فهرس الكتاب

الصفحة 880 من 3028

12-العدوان على الحياة والإدمان البنيوي: ومن آفات الحداثة إباحة الإجهاض وقتل الجنين غير المرغوب فيه، ومن أثارها الإدمان والكحول و المخدرات، والإدمان ليس مرتبطًا بالمخدرات والخمر، وإنما يصل إلى الإدمان على التكنولوجيا والاستهلاك وشراء الحديث، بما يذكرنا بكتاب هربرت ماركوز المتميز"الإنسان ذو البعد الواحد".

يقول هوفمان:"يطغى ضجيج الإدمان على صوت الضمير الذي قد يذكر الإنسان المعاصر بمصيره الحق، وهو معرفة الله، والدخول تحت عباءة الخضوع له. تعطي أنواع الإدمان معنى زائفًا للحياة، وتبدو على هيئة حلول، بينما هي في الحقيقة تمثل المشكلة الجوهرية.. إنها تحرم الإنسان من الصمت الوجودي والتركيز الذي يحتاج إليه من أجل إقامة الروابط السامية".

الفكر الإسلامي و العولمة

في حوار سابق مع زكي ميلاد حول أحداث أيلول وأثارها على الفكر الإسلامي، قال: إن على الفكر الإسلامي اليوم أن يعيد بناء رؤيته الشمولية للكون وللمفاهيم الكبرى، ويصوغ من جديد استراتيجية الخروج من النفق الحضاري الذي وصلنا إليه.

و يرى الفضل شلق في مقالة له - في مجلة الاجتهاد - أن الهوية الحضارية ليست دورانًا حول الذات، وإنما عملية دؤوبة نحو تحقيق الذات من خلال النمو والتنمية، وعندها ستصبح الهوية الحضارية منجزًا وليس عائقًا.

وبالتالي؛ فإن الفكر الإسلامي في عصر العولمة مسؤول مسؤولية مباشرة عن طرح الرؤية الاجتهادية الإسلامية في التنمية والنهضة والتقدم، وإدارة الصراع الفكري ليكون جدلًا محركًا ومفعلًا لطاقات الأمة وليس كابحًا لها.

والسؤال الذي يجب على الفكر الإسلامي أن يجيب عنه: كيف نسير في مساق التنمية، وننهض انطلاقًا من روح الإسلام ومقاصده العامة؟، كيف نفقه المشروع الحضاري الإسلامي؛ ليكون طرحًا تنويريًا منفتحًا متقدمًا يمتلك أدوات الموائمة والتوفيق بين مصادر التنظير الإسلامي الوحي و العقل والحس؟ ..

الخليج ليس نفطًا

إبراهيم غرايبة 9/9/1424

لعل هذه العبارة عالقة في ذهني من كتاب قرأته قبل عشرين سنة للدكتور (محمد الرميحي) ، أو من محاضرة للدكتور (غازي القصيبي) في أوائل الثمانينيات، ولكنها عادت تعاودني بإلحاح بعد كتاب الدكتور (فهد بن عبد الرحمن آل ثان) "استراتيجية التنمية في دول الخليج"، هذا بالإضافة بالطبع إلى ما يلاحظه المعايش للأحداث من تحولات اجتماعية واقتصادية تدعو إلى المراجعة والحوار في المسار الذي آلت إليه الدول والمجتمعات في الخليج والوطن العربي بعد تحولات النفط وتقلباته. ففي الأردن على سبيل المثال كانت تحويلات المواطنين المالية من الخارج عام 1973 لاتتجاوز سبعة ملايين دولار، وهي اليوم تزيد على الألفي مليون معظمها بالطبع من دول الخليج.

وعندما يقدم أحد أبناء الأسر الحاكمة في الخليج طروحات وأفكارًا جريئة وعلى مستوى متقدم من الصراحة والنقد الذاتي، والانتماء إلى الهموم الخليجية والعربية، والانحياز إلى الناس العاديين ومطالبهم واحتياجاتهم الحقيقية؛ فإن ذلك يشجع مثلي على طرح مسألة كان يظن أنها محرجة ومزعجة.

يذكر د. فهد آل ثاني أن النظام الإقليمي لدول مجلس التعاون الخليجي يعاني من إخفاقات متعددة في المجالات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية، والثقافية، والتكنولوجية، ومن مؤشرات هذا الإخفاق: اختلال البنية الإنتاجية نتيجة ضعف أداء النمو الاقتصادي، وانخفاض الإنتاجية الزراعية والصناعية، واختلال التوازن بين قطاعات الإنتاج السلعي وبين قطاعات التوزيع والخدمات لصالح الأخيرة، واختلال الأمن الغذائي والمائي، واعتماد دول الخليج أساسًا على النفط، والأسواق الخارجية لسد الحاجات الاستهلاكية والاستثمارية، والخلل بين الوضع الراهن للعمالة الوطنية والطاقات التي تتطلبها احتياجات العمل مما يجعلها تعتمد على العمالة الأجنبية، وما يترتب على ذلك من اختلال سكاني ومخاوف أمنية، وتعرض المنتجات الوطنية لمنافسة وهيمنة الشركات الأجنبية.

لقد تحولت دول الخليج بسرعة من دول فقيرة يعتمد اقتصادها على الصيد والرعي والنقل البحري المحدود إلى دول غنية، ولكن هذا الوفر المالي ما زال مستمدًا من تصدير البترول الخام الذي يشكل 80% من الإيرادات الخليجية، وتعاني الدول الخليجية من تبعية كبيرة في التقنية، وهي دول مستوردة للسلع المنتجة، والتقنية، وتعتمد على الاقتصاد الريعي، ولم تتحول إلى دول ذات إنتاج اقتصادي سلعي وخدمي. وبسبب التشابه في الموارد، وعدم التنسيق بين الدول؛ فإنها تتنافس فيما بينها، مما يجعلها هدفا ً سهلًا لابتزاز القوى الاقتصادية العالمية؛ فالبترول الخام فرضت عليه ضرائب تجعل حصة دول الخليج من ريعه تتدنى إلى خمس التكلفة التي يسوق بها في بعض الدول الصناعية، وفرضت أيضًا ضريبة على الصناعات التحويلية لم تفرض على السلع المستوردة من أمريكا اللاتينية، وجمدت الأجور تقريبًا منذ عشرين سنة بسبب الاضطرابات التي شهدتها سوق النفط، والانكماش الاقتصادي، والعمالة الخليجية ما زالت مساهمتها في التنمية هامشية ومحدودة.

واستطاعت دول الخليج أيضًا أن تحقق رفاهًا لمواطنيها، وتوفر الخدمات والاحتياجات الأساسية كالتعليم، والصحة، والطرق، والمرافق العامة بعدما كانت معدومة أو متخلفة، ونشأت دول حديثة ومدن هائلة.

هذا التحول وما رافقه من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية وتداعيات أمنية وإقليمية كون خريطة معقدة تربك مشروعات وبرامج التنمية.

ومن ملامح هذه الخريطة: حداثة النشأة، ونمو مدن خليجية هائلة بعيدة عن المواصفات الإنشائية للأقاليم الصحراوية، وبروز ظاهرة دولة المدينة، وارتفاع معدل التحضر، والبروز الواضح والصريح لمدينة القبيلة، وتشابه الخليجيين في تنظيم ثروتهم على أساس تأميم البترول وتسييسه والتنافس في تصديره واستخدامه ورقة أمنية، ويشترك الخليجيون في طابع استهلاكي لا يوجد له مثيل في العالم، وأصبح ذلك جزءًا من الشخصية وليس مؤشرًا لارتفاع الدخل، والتعليم، والحراك القبلي، والبيئة. وقد أدت تفاعلات هذه المحاور إلى نتائج متشابكة؛ منها: الغزو السكاني، والتذبذب في الدخل الفردي، واستنزاف الخزان المائي الجوفي، والتلوث، وتدمير الثروات البحرية، وخضوع الصناعة الهايدروكربونية لتقلبات السوق، والتنافس غير الصحي بدل التنسيق التاريخي الذي كان سائدًا، وغياب الاستراتيجية المشتركة، والخلافات الحدودية.

ولتعميق مفهوم التنمية يقترح د. آل ثاني وضع المعاني الاستراتيجية لتركيب البنيان الخليجي من خلال: الدولة، والمدينة، والقبيلة، والشعب، والسلطة، والثروة.

والتنمية الزراعية في الخليج يجب النظر إليها على أساس الملاءمة للصحراء، فتكون موجهة للأعلاف والنخيل، وتربية الحيوانات والدواجن، ولكن الموارد البحرية مهمة جدًا، ويمكن التوسع في إنتاج الأسماك، وتطوير قطاع السياحة، وتقطير المياه.

يقدر عدد السكان في الخليج بحوالي 27 مليون نسمة، يشكل الأجانب أكثر من نصفهم (حوالي 15 مليونًا) وقد وصلت نسبة المغتربين في بعض الدول الخليجية إلى80% وتتراوح نسبة العمالة بين 70% و90% ، ومعظم العمالة من دول جنوب شرق وجنوب آسيا، ولم يستفد المخططون للقطاعات التعليمية والفنية من الإمكانات المتاحة لتنظيم التعليم كمًا ونوعًا، لكي يجعلوا المواطن الخليجي مشاركًا في جميع القطاعات التنموية المحلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت