فهرس الكتاب

الصفحة 977 من 3028

وسام فؤاد - هند سليم

ترفيه أم صورة جديدة للغزو الثقافي؟

مع الإعلان عن أية بطولة كروية كبرى يلتف ملايين البشر بجميع أنحاء العالم حول شاشات التلفاز لمتابعة مباريات هذه البطولة، ويتناسون الحروب والمذابح والقضايا الحقيقية التي نشهدها على الساحات العالمية، كقضايا الفقر والجوع والعولمة المتوحشة وتأثيراتها على دول الجنوب، أو ننسى نحن المسلمين قضايانا الهامة والمصيرية، مثل قضية فلسطين، أو الإعداد للهجوم على العراق، أو تمدد حملة الإرهاب على حساب المسلمين المطالبين بحق تقرير المصير كما يحدث الآن في الفليبين!!

تُرى ما السر وراء ذلك؟ وما الدور الذي أصبحت الرياضة تمثله في حياتنا؟ وما رأي الإسلام في كل ذلك؟ حاولنا الإجابة على هذه الأسئلة من خلال استقصاء آراء العلماء والخبراء والمتخصصين لعلنا نصل إلى الصواب.

الإسلام والرياضة

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر الرئيس السابق للجنة الفتوى بالأزهر: إن الرِّياضة مَصدر راضَ، يقال: راضَ المُهرُ يَروضُه رِياضًا ورياضةً فهو مَروض، أي ذَلَّلَه وأسلسَ قِيادَه، ورياضة البدن معالجتُه بألوان من الحركة لتهيئة أعضائه لأداء وظائفها بسهولة. وقد قال المختصُّون: إن هذه الرياضة توفِّر للجسم قوته، وتزيل عنه أمراضًا ومخلّفات ضارة بطريقة طبيعية هي أحسن الطُّرق في هذا المجال.

والإسلام - كما يقول الدكتور عطية صقر - لا يمنع تقوية الجسم بمثل هذه الرياضات، فهو يريد أن يكون أبناؤه أقوياء في أجسامهم وفى عقولهم وأخلاقهم وأرواحهم؛ لأنه يمجِّد القوة، فهي وصف كمال لله تعالى ذي القوة المَتين، والحديث الشريف يقول:"المؤمِن القوي خير وأحبّ إلى الله من المؤمِن الضعيف" (رواه مسلم) .

ويؤكد الشيخ صقر على أن الجسم القوي أقدرُ على أداء التكاليف الدينيّة والدنيويّة، وأن الإسلام لا يُشَرِّع ما فيه إضعاف الجسم إضعافًا يُعجزه عن أداء هذه التكاليف، بل إن الإسلام خفّف عنه بعض التشريعات إبقاءً على صحّة الجسم، فأجاز أداء الصلاة من قعود لمَن عجز عن القيام، وأباح الفِطر لغير القادر على الصّيام، ووضع الحجّ والجهاد وغيرهما عن غير المُستطيع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد أرهق نفسَه بالعِبادة صيامًا وقيامًا:"صُمْ وأفْطِرْ وقُمْ ونَمْ، فإنّ لبدنِك عليك حَقًّا وإنّ لعينِك عليك حقًّا" (رواه البخاري ومسلم) .

ويؤكد د. عبد الستار فتح الله سعيد أستاذ التفسير بكلية أصول الدين جامعة الأزهر أن الإسلام حث على ممارسة الرياضة المفيدة النافعة، مشيرًا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اقطعوا الركب وثبوا على ظهور الخيل وثبًا" (رواه البخاري) ، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم:"كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديبه فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة" (رواه الطبراني والبزار ورجال الطبراني رجال الصحيح) .

ماذا عن الرياضات الأخرى؟

أما عن الرياضات الأخرى مثل كرة القدم، فيؤكد د. محمد مختار المهدي، الأستاذ بجامعة الأزهر ورئيس الجمعية الشرعية، جواز لعب الكرة إذا استهدفت تمرين الشباب على الرمي وإصابة الهدف كنوع من التمرين على الرمي بالسلاح للدفاع عن الوطن والمقدسات، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رميًا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" (رواه أحمد وابن ماجه والحاكم، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم) .

وأشار الشيخ عطية صقر إلى قول الإمام ابن القيّم في كتابه"زاد المعاد"عند الكلام على الرياضة، أن الحركة هي عماد الرياضة وهي تخلِّص الجسم من رواسب وفضلات الطعام بشكل طبيعي، وتعوِّد البدن الخِفّة والنشاط وتجعله قابلا للغذاء وتُصلِّب المفاصل وتقوِّي الأوتار والرّباطات، وتؤمّن جميع الأمراض الماديّة وأكثر الأمراض المِزاجية، إذا استُعمل القَدْر المعتدِل منها في دقّة، وكان التدبير يأتي صوابًا، وقال: كل عضو له رياضة خاصّة يَقوَى بها. وأما ركوب الخيل ورمي النِّشاب والصراع والمسابقة على الأقدام فرياضة للبدن كله، وهي قالعة لأمراض مُزمنة.

الرياضة والتراث الحضاري

وذكر الشيخ عطية صقر أن الناس من قديم الزمان لهم طُرق وأساليب في تقوية أجسامهم بالرياضة، وكل أمة أخذت منها ما يُناسِب وضعها ويتّصل بأهدافها، فالأمة الحربية مثلا عُنِيَتْ بحمل الأثقال وبالرمي واللعب بالسلاح، والأمة التي تكثر فيها السواحل تُعْنَى بالسباحة، والأمة المسالمة الوادِعة تعنى بالتمرينات الحركيّة للأعضاء وهو ما يُطلَق عليه الألعاب السويديّة.. وهكذا. وكانت للعرب، كغيرهم من الأمم، أنواع من الرياضة أملتْها عليهم ظروف معيشتهم التي تعتمد على الرّحلات والصيد والغارات والثّارات.

آداب وأخلاقيات الرياضي

أقر الإسلام الرياضة وشجع عليها في الإطار العادل الذي وضَعه للمصلحة، ويُلاحَظ أن التربية الرياضية لا تُثمِر ثمرتها المرجوّة إلا إذا صحبتها الرياضة الرُّوحيّة الأخلاقيّة، وإذا كانت هناك مُباريات يجب أن يُحافَظ على آدابِها، ومن أهمِّها نبذ التعصُّب الممقوت، فإذا حدَث انتصار لفرد أو فريق وكان الفرح بذلك على ما تقتضيه الطبيعة البشريّة، وجب أن يكون في أدب وذوق، فالقَدَر قد يُخبِّئ للإنسان ما لا يسُرُّه، وقد تكون الجولات المستقبَلة في غير صالح الفائز الآن، وهو لا يُحِبّ أن يشمت به أحد، فيجب عليه أن يُحِبّ للناس ما يُحبُّه لنفسه ويَكره لهم ما يكرهه لنفسه.

وقد رأيتم أن الأعرابي سبق بقَعوده ناقة النبيّ صلى الله عليه وسلم التي كانت لا تُسبق، ولما شقَّ على المسلمين ذلك تمثلت الرّوح الرياضيّة الصحيحة كما يعبِّر المتحدِّثون عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال:"إن حَقًّا على الله ألاَّ يرفع شيئًا من الدُّنيا إلا وَضَعه"وذلك ليهدئ من ثائرة المتحمسين له، وقد سبق أنه قال لعائشة رضي الله عنها عندما سبقها:"هذه بتلك".

والأدب الإسلامي عند الخصومة والمنافسة يحتِّم عدم نسيان الشرف والذوق وعدم الفجور في المخاصمة، فتلك من خِصال المنافقين، ففي حديث البخاري ومسلم:"أربع مَن كنّ فيه كان مُنافقًا خالِصًا ومن كانت فيه خَصلة منهنّ كان فيه خَصلة من النّفاق حتّى يدعَها: إذا اؤتمن خان وإذا حدَّث كَذَب وإذا عاهَد غَدَر وإذا خاصَم فَجَر" (متفق عليه) .

والإسلام لا يرضَى الانحراف عن هذه الآداب في ممارسة الرياضة وفي إقامة المباريات كالآتي:

-لا يرضَى أن يلهوَ الشباب بها إلى حدِّ نسيان الواجبات الدينيّة والوطنيّة والواجبات الأخرى، ولا يرضَى أن نصرِف لها اهتمامًا كبيرًا يغطِّي على ما هو أعظم منها بكثير.

-لا يرضى أن نمارِس الرياضة بشكل يؤذِي الغير، كما يمارس البعض لعب الكرة في الأماكن الخاصّة بالمرور أو حاجات الناس، وفي أوقات ينبغي أن تُوفَّر فيها الراحةُ للمحتاجين إليهاـ والإسلام نَهى عن الضَّرر والضِّرار.

-لا يرضى التحزُّب الممقوت الذي يفرّق بين الأحبّة ويباعد بين الإِخوة ويجعل في الأمّة أحزابًا وشيَعًا، والإسلام يدعو إلى الاتّحاد ويَمقُتُ النِّزاع والخلاف.

-لا يرضى أن توجَّه الكلمات النابية من فريق لآخر، ويَكره التصرّفاتِ الشاذّة التي لا تَليق بإنسان له كرامته وبشخص يشجع عملا فيه الخير لتكوين المواطن الصالح جِسميًّا وخُلُقِيًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت