إن المؤرخ المسلم لا يحكم على المستوى الذي تبلغه أية حضارة من خلال منجزاتها المادية فقط, وإنما ينظر إلى مدى تحقيقها للهدف الأساسي الذي وضعه الخالق عز وجل لخلقه بقوله: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) [سورة الذاريات: 56] .
فالحضارة مهما تقدمت ماديًا فإنها تبقى في نظر المؤرخ المسلم"متخلفة"و"قاصرة"مادامت لا تهيّئ الظروف الملائمة لعبادة الله والوفاء بالالتزام بشرعه.
والحضارة الإسلامية نفسها مرت بمراحل مختلفة تاريخيًا, ولم يكن التضخم في منجزاتها المادية إلا في القرن الثالث والرابع, ومع ذلك يبقى في نظر المسلم أن عصر صدر الإسلام يمثل أوج الحضارة, لأنه أكثر ملاءمة لعبادة الله وتوحيده, وسلوك المسلمين في صدر الإسلام أكثر التزامًا بتعاليم الشريعة من سلوك المسلمين في القرن الرابع الهجري، وهذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) [متفق عليه] ، فالمسلم الذي يرى قمة الحضارة في تطابق النظرية الإسلامية مع الواقع التاريخي هو المنفلت من كمّاشة الحضارة الغربية، والمستعلي بالإسلام والإيمان والشعور بالذات والاستقلال الروحي والفكري الذي يمثل الخطوة الصحيحة إلى طريق الحضارة [انظر السيرة النبوية الصحيحة: 1/36] . وهذا محك التباين وبيت القصيد في اختلاف تحليل سلوك المجاهدين وتفسير بواعثهم بالأسباب الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو النفسية أو غير ذلك عند قوم, أو تفسيرها بكون الواقع المادي البحت لا يشبع رغباتهم, ولا هو مُواتٍ لما يعتقدونه من توحيد الله عز وجل في كل شأن من شؤون حياتهم, وبالتالي لا يسعدهم في هذه الحياة الدنيا فضلًا عن الآخرة التي هي الحيوان لمن يعلمون.
[4] رفض منطق التبرير كأساس لتفسير صدر الإسلام:
إن القهر والانهزام النفسي له تأثيره في هذا التفسير فأصبح المسلم المتأثر بتلك المناهج خجولًا عند الحديث عن الجهاد و حركة الفتح الإسلامي واعتباره دفاعًا عن الجزيرة العربية أو عن دولة المدينة المنورة, فالتفسير الإسلامي للتاريخ ليس دفاعيًا تبريريًا, بل ينطلق من اعتقاد (( إن الدين عند الله الإسلام ) ) [سورة آل عمران: 19] (( ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ) [سورة آل عمران: 85] , وهذا يعطي مفهومًا واضحًا بأن دين الإسلام حق وما عداه باطل, والجهاد وكل تشريعاته حق حتى لو بدا ذلك غريبًا أمام الذهنية المهيمنة على الناس في القرن العشرين, والحكم لله ولشرعه, وليس لأذواق الناس وأهوائهم (( والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ) [سورة يوسف: 21] , ومن مقتضيات العزة وعدم الانهزام ومحاولة التبرير استعمال المصطلحات الشرعية النابعة من القرآن والسنة؛ لأنها ذات دلالات واضحة ومحددة؛ ولأنها معايير شرعية لها اعتبار في وزن الأشخاص والأحداث, فالقرآن الكريم في أول سورة البقرة قسم الناس إلى"مؤمن"و"كافر"و"منافق"ولكل من الثلاثة صفات محددة ثابتة منثورة في كتاب الله عز وجل غير قابلة للتلاعب فيها, ثم بعد توزيع الناس إلى هذه الأقسام وتبصير المؤمنين بأن واقع البشرية لا يخلو من هذه الأصناف فاعرفوا كيف تتعاملون مع هذا الواقع, جاء قوله تعالى: (( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) )إلى قوله تعالى: (( فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون ) ) [سورة البقرة: 21-22] , فوصف الإنسان بـ"اليميني", أو"اليساري", أو"المعتدل", أو"المتشدد", أو"المتطرف", أو"المستنير"أو"الأصولي"بالمفهوم الغربي والسائد والمستعمل إعلاميًا يعد من نوع تحريف الكلم عن مواضعه, وكذلك الحكم على الأعمال والمنجزات الحضارية ينبغي أن يستعمل فيه المصطلحات الشرعية"المعروف"و"المنكر", و"الخير", و"الشر",و"الحق"و"الباطل", و"العدل"و"الظلم"كما حددها الشرع دلالة واستعمالًا,بدلًا عن معايير الفكر الغربي مثل"التقدمية"و"الرجعية"و"الإيجابية"و"السلبية", لأن الألفاظ معايير المعاني حتى لا ننزلق فما أخطر الذوبان وما مصطلح"الإرهاب"في هذه الأيام عنا ببعيد!!
المقدمة الثانية: النظرة المقاصدية وترتيب المصالح والمفاسد:
الأمر الأول: إن حقيقة هذا التشريع قائمة على أساس تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم وهذا ما أطبق عليه الفقهاء وبنوا فقههم عليه, يقول ابن عاشور:"فالشرائع كلها جاءت لما فيه صلاح البشر في العاجل والآجل, أي في حاضر الأمور وعواقبها".
وليس المراد بالآجل أمور الآخرة؛ لأن الشرائع لا تحدد للناس سيرهم في الآخرة، ولكن الآخرة جعلها الله جزاء على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا, وإنما نريد من التكاليف الشرعية ما قد يبدو فيه حرجٌ وإضرارٌ للمكلفين، وتفويت مصالح عليهم، مثل تحريم شرب الخمور وتحريم بيعها، ولكن المتدبر إذا تدبّر في تلك التشريعات؛ ظهرت له مصالحها في عواقب الأمور.
واستقراء أدلة كثيرة من القرآن والسنة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأن أحكام الشريعة الإسلامية منوطة بحكمٍ وعللٍ راجعةٍ للصلاح العام للمجتمع والأفراد.
الأمر الثاني: قد ثبت بالأدلة القطعية أن الله تعالى لا يفعل الأشياء عبثًا، دلّ على ذلك صنعه في الخِلقة كما أنبأ عنه قوله: (( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلاّ بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ) [سورة الدخان: 38-39] وقوله: (( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون ) ) [سورة المؤمنون: 115] .
ومن أعظم ما اشتمل عليه خلق الإنسان قبوله التمدن الذي أعظمُه وضع الشرائع له.
وما أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الشرائع إلا لإقامة نظام البشر كما قال تعالى: (( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأسٌ شديدٌ ) ) [سورة الحديد: 25. وانظر مقاصد الشريعة لابن عاشور] ، فالقياس الصحيح، والعقل الرجيح، وما أودعه الله سبحانه في الكون من الدلائل والآيات وغيرها داخلٌ في مفهوم الميزان.
فلا مدنية إلا بتشريع، ولا تشريع يضمن العدل للجميع ويحقق مصالحهم ولا يتأثر بالهوى أو محدودية المعرفة إلا تشريع الله الذي يعلم خلقه وهو لطيفٌ خبير بهم.
الأمر الثالث: عدم الاستغناء المطلق بالأدلة اللفظية عن معرفة المقاصد الشرعية؛ لأنّ الكلام وحده لا يعتبر إلا بمراعاة ما يحيط به من الاعتبارات والقرائن, كما يتأكد أن ينظر إلى الكلام والمتكلم, وعلى هذا فإنّ الوقوف عند اللفظ فقط من غير مراعاة القصد مدعاة للوقوف عند الظاهر.