وقد قال أدولف هتلر في خطابه الشهير الذي ألقاه بميونيخ في14 من مارس سنة1931:
(إنني سائر في طريقي ، واثقا تمام الثقة بأن الغلبة والنصر قد كتبا لي(138 ) ) . والعالم بأجمعه يعرف اليوم الذي كتب في قدر الجنرال الألماني العظيم كان هو الهزيمة والانتحار. .
وقد شاهدنا وقائع عديدة من هذه النبوءات المضحكة في (الهند) . . فقد أعلن زعيم الشيوعيين: س .ب. جوشي ، في المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الهندي ، الذي انعقد في (مدوراي) بجنوب الهند ، في يناير سنة1954 ، بأن الحزب الشيوعي سوف يحكم ، مستقلا بنفسه ، في الانتخابات العامة القادمة ، في ولايات: تراونكو-كوتشين (كيرالا) ، ومدارس ، وآندهرا ، والبنغال الغربية ، وآسام. وقد أجريت ثلاثة انتخابات عامة (وانتخابات تكميلية أخري) في هذه المدة الطويلة ، ولم يستطع الحزب الشيوعي تأليف وزارة مستقلة في أية ولاية من ولايات الهند (139) .
وسط هذه الجحافل من المتنبئين والنوءات ، لا نجد غير (القرآن) الذي تحققت نبوءاته حرفا حرفا. وهذا الواقع يكفي في ذاته لإثبات أن هذا الكلام صادر من عقل وراء الطبيعة يمسك بزمام الأحوال والحوادث ، وهو علي معرفة بكل ما سيحدث منذ الأزل إلي الأبد ،
وسوف نورد هنا خبرين من التنبوءات الكثيرة التي أدلي بها رسول الإسلام ، وتحققت بكاملها. والشهادتان اللتان سنذكرهما ، تتعلق إحداهما بغلبة الإسلام نفسه ، علي حين تتعلق بغلبة الروم مرة أخري. .
(أ) عندما بدأ النبي صلي الله عليه وسلم دعوته وقفت الجزيرة العربية كلها ضده ، وكان علي النبي مواجهة ثلاث جبهات في وقت واحد:
أولاها: القبائل المشركة ، بعد أن أصبحوا أعداء حياته.
وثانيتها: الرأسمالية اليهودية.
وثالثتها: أولئك المنافقون الذين تسربوا داخل المسلمين للقضاء علي حركتهم ، من داخل معاقلهم.
وكان الرسول يجاهد في سبيل رسالته السامية علي كل هذه الجبهات: قوة المشركين ، والرأسمالية اليهودية ، والطابور الخامس. وقد وقف أمام هذا الطوفان الطاغي وقفات رائعة لا مثيل لها ، ولم يسانده في مواقفه غير حفنة من المهاجرين والأنصار ، وجماعة من العبيد. ومما لا شك فيه أنه قد انضم إليه بعض كبار قريش ، ولكن سرعان ما انقطعوا عن أهلهم وذويهم ، وعادتهم قريش كمعاداتها للنبي.
وقد سارت هذه الحركة بمكة قدما ، تكافح وتناضل ، حتي اجتمع شملهم في المدينة المنورة ، وهم في أشد حالات العوز والفقر ، بعد ما تركوا ثرواتهم في مكة- موطنهم الأصلي. ويمكن قياس بؤس هؤلاء المهاجرين بتلك الجماعة التي عاشت في المسجد النبوي ، حيث لم تكن لديهم بيوت ، وكانوا ينامون علي (صفة) في فناء المسجد النبوي ، فأطلق عليهم (أهل الصفة) . ومما روي في كتب التاريخ أن تعداد هؤلاء الصحابة الكرام ، الذين عاشوا علي (الصفة) ، بلغ في بعض الأحيان أربعمائة صحابي.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب ، فمنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من هو أسفل من ذلك ؛ فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته. .
وعنه (أبي هريرة) رضي الله عنه أنه قال: (لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وبين حجرة عائشة رضي الله عنها ، فيقول الناس: إنه مجنون ، وما بي جنون ، ما بي إلا الجوع!) .
وفي هذه الحالة البائسة ، حيث كان المسلمون في أسوأ أحوالهم ؛ مكشوفين في عراء المدينة المنورة ، خائفين يترقبون الأعداء من كل جانب ، مخافة أن يختطفون في أي وقت ؛ في هذه الحالة نجد القرآن يبشرهم مرة بعد أخري:
(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي(140 ) )
وقال أيضا:
(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ، ولو كره المشركون(141 ) ) .
ولم تمض علي هذه البشري أيام طويلة ، حني وجد المسلمون الجزيرة العربية كلها تحت أقدامهم ؛ فقد انتصرت أقلية ضئيلة لا تملك الخيول ولا الأسلحة ، علي أعداء يملكون الجيوش الكبيرة ، والعدة ، والعتاد.
وليس بوسعنا تفسير هذه التنبؤات في ضوء المصطلحات المادية ، إلا أن نسلم بأن صاحب هذا الإخبار بالغيب لم يأت به من عند نفسه ، وإنما كان خليفة عن الله ؛ فلو أنه كان إنسانا عاديا لاستحال كل الاستحالة أن تصنع كلماته أقدار التاريخ. وكما قال البروفيسور (ستوبارت)
(إنه لا يوجد مثال واحد في التاريخ الإنساني بأكمله يقارب شخصية محمد.)
وهو يضيف قائلا:
( ألا. . ما أقل ما امتلكه من الوسائل المادية ، وما أعظم ما جاء به من البطولات النادرة ، ولو أننا درسنا التاريخ من هذه الناحية ، فلن نجد فيه اسما منيرا هذا النور ، وواضحا هذا الوضوح ، غير اسم النبي العربي(142 ) ) .
إن هذا الأمر هو أعظم دليل علي كونه صلي الله عليه وسلم مرسلا من لدن الحق تبارك وتعالي. وقد اعترف السير وليام ميور ، ذلك العدو اللدود للإسلام ، بهذا الأمر بطريقة غير مباشرة ، حين قال:
(لقد دفن محمد مؤامرات أعدائه في التراب ، وكان يثق بانتصاره ليل نهار ، مع حفنة من الأنصار والأعوان ، رغم أنه كان مكشوفا عسكريا من كل ناحية ن وبعبارة أخري: كان يعيش في عرين الأسد ، ولكنه أظهر عزيمة جبارة ، لا نجد لها نظيرا غير ما ذكر في الإنجيل ، من أن نبيا قال لله تعالي: (لم يبق من قومي إلا أنا(143) !) .
(ب) أما النبوءة الثانية التي وردت في القرآن ، فهي الإخبار بغلبة الروم علي الفرس. وقد جاء في أول سورة الروم قوله تعالي:
(بسم الله الرحمن الرحيم. ألم. غلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)
كانت الامبراطورية الفارسية تقع شرقي الجزيرة العربية ، علي الساحل الآخر للخليج العربي ، علي حين كانت الامبراطورية الرومانية تمتد من غربي الجزيرة علي ساحل البحر الأحمر إلي ما فوق البحر الأسود. وقد سميت الأولي-أيضا- بالإمبراطورية الساسانية ، والأخرى بالبيزنطية. وكانت الإمبراطوريتين تصل إلي الفرات ودجلة ، في شمال الجزيرة العربية. وكانتا أقوي حكومتين شهدهما ذلك العصر.
ويبدأ تاريخ الامبراطورية الرومانية-كما يري المؤرخ (جبن) - في القرن الثاني بعد الميلاد ، وكانت تتمتع حينئذ بمكانتها كأرقي دولة حضارية في العالم.
وقد شغل المؤرخين تاريخ زوال الروم ، كما لم يشغلهم زوال أية حضارة أخري (144) . وليس يغني كتاب من الكتب التي ألفت حول هذا الموضوع عن الكتب الأخرى ، ولكن يمكن اعتبار كتاب المؤرخ (إدوارد جبن) : (تاريخ سقوط واندحار الامبراطورية الرومانية) (145) أكثرها تفصيلا وثقة ، وقد ذكر المؤرخ في الجزء الخامس من كتابه الوقائع المتعلقة ببحثنا هنا.
اعتنق الملك (قسطنطين) الدين المسيحي عام325م ، وجعله ديانة البلاد الرسمية ، فآمنت بها أكثرية رعايا الروم. وعلي الجانب الآخر ، رفض الفرس-عباد الشمس- هذه الدعوة.
وكان الملك الذي تولي الامبراطورية الرومانية في أواخر القرن السابع الميلادي هو (موريس) ، وكان ملكا غافلا عن شئون البلاد والسياسة ، ولذلك قاد جيشه ثورة ضده ، بقيادة (فوكاسPhocas.) وأصبح فوكاس ملك الروم ، بعد نجاح الثورة والقضاء علي العائلة الملكية بطريقة وحشية؛ وأرسل سفيرا له إلي إمبراطور إيران (كسري أبرويز الثاني) ، وهو ابن (أنو شيروان) العادل.
وكان (كسري) هذا مخلصا للملك (موريس) إذ كان قد لجأ إليه عام590-591م ، بسبب مؤامرة داخلية في الامبراطورية الفارسية ، وقد عاونه (موريس) بجنوده لاستعادة العرش. ومما يروي أيضا أن (كسري) تزوج بنت (موريس) ، أثناء إقامته بلاد الروم ، ولذلك كان يدعوه (بالأب) .
ولما عرف بأخبار انقلاب الروم ، غضب غضبا شديدا وأمر بسجن السفير الرومي وأعلن عدم اعترافه بشرعية حكومة الروم الجديدة.
وأغار (كسري أبرويز) علي بلاد الروم وزحفت جحافله عابرة نهر الفرات إلي الشام. ولم يتمكن (فوكاس) من مقاومة جيوش الفرس التي استولت علي مدينتي (أنطا كية والقدس) فاتسعت حدود الامبراطورية الفارسية فجأة إلي وادي النيل. وكانت بعض الفرق المسيحية-كالنسطورية واليعقوبية- حاقدة علي النظام الجديد في روما فناصرت الفاتحين الجد وتبعها اليهود مما سهل غلبة الفرس.
وأرسل بعض أعيان الروم رسالة سرية إلي الحاكم الرومي في المستعمرات الإفريقية ، يناشدونه إنقاذ الامبراطورية فأرسل الحاكم جيشا كبيرا بقيادة ابنه الشاب (هرقل) ، فسار بجيشه في الطريق البحرية ، بسرية تامة. . حني إن (فوكاس) لم يدر بمجيئهم إلا عندما شاهد الأساطيل ، وهي تقترب من السواحل الرومانية ، واستطاع هرقل-دون مقاومة تذكر- أن يستولي علي الامبراطورية ، وقتل (فوكاس) الخائن.
بيد أن هرقل لم يتمكن-برغم استيلائه علي الامبراطورية وقتله (فوكاس) - من إيقاف طوفان الفرس. . فضاع من الروم كل ما ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة وجنوبيها. لم يعد العلم الصليبي يرفرف علي العراق والشام وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى ، بل علتها راية الفرس: (درفش كاوياني) ! ! وتقلصت الامبراطورية الرومانية في عاصمتها ، وسدت جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس ؛ وعم القحط ؛ وفشت الأمراض الوبائية ؛ ولم يبق من الإمبراطورية غير جذور شجرها العملاق. وكان الشعب في العاصمة خائفا يترقب ضرب الفرس للعاصمة ، ودخولهم فيها ؛ وترتب علي ذلك أن أغلقت جميع الأسواق ، وكسدت التجارة ، وتحولت معاهد العلم والثقافة إلي مقابر موحشة مهجورة.
وبدأ عباد النار يستبدون بالرعايا الروم للقضاء علي المسيحية. . فبدءوا يسخرون علانية من الشعائر الدينية المقدسة ، ودمروا الكنائس ، وأراقوا دماء ما يقرب من100,000من المسبحين المسالمين وأقاموا بيوت عبادة النار في كل مكان وأرغموا الناس علي عبادة الشمس والنار واغتصبوا الصليب المقدس وأرسلوه إلي (المدائن) .
ويقول المؤرخ (جبن) في المجلد الخامس من كتابه:
(ولو كانت نوايا(كسري) طيبة في حقيقة الأمر لكان اصطلح مع الروم بعد قتلهم (فوكاس) ولاستقبل (هرقل) كخير صديق أخذ بثأر حليفه وصاحب نعمته (موريس) ، بأحسن طريقة ؛ ولكنه أبان عن نواياه الحقيقية عندما قرر مواصلة الحرب.) (146)
ويمكن قياس الهوة الكبرى التي حدثت بين الروم والفرس من خطاب وجهه (كسري) إلي (هرقل) من بيت المقدس قائلا:
(من لدن الإله كسري الذي هو أكبر الآلهة وملك الأرض كلها ، إلي عبده اللئيم الغافل: هرقل: إنك تقول: إنك تثق في إلهك! فلماذا لا ينقذ إلهك القدس من يدي؟ !) .
واستبد اليأس والقنوط بهرقل من هذه الأحوال السيئة وقرر العودة إلي قصره الواقع في (قرطاجنة) علي الساحل الإفريقي. . فلم يعد يهمه أن يدافع عن الامبراطورية ، بل كان شغله الشاغل إنقاذ نفسه. وأرسلت السفن الملكية إلي البحر ، وخرج (هرقل) في طريقه ليستقل إحدي هذه السفن إلي منفاه الاختياري.
وفي هذه الساعة الحرجة تحايل كبير أساقفة الروم باسم الدين والمسيح ، ونجح في إقناع (هرقل) بالبقاء وذهب (هرقل) مع الأسقف إلي قربان (سانت صوفيا) يعاهد الله تعالي علي أنه لن يعيش أو يموت إلا مع الشعب الذي اختاره الله له.
وبإشارة من الجنرال الإيراني سين (Sain) أرسل (هرقل) سفيرا إلي 0كسري) طالبا منه الصلح ؛ ولكن لم يكد القاصد الرومي يصل إلي القصر ، حني صاح (كسري) في غضب شديد: (لا أريد هذا القاصد! وإنما أريد(هرقل) مكبلا بالأغلال تحت عرشي ؛ ولن أصالح (الرومي) حني يهجر إلهه الصليبي ويعبد الشمس إلهتنا1) (147) .
وبعد مضي ستة أعوام علي الحرب ، رضي الإمبراطور الإيراني أن يصالح (هرقل) علي شروط معينة هي أن يدفع ملك الروم:
(ألف تالنت(148) من الذهب ، وألف تالنت من الفضة ، وألف ثوب (149) من الحرير ، وألف جواد ، وألف فتاة عذراء).
ويصف (جبن) هذه الشروط بأنها (مخزية) دون شك ، وكان من الممكن أن يقبلها (هرقل) ، لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفعها من المملكة المنهوبة ، والمحدودة الأرجاء ، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثروة كمحاولة أخيرة ضد أعدائه.