[6] لا ينبغي للمسلمين ـ بعد أن يحرّروا مفاهيمهم الشرعيّة ـ أن يبالوا بالحرب الإعلامية الاصطلاحية التي يشنها أعداء الإسلام ضدّهم. بل إنّ بعض ما ينعتونهم به من الاتهامات مثل تهمة الإرهاب إنما هو شرفٌ وعزٌ لهم. ورحم الله ابن الزبير فقد كان أهل الشام ينتقصونه بزعمهم حيث يقولون له: (ابن ذات النطاقين) فيقول:
"وتلك شِكاة ظاهرٌ عنك عارُها" [راجع فتح الباري 12/231]
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
د. يحيى عبد الله*
مقدمات حول الموضوع:
الحمد لله القوي العزيز، الجبار المنتقم، الذي بيده ملكوت كل شيء، القاهر فوق عباده، يُعز من يشاء ويُذلّ من يشاء، (( يعلم ما تكسب كلُّ نفسٍ وسيعلم الكفّار لمن عُقبى الدار ) ) [سورة الرعد: 142] .
والصلاة والسلام على نبي الرحمة، ورسول الملحمة، سيد المجاهدين، الذي يُتَّقى به إذا حمي الوطيس, القائل: (جُعِل رزقي تحت ظلّ رمحي، وجُعِل الذلُّ و الصَّغار على من خالف أمري) [رواه أحمد: مسند عبد الله بن عمر] . وعلى أصحابه الأخيار وصحابته الأطهار، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يُبدِّلوا ولم يُغيِّروا, باعوا أنفسهم لله فاشتراها منهم؛ فكانوا هم الرابحين, تأسّوْا بنبيهم ففلقوا هام الجبابرة المتغطرسين[الغطريس: الظالم المتكبر كما قال النابغة:
فلولا حبالٌ منكم هي اسلستْ جبائبنا كنا الأباة الغطارسا]
، وعلى من اتبع هداهم واقتفى أثرهم واختط سبيلهم إلى يوم الدين، أما بعد..
فإن الحديث عن العمليات الاستشهادية - وخاصة في هذا الوقت- عملٌ جللٌ يُملي على الدعاة ضرورة إحياء تلك الفريضة التي هي ذروة سنام الإسلام، ولأجل الدفع لعارضات الهوى الذي تمليه فتنة القعود وشهوة التسلط وكبرياء الفراعنة الذين يبغوننا الفتنة، وفينا سمّاعون لهم!!
إن الحديث عن التأصيل له أسلوبه الخاص به، بحيث يُعنى بعرض الحقائق بطريقة تختلف عن أسلوب التذكير و التحريض والتحليل الشخصي إلا بقدر ما يرتبط بالمنهاج المُتّبع الذي نهتدي به في تفسير نصوص الشرع وتأويله.
وهذا ما حدا بي للحديث عن مقدِّمات ينبني عليها الموضوع؛ ويكون بذلك نابعًا عن الأصل الذي ينضبط به المجتمع المسلم المتأسّي بقيم الدين.
المقدمة الأولى: التصور الإسلامي لتفسير التاريخ:
إن الناظر لأول وهلة لا يرى علاقةً لهذه المقدمة بالموضوع الذي نحن بصدده، ولكن عند النظر لمقالات العلمانيين والمحللين السياسيين الماديين وتفسيرهم لحركة المجاهدين تظهر جليًا ضرورة هذه المقدمة، زيادةً على ما تحمله مقالات أولئك من المصطلحات، ومدى تأثير المصطلحات على الموضوع؛ وعليه فإننا نذكر بعض الملامح للتصور الإسلامي لتفسير التاريخ منها:
[1] مراعاة الحقائق التي قررها القرآن الكريم:
مثل:"الأصل في عقائد البشر التوحيد لا الشرك", لقوله تعالى: (( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) ) [سورة البقرة: 213] ، أي كانوا أمةً واحدة على التوحيد.
وبعثة الرسل مرتَّبة على ترك الناس للتوحيد وانحرافهم عنه، أو على أن معرفة التشريعات التفصيلية، وتداخل المصالح، والقدرة على ترتيب الأولويات، و معرفة الجزاءات ليس في مقدورهم، فبعث الله النبيين، وهذا حال من تقدير محذوف وعلى كلا التفسيرين مرادنا محقق.
وأي تفسير يعكس هذه الحقيقة ويجعل الأصل في الناس الشرك والتوحيد طارئ نتيجة للتطور راجع إلى أمرين:
الأول: إنكار الوحي والنبوة وأن الوصول إلى التوحيد من تعدد الآلهة مجهود بشري نتيجة الارتقاء العقلي والثقافي.
الثاني: التأثر بنظرية داروين بحيث أعملنا النشوء والارتقاء في مجال العقيدة الدينية.
وعلى هذا فإن الرجوع إلى أصل التوحيد وعدم الإشراك بالله في كل ناحية من نواحي الحياة تطبيقًا لقول الله تعالى: (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك ) ) [سورة الأنعام: 162] أمر لابد منه وبهذا ندحض التعبير بالأصولية والرجعية والتخلف والرجوع إلى العصور المظلمة وغير ذلك من المصطلحات التي تؤثر حتى على المؤمنين الغافلين.
إن من زاوية توحيد الله المطلق تتفرع عقيدة الولاء والبراء على أساس هذا الإيمان أو الإشراك به.
[2] تفسير دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام:
إن دوافع السلوك في المجتمع الإسلامي الذي تهيمن عليه العقيدة تتأثر كثيرًا بالتطلع إلى الجزاء الأخروي, وصفوة المؤمنين لا يشركون دوافع أخرى في سلوكهم؛ لأنهم يعلمون أن الشرك يحبط عملهم (( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكوننَّ من الخاسرين ) ) [سورة الزمر: 65] .
إن معرفة أثر الإسلام في تربية أتباعه يجعل من البدهي التسليم بأن الدافع للسلف في مشاركتهم في الفتوح ونشر الإسلام والتمكين له لم يكن دافعًا دنيويًا ولا رغبة في التسلط والاستحواذ ولا طمعًا في خيرات البلاد المفتوحة, ولا فرارًا من شظف الحياة في الصحراء كما يزعم المستشرقون, أو مثلما هو حاصل في واقعنا المعاصر ممن هو قادر على البطش بالمستضعفين.
روى الطبري خبر مفاوضة المغيرة بن شعبة لرستم, وما ردَّ به على عروض رستم المادية مقابل تخلي المسلمين عن القتال حيث أجابه المغيرة بقوله:"أتيناكم بأمر ربنا نجاهد في سبيله, وننفذ أمره, وننجز موعده, وندعوكم إلى الإسلام وحكمه, فإن أجبتمونا تركناكم ورجعنا وخلَّفنا فيكم كتاب الله, وإن أبيتم لم يحل لنا إلا أن نعاطيكم القتال أو تفتدوا نفوسكم بالجزية، فإن فعلتم وإلا فإن الله قد أورثنا أرضكم وأبناءكم وأموالكم، فاقبلوا نصيحتنا فوالله لإسلامكم أحب إلينا من غنائمكم.." [تاريخ الطبري: 3/528،530، والسيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري: 1/34] .
وروى الطبري أن رِبْعِي بن عامر دخل على رستم قائد الفرس في مجلسه فسأله: ما جاء بكم؟ فقال:"الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله, ومن ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, فأرْسَلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه".
إن ما قاله كل من ربعي بن عامر والمغيرة ليس معبرًا عن شعور فردي, وإنما كان يمثل الفكرة المهيمنة على قيادة المسلمين ومعظم المجاهدين.
ولا يمنع هذا من مشاركة بعض الأعراب في الجهاد ممن تحفّزهم العوامل المادية وهنا يظهر ضرورة حركة الإسلام اليوم أن تتحرك بكل جمهورها على ما عليه حالهم من مستوى الإسلام و الإيمان والإحسان كما كان في جيش السلف مَن جاء فيه قوله جلَّ شأنه: (( سيقول المخلّفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتّبعكم ) ) [سورة الفتح: 15] ، وقوله: (( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ) [سورة آل عمران: 152] .
بل منهم من هو منافق عُلِم نفاقه ومنهم من علم الله وحده نفاقهم وهذا لا يعيب الخط العام طالما أن القيادة بيد من دخلوا في السِلْم كافة.
إن الدراسات اليوم معظمها تصدر عن مفكرين عاشوا في بيئة بعيدة عن الإسلام - وإن كانوا في بلاد المسلمين- لها حضارتها وفلسفتها ومقاييسها وأذواقها, فيصعب عليهم تذوق الإسلام وبالتالي يتعذر عليهم فهم دوافع السلوك المسلم في حركته الفردية و الجماعية وهذا يدلُّنا أمرين مهمين:
الأول: خطورة الاعتماد على هذه التفسيرات والانطلاق منها.
الثاني: ضرورة التأني في الفرز و الحكم على أبناء المسلمين الذين تربوا على هذا النمط.
[3] تقويم الحضارة يرتبط بمدى ملاءمتها لعبادة الله: