فهرس الكتاب

الصفحة 2762 من 3028

ويوقع في ورطة التوقف عن إثبات الأحكام فيما لم يُرو فيه عن الشارع حكم من حوادث الزمان, وهو موقف خطير يخشى على المتردد فيه أن يكون نافيًا عن شريعة الإسلام صلاحيتها لجميع العصور والأقطار قال ابن عاشور:"وإذا جاز أن نثبت أحكامًا تعبديةً لا علة لها ولا يطلع على علتها؛ فإنما ذلك في غير أبواب المعاملات المالية والجنائية فأما هذه فلا أرى أن يكون فيها تعبدي, وعلى الفقيه استنباط العلل فيها". وقال:"وكان حقا على أئمة الفقه أن لا يساعدوا على وجود الأحكام التعبدية في تشريع المعاملات, وأن يوقنوا بأنّ ما ادعي التعبد فيه إنما هو أحكام قد خفيت عللها أو دقّت, فإنّ كثيرًا من أحكام المعاملات التي تلقاها بعض الأئمة تلغي الأحكام التعبدية قد عانى المسلمون من جرائها متاعب جمة في معاملاتهم, وكانت الأمة منها في كبد حيث يقول الله: (( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ) [سورة الحج: 78. وانظر مقاصد الشريعة:242،203 - 244 - 284] ."

الأمر الرابع: ليست المصالح والمفاسد على درجة واحدة:

إذا كان الشرع جاء لتحقيق المصالح ودفع المفاسد فإن المصالح والمفاسد لم تترك على هوى الناس, وإلا لاضطرب الحال وفسد أمر الناس فإنّ الناس مختلفو الأمزجة والأهواء, قال الله تعالى: (( ولو اتبع الحقُ أهواءَهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.. ) ) [سورة المؤمنون: 71] .

وهنا يظهر جليًا ما مضى من أن أعظم مظاهر التمدن وضع التشريع الضابط لحياة الناس, والمحقِّق لمصالحهم وهذا لا يكون إلا من خلال تشريع الله عز وجل وهذه المصالح التي جاء بها الشرع تنحصر في الضروريات والحاجيات, والتحسينات, والضروريات قد حُصرت في حفظ (الدين) , و (النفس) و (العقل) و (النسل) و (المال) .

وقد شرع الله ما يحفظ هذه المصالح من جهة وجودها وحصولها وبقائها ومن جهة ما يحفظها من أن تنعدم, وشرع مكملات لها بأنواعها الثلاث [انظر المستصفى للغزالي: 1/287، والوجيز لعبد الكريم زيدان: 387] .

والمصالح بأنواعها الثلاثة ليست سواء في الأهمية, فأولاها بالرعاية: الضروريات, ثم الحاجيات, ثم التحسينات, وعلى هذا لا يجوز مراعاة الحاجيات إذا كان في ذلك إخلال بالضروريات, ولا يجوز مراعاة التحسينات إذا كان في ذلك إهمال للحاجيات, ولا يجوز مراعاة المكملات إذا كان في ذلك إهدار لما هو أصل لها.

وكذلك المراتب المذكورة كل في حد ذاتها لا يراعى أقلها أهمية إذا كان في ذلك تفويت لما هو أكثر أهمية منها, فلا يجوز القعود عن الجهاد مثلًا جُبنا وضنّا بالنفس؛ لأنّ في هذا القعود تفويتا لحفظ الدين, ورد الاعتداء, وصيانة دار الإسلام, وهذه أمور ضرورية أهم من حفظ النفس وإن كان كلاهما ضروريًا.

ذكر العز بن عبد السلام أمثلة على تقديم واجب على واجب لتفاوت المصلحة فيهما فقال:"تقديم إنقاذ الغرقى على أداء الصلوات؛ لأنّ إنقاذ الغرقى المعصومين عند الله أفضل من أداء الصلاة والجمع بين المصلحتين ممكن, بأن ينقذ الغريق, ثم يقضي الصلاة, ومعلوم أن ما فاته من أداء الصلاة لا يقارب إنقاذ نفس مسلمة من الهلاك, وكذلك إذا رأى في رمضان غريقًا لا يمكن تخليصه إلا بالفطر, فإنه يفطر وينقذه, وهذا أيضا من باب الجمع بين المصالح لأنّ في النفوس حقا لله تعالى, وحقا لصاحب النفس, فقدم ذلك على أداء الصوم دون أصله.." [قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 1/57] .

على أساس مراعاة المصالح نتجت عدة مبادئ عامة استنبطها الفقهاء وفرعوا منها فروعا كثيرة, ومن هذه المبادئ والقواعد العامة:

[1] الضرر يزال.

[2] يدفع الضرر العام بتحمل الضرر الخاص.

[3] يدفع أشد الضررين بتحمل أخفهما.

[4] درء المفاسد أولى من جلب المصالح.

[5] الضرورات تبيح المحظورات.

[6] الضرورات تقدر بقدرها.

[7] المشقة تجلب التيسير.

[8] الحرج مدفوع.

وغير ذلك من القواعد العامة.

المقدمة الثالثة: ضغط الواقع وأثره على الفتيا:

إنّ الانصياع لما هو واقع واتباعه من غير تمحيص مذمومٌ شرعًا، وعلى هذا شنعت آيات القرآن على من اقتدوا بآبائهم وجعلوا عملهم حجة فقال لهم: (( أوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) ) [سورة البقرة: 170] ، وقال: (( قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم ) ) [سورة الزخرف: 24] , وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت. ولكن وطِّنوا أنفسكم على أن تحسنوا إن أحسن الناس، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم) [الحديث في بعض السنن، وفيه كلام] .

إنّ واقعنا المعاصر بيَّن بجلاء قضية التسلط من الكفار على المسلمين بشتى الذرائع والوسائل, والغرب وعلى رأسهم أمريكا يسندون كل عمل عدواني ضد المسلمين بل يمولون ويمدون حساًّ ومعنى ويستعملون حق النقض على مجرد الإدانة لما يقوم به اليهود ضد الفلسطينيين العزل وغير ذلك من الأمثلة.

فالاعتداء على المسلمين حاصل سواء وجد من يقاوم أو لم يوجد؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الحديث عنهم وكأنهم كفار مسالمون غير سديد فقها،ً وكذلك عن العمليات الاستشهادية بأنها إثارة للفتن أيضا غير دقيق؛ لأنّ الفتنة لم تَنَم حتى يثيرها هذا الذي دُفِع لهذا العمل من أجل الدفاع عن دينه وأهله ونفسه وعرضه. ومثل ذلك الحديث عن ضرب الأمريكان وأعوانهم لأفغانستان بأنّ ذلك يؤدي إلى قتل المواطنين الأبرياء.

إنّ الاعتراض على الضرب بهذا التعليل أيضًا غير صحيح لأنه بمفهومه يبيح ضرب طالبان وكل المجاهدين إن سلم من أذية من وصفوهم بالأبرياء لأننا نقول: بأي فقه رفعنا البراءة عن طالبان ومن معهم؟

وكلنا يعلم بأنّ ضربة أمريكا بمجرد وقوعها قبل البحث عن الأدلة أنيطت الأحداث بالمسلمين, بل وقع الاعتداء عليهم في أنحاء عدة من أمريكا وأوربا, هذا الحديث كله بغض الطرف عن أنّ الحَكَم هو الخصم, وبغض الطرف عن موالاة المؤمن لإخوانه المؤمنين وأنّه لا يكون ظهيرًا للكافرين.

وعلى هذا فإنّ للتأثّر بالتفسير التاريخي الذي فرض علينا في تحليل مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام وجهادهم والتأثير الإعلامي والضغط السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني المفروض علينا أثرًا كبيرًا على جملة من الفتاوى والمواقف تجاه الأحداث من أفراد وجماعات وجمعيات وهيئات, وهذا يساهم مساهمة فاعلة في تضليل الرأي العام المسلم المهتدي بالفطرة التي هداه الله بها سواء السبيل.

العمليات الاستشهادية:

بعد هذه المقدمة الطويلة التي أرى أنها هادية للدخول في الموضوع من بابه الصحيح بعيدًا عن التأثيرات الخارجية الموجهة للبحث نحو ما هو سائد وشائع أتوجه نحو الحديث عن العمليات الاستشهادية باختصار، مقسما العمليات الاستشهادية مستدلا لكل قسم منها بما يدل عليه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما صار عليه فقهاء المسلمين مركَّزا على الجانب التطبيقي في عهد النبي عليه الصلاة والسلام والخلفاء الراشدين من بعده؛ لأنّ السيرة هي المعيار التطبيقي لعمومات الأدلة وهدايات الوحي والله أسال السداد والتوفيق.

تعريف العمليات الاستشهادية وأثرها على العدو:

العمليات جمع عملية, وهي لفظ مشتق من العمل, وهو صادق على كل فعل يُفعل. أما العملية فهي كلمة محدثة تطلق على جملة أعمال تُحدث أثرا خاصا, يقال عملية جراحية أو حربية [المعجم الوسيط مادة: ع.م.ل] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت