فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 3028

الغزو الفكري وآثاره على المسلمين

إعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

مجلة البحوث الإسلامية - (ج 56 / ص 24)

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 194)

صفحة فارغة

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 195)

لمعالي الدكتور / محمد بن سعد الشويعر

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . . وبعد:

فإن الصراع بين الحق والباطل مستمر ، فالحق قد أبانه الله سبحانه ، وأوضح القرآن الكريم معالمه التي يسترشد بها من أنار الله عقله ، وفتح على بصيرته .

والباطل قد جعل الله على دربه أعوانا من شياطين الجن والإنس ، يزينون للناس سلوكه ، ويمهدون لهم حسن الاتباع ؛ لأنه لا يحلو لهم إلا جذبهم إلى حمأة هذا الباطل بالغين في سبيل ذلك نهاية الغواية . يقول الله جل وعلا لرسوله الكريم ، محذرا له ، وأمته بالتبعية ، من الركون لأهل الباطل ، والانقياد لشبههم وأقوالهم ، أو الاستماع لمعسول كلامهم ؛ لما وراء ذلك من شرور وآفات ، تباعد عن الحق الذي يوجه إليه داعي الهدى .

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 196)

وذلك في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ، ولا من خلفه . من ذلك قوله جل وعلا في سورة الأنعام ، ضمن آيات تحاور أهل الباطل وترد على شبهاتهم: سورة الأنعام الآية 116 وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ . والشباب الذين قد تفتحت مداركهم على العلوم المختلفة ، واستعدوا لتحمل المسئولية في الحياة ، نحو أنفسهم ومن حولهم ، ونحو دينهم وتوجيه أمتهم ، يجب الاهتمام بهم ، وإعانتهم على تخطي الصعاب المعترضة .

ذلك أن الشباب الذين هم الجوهرة الثمينة في جيد الأمة ، والنجمة الساطعة في سمائها ، هم في أمس الحاجة إلى النصح لهم ، والمحافظة عليهم ، ورعايتهم وتوجيههم ، ضد الغزو الفكري ، التي تتسع دائرته بين وقت وآخر ، ويعرض بأساليب وشبهات .

ذلك الغزو الموجه من أعداء دينهم ، الذين لا يريدون بهم خيرا ، بل يثيرون الشكوك ، حتى يباعدوا بينهم وبين دينهم بالشبهات ، وقلب الحقائق . . في غزو فكري ، يجعل بين الشباب ، وبين تعاليم الإسلام ، هوة سحيقة ، ويجعلون بينهم وبين العلماء وولاة الأمر ، عقبات كأداء ، يتجسم أمام الشباب تخطيها .

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 197)

وإن في الاهتمام بتحصين عقول الشباب ضد ذلك الغزو الموجه ، لمما يتوفر للأمة به - بتوفيق الله - جيل صالح ، يعين على تخطي العقبات ، وينشط معه البناء والتعمير في عقول الشباب: حصانة وتعليما ، للوقوف أمام تيارات الأفكار الموجهة .

والأمم تحرص على الاهتمام والعناية بالشباب ، وتبذل في سبيل رعايتهم وتعليمهم ، الشيء الكثير من جهدها ومالها ونشاطها . . لأنها ترى من الضرورة المحافظة على صيانة وسلامة تلك الدرة الثمينة ، في فترة التفتح ، وإبان النظارة ؛ لأنهم مناط الأمل ، وركيزة التصدي - بعد توفيق الله - لكل ما فيه دفاع عن دين الله ، ورد للشبهات التي تثار بين حين وآخر .

لكن هل حققت كثير من الأمم ما تريده من الأماني ، وما ترجوه من ثمرة ، وخاصة في المجتمعات الإسلامية ، التي يصارع أبناؤها تيارات فكرية عديدة ، موجهة نحو شبابها ، ومقصود من وراء ذلك تصيد عقولهم بالشبهات ، في محاولة لطمس معالم الإسلام ، ونكران أثر حضارته على البشرية ، وخاصة أثر هذه الحضارة المشرقة على الغرب . . ؟؟!! ومن ثم تحصل الآثار السيئة في المجتمع ، وهذا ما يهدف إليه الأعداء .

ذلك ما نرجوه للأمة الإسلامية ، بأن تكون قد أخذت بالأسباب ، في تنشيط عقول الشباب ، حتى يتصدوا للغزو الفكري ،

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 198)

الموجه لهذه العقول بطرق شتى ، وبأساليب عديدة ، وحتى لا يتأثر الشاب بما يقصده الأعداء للصغير قبل الكبير ، ولدين الإسلام قبل كل شيء ، رغبة في أن تخف مكانته تدريجيا من النفوس ؛ لأن الأعداء يدركون أن قوة المسلم في دينه ، وحصانة الشاب في قوة إيمانه وتمكنه ، وإدراكه ما تعنيه تعاليم دينه .

فهم يغزونه من هذا الجانب لإحداث ثغرة ينفذ منها فكرهم في عقول شباب المسلمين ، لتخدم أغراض الأعداء ، وتضر بالمجتمع المسلم .

إن واقع الدراسات والإحصائيات في كثير من أمم الأرض اليوم ، وفي مقارنة الجريمة والاستقامة ، ومقاربة النفع بالضر ، ليبدو منه إجابة واضحة بعدم تحقيق ما كانت تلك الأمم تؤمل ، سواء كان هذا في الأمم القديمة أو الحديثة .

فالجريمة والتفسخ الأخلاقي وذوبان الشخصية المستقلة ، وتوسع دائرة النوازع الكثيرة ، التي تضر بالفرد والجماعة ، وما يضعون لذلك من دراسة ، أو يفكرون في حلول ، فإنهم مع هذا قد عجزوا أن يجدوا لتلك المشكلة المهمة علاجا ، يتغلب على جذورها في مجتمعاتهم ، وقد ضج من ذلك عقلاؤهم ، ومن له فكر يوجهه لإيجاد العلاج .

فكل ذلك وأكثر منه ، يلمس لدى الشباب في تلك الأمم ، وسببه الرئيس - والله أعلم - عدم الاهتمام ببناء الروح ، ومعرفة ما

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 199)

يوجبه الدين الصحيح ، الذي جاء من عند الله ، لأنهم معرضون عنه ، والله يقول: سورة طه الآية 124 وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى سورة طه الآية 125 قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا سورة طه الآية 126 قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى سورة طه الآية 127 وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى .

ذلك أنهم يهتمون بالتركيز على قوام الأجسام ، والاكتفاء بالمظاهر دون المخابر ، ودون مخاطبة العقول بما يريحها ، والقلوب بما يطمئنها: سورة الرعد الآية 28 أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ .

أين العلاج:

عند تلك الأمم ، التي ضاعت في المتاهات ، وعاش شبابها في خواء فكرى ، قادهم إلى ذوبان الشخصية ومن قبل فإن شباب جزيرة العرب ، كغيرهم من التائهين في ظلمات الغواية ، والانفلات من الاطمئنان الروحي ، فهي أمور مسيطرة عند الناس عامة . . اللهم إلا وميض أضاء قلوب بعض الحيارى ، ممن يلتمس مخرجا من هذا الضياع .

ومن هنا بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالشريعة

(الجزء رقم: 71، الصفحة رقم: 200)

الإسلامية السمحة ، لتعدل اعوجاج النفوس ، وتوفر المسببات لتربية الروح التي يقوى بها الجسد: عزيمة وتضحية . . ومدها بالغذاء الذي يجعلها مستقيمة ونافعة: مستقيمة في نفسها ونافعة لغيرها وصالحة ومصلحة لمجتمعها .

فالنص الشرعي من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: صحيح البخاري في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس (2278) ,صحيح مسلم الإمارة (1829) ,سنن الترمذي الجهاد (1705) ,سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2928) ,مسند أحمد بن حنبل (2/121) . كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته ، يوقد جذوة في الأعماق ، تتحدد معها المسئولية في التوجيه ، والشعور بثقل الأمانة ، والحرص على العلم الذي يعين على أداء هذه المسئولية . نحو الشباب ، والعناية بهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت