فهرس الكتاب

الصفحة 1315 من 3028

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله أمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة(130) ) . .

إن هذا الحديث النبوي يعين جوانب بحثنا الصحيحة ، فهو يقول: إن أهم وسائلنا لمعرفة النبي هو الكتاب الذي جاء به ، مدعيا أنه من عند الله ، والقرآن هو ، رسالة الرسول بين ظهرانينا ، كما أنه يبرهن على صدقه

فما الخصائص التي تبرهن على أن القرآن من عند الله ؟

إنها متعددة الجوانب كثيرة ، نستطيع أن نلخصها في الفصول التالية:

أولا-إعجاز القرآن:

أول خاصة يتنبه إليها الباحث في العلوم القرآنية هي ذلك التحدي الصريح الذي القرآن إلى الناس كافة ، منذ أربعة عشر قرنا ، وبخاصة أولئك الذين ينكرون رسالة القرآن ، ولم يستطع أحد من عباقرة البشر أن يرد التحدي الآن . لقد أعلن القرآن بصوت عال ، لا إبهام فيه ولا غموض:

(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (131) .

إنه أغرب تحد في التاريخ ، وأكثره إثارة للدهشة ، فلم يجرؤ أحد من الكتاب في التاريخ الإنساني - وهو بكامل عقله - أن يقدم تحديا مماثلا ، فإن مؤلفا ما لا يمكن أن يضع كتابا ، يستحيل علي الآخرين أن يكتبوا مثله ، أو خيرا منه. . فمن الممكن إصدار مثيل من أي عمل إنساني في أي مجال ، ولكن حين يدعي أن هناك كلاما ليس في إمكان البشر الإتيان بمثله ثم تخفق البشرية علي مدي التاريخ في مواجهة هذا التحدي ، حينئذ يثبت تلقائيا أنه كلام غير إنساني وأنها كلمات صدرت عن صميم المنبع الإلهي Divineorigin ، وكل ما يخرج من المنبع الإلهي لا يمكن مواجهة تحدياته.

وفي صفحات التاريخ بعض الوقائع ، غر أصحابها الغرور فانطلقوا يواجهون هذا التحدي.

وأولي هذه الوقائع ما حدث من الشاعر العربي لبيد بن ربيعة الشهير ببلاغة منطقه ، وفصاحة لسانه ، ورصانة شعره. فعندما سمع أن محمدا يتحدي الناس بكلامه قال بعض الأبيات ردا علي ما سمع ، وعلقها علي باب الكعبة ، وكان التعليق علي باب الكعبة امتيازا لم تدركه إلا فئة قليلة من كبار شعراء العرب ، وحين رأي أحد المسلمين هذا أخذته العزة فكتب بعض آيات الكتاب الكريم وعلقها إلي جوار أبيات لبيد ومر لبيد بباب الكعبة في اليوم التالي ولم يكن قد أسلم بعد فأذهلته الآيات القرآنية حتي أنه صرخ من فوره قائلا: (والله ما هذا بقول بشر ، وأنا من المسلمين) (132) .

وكان من نتيجة تأثر هذا الشاعر العربي العملاق ببلاغة القرآن أنه هجر الشعر وقد قال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه يوما: يا أبا عقيل: أنشدني شيئا من شعرك فقرأ سورة البقرة وقال: ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران (133) .

وأما الحادث الثاني فهو أغرب من الأول وهو عن ابن المقفع أورده المستشرق (ولاستن) في كتابه وعلق عليه قائلا:

(. . . إن اعتداد محمد بالإعجاز الأدبي للقرآن لم يكن علي غير أساس ، بل يؤيده حادث وقع بعد قرن من قيام دعوة الإسلام(134 ) ) .

والحادث كما جاء عن لسان المستشرق هو أن جماعة من الملاحدة والزنادقة أزعجهم تأثير القرآن الكبير في عامة الناس فقرروا مواجهة تحدي القرآن ، واتصلوا لإتمام خطتهم بعبد الله بن المقفع (727م) ، وكان أديبا كبيرا وكاتبا ذكيا. يعتد بكفائته فقبل الدعوة للقيام بهذه المهمة. . وأخبرهم أن هذا العمل سوف يستغرق سنة كاملة واشترط عليهم أن يتكفلوا بكل ما يحتاج إليه خلال هذه المدة. .

ولما مضي علي الاتفاق نصف عام عادوا إليه ، وبهم تطلع إلي معرفة ما حققه أديبهم لمواجهة تحدي رسول الإسلام ؛ وحين دخلوا غرفة الأديب الفارسي الأصل ، وجدوه جالسا والقلم في يده وهو مستغرق في تفكير عميق ، وأوراق الكتابة متناثرة أمامه علي الأرض ، بينما امتلأت غرفته بأوراق كثيرة كتبها ثم مزقها.

لقد حاول هذا الكاتب العبقري أن يبذل كل مجهود عساه أن يبلغ هدفه ، وهو الرد علي تحدي القرآن المجيد. . ولكنه أصيب بإخفاق شديد في محاولته هذه ، حتي اعترف أمام أصحابه ، والخجل والضيق يملكان عليه نفسه أنه ، علي الرغم من مضي ستة أشهر حاول خلالها أن يجيب علي التحدي ، فإنه لم يفلح في أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن ! وعندئذ تخلي ابن المقفع عن مهمته مغلوبا مستخذيا. . (135)

وهكذا لا يزال تحدي القرآن الكريم قائما ومستمرا علي مر القرون والأجيال ، وهي خاصة عظيمة ورائعة في صالح القرآن ، تثبت دون مرية ، أنه كلام من فوق الطبيعة. وأي إنسان يتمتع بكفائة التفكير والإمعان في حقيقة الأمر ، يكفيه ذلك ليؤمن بهذا الكتاب.

ومما لا شك فيه أن العرب-وهم الذين لم يعرف لهم مثيل في التاريخ ، في البلاغة والبيان حتي أطلقوا علي غيرهم اسم (العجم) لشدة اعتزازهم ببيانهم- قد اضطروا أن يركعوا أمام القرآن معترفين بعجزهم عن الإتيان بمثله ، فلزمتهم بذلك الحجة. .

ومما جاء في كتب الحديث عن ابن عباس أن (ضمادا) قدم مكة. وكان من ازد شنوءة. وكان يرقي (136) من هذه الريح (الجنون ومس الجن) . فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه علي يدي.قال فلقيه ؛ فقال: يا محمد ! إني أرقي من هذه الريح ،وإن الله يشفي علي يدي من شاء فهل لك ؟ فقال رسول الله: (إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه من يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله.أما بعد.) قال: فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء ، فأعادهن عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال: فقال: (لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ، ولقد بلغن ناعوس البحر (قعره الأقصي(137 ) ) .

إن هناك عددا لا يحصي من الاعترافات التي أدلي بها أرباب الشعر والأدب والفكر ، في شأن القرآن الكريم ، سطرت في صفحات التاريخ القديم ، كما أنها توجد بكثرة في تاريخ العصر الحاضر.

ثانيا- نبوءات القرآن:

الجانب الثاني من عظمة القرآن الكريم يتجلي في تنبؤاته المختلفة التي ثبتت صحتها فيما بعد بطرق عجيبة.

إن عددا كبيرا من أذكياء الناس ومن العباقرة ، قد جرؤوا علي أن يتنبأوا عن أنفسهم أو عن غيرهم. ولكننا نعرف أن الزمان لم يصدق هذه النبوءات مطلقا ، بل جاء يكذبها بكل قسوة ، ولقد تحفز الفرص المواتية والأحوال المساعدة والكفاءات العالية وكثرة الأعوان والأنصار ، والنجاح الخارق في البداية الكثيرين- وهم يرون أنهم يسيرون تجاه نتائج مرضية- أن يتنبأوا بنتيجة معينة بكل يقين ، ولكن الزمن يبطل هذه الدعاوي ويكذبها دائما. . والزمن نفسه هو الذي أثبت صحة ما جاء في القرآن من التنبؤات في حين أنها جميعا جاءت في أحوال غير مواتية ، إن هذه التنبؤات- وقد وقعت فعلا علي ما يحدثنا التاريخ- تجعل علومنا المادية حائرة عند تفسيرها. وما دمنا ندرسها في ضوء علومنا المادية. فلن نستطيع إدراك حقائقها ، إلا أن ننسبها إلي مصدر غير بشري.

كان نابليون بونابرت من أعظم قواد الجيوش في عصره ، وقد دلت فتوحاته الأولي علي أنه سوف يكون ندا لقيصر ، والإسكندر المقدوني. وترتب علي ذلك أن وجد الغرور منفذه إلي رأس نابليون ، فأصبح يتوهم أنه هو مالك القدر. وازداد هذا الشعور لديه. حتي إنه ترك مستشاريه ، وادعي أنه لم يكتب في قدره غير الغلبة الكاملة علي من في الأرض. ولكنا جميعا نعرف النهاية التي كتبت له في لوح القدر.

سار نابليون من باريس يوم 12 من يونية سنة1815 ، مع جحفله العظيم ليقضي علي أعدائه وهم في الطريق. ولم تمض غير ستة أيام حتي ألحق (دوق ولنجتون) شر هزيمة بجيش نابليون الجبار ، في (ووترلو) بأراضي بلجيكا. وكان (الدوق) يقود جنود انجلترا وألمانيا وهولندا. ولما يئس نابليون وأيقن من مصيره المحتوم فر هاربا من القيادة الفرنسية متوجها إلي أمريكا ولم يكد يصل إلي الشاطىء ، حتي ألقت شرطة السواحل القبض عليه وأرغمته علي ركوب سفينة تابعة للبحرية البريطانية ، وانتهي به القدر إلي أن أرسل إلي جزيرة غير معمورة بجنوب الأطلنطي ، هي جزيرة (سانت هيلينا) ، ومات القائد العسكري في هذه الجزيرة بعد سنوات طويلة من البؤس والشقاء والوحدة ، في 5 مايو سنة1821.

والبيان الشيوعي المعروف الذي صدر سنة1848 ، تنبأ بأن أول البلاد التي ستقود الثورة الشيوعية هي (ألمانيا) ، ولكن ألمانيا علي الرغم من مضي مائة وعشرين عاما من هذه النبوءة ، لا تزال صفحات تاريخها خالية من مثل هذه الثورة. .

ولقد كتب كارل ماركس في مايو سنة1849 قائلا: (إن الجمهورية الحمراء تبزغ في سماء باريس!) ورغم أنه قد مر علي هذه النبوءة أكثر من قرن ، فإن شمس الجمهورية الحمراء البازغة لم تشرق علي أهالي باريس!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت