فهرس الكتاب

الصفحة 2591 من 3028

هذه - وأمثالها - مازالت مجالا فسيحا للقول والدرس، ومع أننا آثرنا أن نضع القلم الآن، فليس هناك ما يمنع من أن نشير إشارة سريعة إلى أننا على رأي العلامة أحمد فارس الشدياق، في أنه ليس في هؤلاء المستشرقين من يصح أن يسمى عالمًا، أو باحثًا، بله منصفًا، فقد قال في كتابه (ذيل الفارياق) :

إن هؤلاء الأساتيذ (المستشرقين) لم يأخذوا العلم عن شيوخه، وإنما تطفلوا عليه تطفلًا، وتوثبوا فيه توثبًا، ومن تخرج فيه بشيء، فإنما تخرج على القسس، ثم أدخل رأسه في أضغاث أحلام، أو أدخل أضغاث أحلام في رأسه وتوهم أنه يعرف شيئًا وهو يجهله، وكل منهم إذا درس في إحدى لغات الشرق أو ترجم شيئًا منها تراه يخبط فيها خبط عشواء، فما اشتبه عليه منها رقعه من عنده بما شاء، وما كان بين الشبهة واليقين حدس فيه وخمن فرجح منه المرجوح، وفضل المفضول". (90) "

ثم نتبعه بقول شيخنا الجليل محمود شاكر - مد الله في عمره -"والاستشراق لا يذم لأنه فعل كل ذلك، لأنه بلا شك قد أدى ما عليه لبني جلدته أحسن أداء وأتمه، ونصر أهل دينه، وأخلص لهم، كل الإخلاص، وكافح في سبيل هدفه بكل سلاح، أجاد صقله، وتقويمه."

أما الذي هو حقيق بالذم والمعابة، فالعربي أو المسلم العاقل الذي يظن نفسه بصيرًا، ثم لا يكاد عقله يدرك شيئًا هو أبين بيانًا من البدائه المسلمة، ولا يكاد بصره يرى ما هو أظهر ظهورًا من الشمس الساطعة. (91)

ثم نضيف أيضا قول أستاذنا الجليل محمود شاكر، للمخدوعين الذين يسرفون على أنفسهم وعلى أمتهم بتمجيد عمل المستشرقين في مجال التراث، حيث قال:

"لا تصدق من يقول لك:"إن الاستشراق قد خدم اللغة العربية وآدابها وتاريخها، وعلومها، لأنه نشر هذه الكتب التي اختارها مطبوعة، فهذا وهمٌ باطل.

كانوا لا يطبعون قط من أي كتاب نشروه أكثر من خمسمائة نسخة، ولم تزل هذه سنتهم إلى يومنا هذا - توزع على مراكز الاستشراق في أوروبة وأمريكا، وما فضل بعد ذلك - وهو قليل جدا - كانت تسقط منه إلى بلاد العرب المسلمين النسخة والنسختان، والعشرة على الأكثر، لم يسعَوْا قط إلى تسويقها، بين ملايين العرب والمسلمين، كما يُسوقون بضائعهم وتجارتهم وسائر ما ينتجون بين هذه الملايين طلبًا لربح المال". (92) "

وأضيف إلى ذلك: إن عنايتهم بالتراث كانت - ومازالت - وستظل من باب (اعرف عدوك) فهذه الكتب (التراثية) هي الخرائط، والصور، لعقولنا وعواطفنا، ومشاعرنا، واتجاهاتنا، واهتماماتنا،وحبنا وبغضنا وغضبنا ورضانا، فهي المفاتيح التي عرفوا بها كيف يخططون لتدميرنا، ثقافيا، واجتماعيًّا، وفكريًّا وعلميًّا، بعد ما حطمونا عسكريًّا، وحربيًّا، وسياسيًّا.

ومن أعجب العجب، أن تجد أمة - مثل أمتنا - تشكر وتمجد، وتعظم أمر سارقي وثائقها، لمجرد أنهم احتفظوا بها، أو قدموا إليها صورة منها، وعهدي بالدول الواعية، أنها تفضل حرق، وثائقها من أن تقع في يد أعدائها.

ولا ننكر أننا استفدنا من أعمال المستشرقين في مجال التراث (التحقيق والنشر، والفهرسة) . فذلك أمر واضح للعيان لا ينكره إلا مكابر.

ولكن هذه الاستفادة عرضية، تبعية، تشبه تمامًا استفادة أهل الهند وأهل مصر الآن، من المنشآت التي أقامها المستعمرون، فقد شقوا في الهند الطرق وأنشأوا السكك الحديدية، لنهب خامات الهند وثرواتها، وأقاموا في مصر القناطر، والسدود، وأصلحوا الترع، والقنوات، من أجل أن تزود مصانع في مانشستر، ولانكشير بالقطن المصري، فهل يقتضي ذلك أن الهندي إذا ركب قطار السكة الحديد، ذكر الاستعمار وشكره وأن المصري إذا استقى من الترع والقنوات، سبح بحمد (كرومر) ومجد عمله، والاستعمار الذي كان يمثله ؟؟ إن هذا لعمري عجيب غريب!!

ولكنه الإفساد الثقافي، والتدمير الفكري الذي تعرضت له أمتنا، أعانها الله على أمرها، وألهمها رشدها، وأخذ بيدها، إنه وحده المستعان، وعليه التكلان، وإن نصره لقريب. . هو نعم المولى ونعم النصير.

المقدمة

إن مما لا جدال فيه أن الاستشراق له أثر كبير في العالم الغربي وفي العالم الإسلامي على السواء وإن اختلفت ردود الأفعال على كلا الجانبين. ففي العالم الغربي لم يعد في وسع أحد أن يكتب عن الشرق أو يفكر فيه أو يمارس فعلًا مرتبطًا به أن يتخلص من القيود التي فرضها الاستشراق على حرية الفكر أو الفعل في هذا المجال من حيث إن الاستشراق ( يشكل شبكة المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورة لا مفر منها في كل مناسبة.. يكون فيها ذلك الكيان العجيب( الشرق) موضوعًا للنقاش ) (1) .

وفي عالمنا العربي الإسلامي المعاصر لا يكاد يجد المرء مجلة أو صحيفة أو كتابًا إلاّ وفيها ذكر أو إشارة إلى شيء عن الاستشراق أو يمت إليه بصلة قريبة أو بعيدة . وهذا أمر ليس بمستغرب ذلك أن الاستشراق في حقيقة الأمر كان ولا يزال جزءًا لا يتجزأ من قضية الصراع الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول: إن الاستشراق يمثل الخلفية الفكرية لهذا الصراع . ولهذا فلا يجوز التقليل من شأنه بالنظر إليه على أنه قضية منفصلة عن باقي دوائر هذا الصراع الحضاري. فقد كان للاستشراق من غير شك أكبر الأثر في صياغة التصورات الأوروبية عن الإسلام، وفي تشكيل مواقف الغرب إزاء الإسلام على مدى قرون عديدة.

ولا يزال الأوروبيون حتى اليوم يستقون معلوماتهم عن الإسلام من كتابات المختصين في هذا المجال من الأوروبيين، وهؤلاء هم بطبيعة الحال من طبقة المستشرقين، هذا فضلًا عما يكتبه بعض الأدباء أو الفلاسفة الأوربيين . ولكن كتابة هذا الفريق الأخير لا تخرج في الغالب عن كونها مبنية على كتابات المستشرقين (2) .

والاستشراق قضية تتناقض حولها الآراء في عالمنا الإسلامي، فهناك من يؤيده ويتحمس له إلى أقصى حد، وهناك من يرفضه جملة وتفصيلًا ويلعن كل من يشتغل به بوصفه عدوًا لدودًا للإسلام والمسلمين.

والواقع الذي لا يمكن إنكاره هو أن الاستشراق له تأثيراته القوية في الفكر الإسلامي الحديث إيجابًا أو سلبًا أردنا أم لم نرد. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نتجاهله أو نكتفي بمجرد رفضه وكأننا بذلك قد قمنا بحل المشكلة، إننا لو فعلنا ذلك لكنا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال. ولهذا فإنه ليس هناك بديل عن مواجهة المشكلة وطرحها على بساط البحث ودراستها واستخلاص النتائج واقتراح الحلول وهكذا نجد أن موضوع الاستشراق يفرض نفسه علينا بإلحاح ويتطلب منا وقفه تأملية جادة لبحثه ودراسة أبعاده وتأثيراته بالنسبة للإسلام والمسلمين .

وهناك من غير شك بعض الجهود العلمية القيمة في هذا الصدد من جانب بعض المسلمين، وهي جهود لا يجوز التقليل من شأنها أو تجاهلها . (3) ولسنا نقصد بهذا الكتاب أن يكون عوضًا عن هذه الدراسات. ولكن حسبنا هنا أن نركز على بعض النقاط الهامة التي نرجو من ورائها أن تكون حافزًا لنا على مواصلة التفكير والتأمل في أبعاد هذه القضية المتعددة الجوانب المتشعبة الأطراف، من أجل الوصول إلى اتخاذ المواقف الصحيحة التي من شأنها أن تسير بنا إلى بلوغ الأهداف المرجوة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت