوادون عن صدق، وهم لا يتعاونون من أجل ذلك كله إلا بمقدار. هؤلاء لا ينصرون لأن من بيده المعونة والنصر ناظر إليهم وعالمٌ بحقيقتهم المختفية.

ثانيًا: أن فعل الخير الذي قد يقوم به مثل هؤلاء ومهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قد يقومون بها على مضض تصبح شكلية منزوعة البركة والتوفيق.

ثالثًا: من نتائج حب الدنيا وكراهية الموت العصبية والطائفية والتشيع للرأي والاختلاف المذموم، وتأمل قول الرسول الكريم: (( بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ) )قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟! قَالَ: (( بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ) ).

هذه أبرز النتائج التي يخلِّفها حب الدنيا وكراهية الموت في الأفراد، والذي يغنم من هذا الواقع هو العدو المترصِّد لضعف الأمة وهوانها، وهذا هو الداعي إلى خسارة الأمة وفداحة ما وصلت إليه.

عباد الله، ما هي سبل العلاج في هذه المسألة؟

إن الأمة رغم ما يمر بها من فتن وأهوال يمكن أن تستعيد عافيتها، وتعود إلى شبابها؛ لأن الله تعالى وضّح لها سبل ذلك، وأكرمها بالدواء الشافي إن هي رغبت في استعماله والاستفادة من خيراته.

سبيل العلاج ـ عباد الله ـ هو في المجاهدة، قال تعالى: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ [الحج:78] ، وقال جل وعلا: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .

والمجاهدة يجب أن تكون كما علّمنا إياها رسول الله ، فهي تتلخّص في النقط التالية:

(1) انظر: البداية النهاية (11/160-161) .

(2) انظر: الكامل لابن الأثير (10/283 وما بعدها) ، والبداية والنهاية لابن كثير (12/156 وما بعدها) .

(3) انظر: حضارة العرب لمؤلفه"غوستاف لوبون" (ص400 وما بعدها) .

(4) البداية والنهاية (13/200 وما بعدها) .

(5) حضارة العرب (ص223) .

موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 3666)

عبد العزيز بن محمد القنام

وادي الدواسر

جامع النويعمة القديم

الخطبة الأولى

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، الله أكبر كلما صام صائم وأفطر، الله أكبر كلما لاح صباح عيد وأسفر، الله أكبر كلما لاح برق وأرعد سحاب وأمطر، الله أكبر ما هلل المسلم وكبر. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

الحمد لله الذي سهل لعباده طريق العبادة ويسر، ووفَّاهم أجورهم من خزائن جوده التي لا تحصر، سبحانه له الحمد على نعمه التي تتكرر، وله الشكر على فضله وإحسانه وحق له أن يشكر. نشهد أنه الله لا إله إلا هو انفرد بالخلق والتدبير، وكل شيء عنده بأجل مقدور، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أفضل من صلى وصام وزكى وحج واعتمر، صلى الله عليه وعلى آله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهر.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واشكروه على نعمه التي لا تحصى، وآلائه التي تترى، ألا وإن يومكم هذا يوم شريف، فضله الله وشرفه، وجعله عيدًا سعيدًا لأهل طاعته، يفيض عليهم فيه من جوده وكرمه، فاشكروه على إكمال عدة الصيام، واذكروه وكبروه على ما هداكم وحباكم من نعمة الإسلام، واعبدوه حق عبادته، واتقوه حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أفردوه وحده بالعبادة، فإنه خلقكم لها كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون [الذاريات:56] ، واعرفوا ـ رحمكم الله ـ نعم الله عليكم وفضله في هذا اليوم السعيد، فإنه اليوم الذي يفيض الله فيه على المؤمنين سوابغ نعمائه، ويعمهم بواسع عطائه، ويوالي عليهم جوده وامتنانه، ويعمهم بفضله وإحسانه، هذا يوم توّج الله به الصيام، وأجزل فيه للصائمين والقائمين جوائز البر والإكرام. قال ربنا سبحانه: وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185] .

وها أنتم قد أكملتم بفضل الله صيام شهركم، وجئتم إلى مصلاكم تكبرون الله ربكم، على ما هداكم إليه من دين قويم وصراط مستقيم وصيام وقيام وشريعة ونظام، وقد خرجتم إلى صلاة العيد وقلوبكم قد امتلأت به فرحًا وسرورًا، وألسنتكم تلهج بالذكر والدعاء، تسألون ربكم أن يتقبل عملكم، وأن يتجاوز عنكم، وأن يعيد عليكم مثل هذا اليوم، وأنتم في خير وأمن وإيمان واجتماع على الحق وابتعاد عن الباطل.

والعيد ـ يا عبد الله ـ يتضمن معاني إسلامية كبيرة ومنافع وحقائق كثيرة، يتضمن العيد العقيدة الإسلامية الصافية النقية التي هي أعظم نعمة على الإنسان، وذلك بتعظيم الله وتكبيره والثناء عليه، والشهادة بأنه الإله الحق الذي يتقرب إليه المسلم، يتقرب إليه بالدعاء والرجاء والاستعانة وجميع أنواع العبادة، لا يشرك معه في عبادته أحدا، كما قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] ، والشهادة بأن محمدًا عبده ورسوله بطاعة أمره وترك نهيه وتصديق أخباره وعبادة الله بشرعه. والعيد يتضمن العبادة والذل والخضوع والمحبة لله تعالى، فصلاة العيد تشتمل على ذلك كله. والعيد يتضمن بيان التشريع الإسلامي، وذلك بإظهار شعيرة العيد وأداء صلاته وتفصيل الخطبة لأحكام الإسلام العظيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت