فهرس الكتاب

الصفحة 2567 من 3028

الدكتور عبد العظيم محمود الديب

0 ولد في إحدى قرى مصر بمحافظة الغربية سنة 1929م.

· حفظ القرآن الكريم بكتاب القرية، ثم أتم تعليمه

بالأزهر، وكلية دار العلوم - جامعة القاهرة.

· وجه جل اهتمامه لدراسة التراث الإسلامي، الذي يرى أنه

هو الأساس الذي لا أساس سواء لبناء ثقافتنا.

· له العديد من المؤلفات والبحوث في مختلف جوانب

الفكر الإسلامي.

· معني بمكتبة إمام الحرمين الجويني، وأخرج منها:

(البرهان) و (الغياثي) و (الدرة المضيئة) .

· يرى أن الشرط الأهم من الشروط الغائبة لنهضتنا، هو

إعادة قراءة التاريخ الإسلامي، والدراسة العلمية الواعية

لدّوْرتنا الحضارية.

· أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بكلية الشريعة -

جامعة قطر، ومدير مركز بحوث السيرة والسنة بها

بالنيابة.

تقديم بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل القرآن مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه، وبدأ الوحي بالكلمة: اقرأ، وجعل الجهاد الفكري، أو المجاهدة بالقرآن، وبناء الشوكة الفكرية هي أعلى أنواع الجهاد وأسماها، لأن الساحة الفكرية هي ميدان المعركة الحقيقي بين الإسلام وخصومه قال تعالى: (( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا ) ) [الفرقان:52] .

واعتبر الحوار والمناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن الطريق الأمثل لنشر الدعوة ونصرها، وتحقيق الاقتناع الذي يتشكل في الأعماق، فيولد الإيمان، الذي لا يمكن أن يفرض بالإكراه.

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي كانت سيرته وقيادته أنموذجًا لدولة الفكرة دولة الشورى السياسية، والعدالة الاجتماعية، والحرية الإنسانية، وكان كل مطلبه إيصال الفكرة وكلمة الحق:"خلوا بيني وبين الناس"، وكان كل جهد الكفار الحيلولة دون وصول كلمة الحق إلى آذانهم والشغب عليها، لأنها ستهزمهم:"وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون" [فصلت:16] . .

وبعد:

فهذا كتاب الأمة السابع والعشرون:"المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي"للدكتور عبد العظيم الديب، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية، والشؤون الدينية، بدولة قطر، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، وإعادة بناء الشخصية المسلمة، وترميم عالم الأفكار، وتنقية الموارد الثقافية، وامتلاك القدرة على الاجتهاد، وإيجاد الأوعية الفكرية لحركة الأمة، وتنزيل الإسلام على واقع الناس، وتقويم سلوكهم به، بعد أن افتقدت تلك الشخصية الكثير من فعاليتها، ومنهجيتها، وصوابها، وانحسر شهودها الحضاري، وعجزت عن التعامل مع قيم الكتاب والسنة، وانتهت إلى التقليد الجماعي، والتخاذل الفكري، سواءً أكان هذا التقليد في الهروب إلى ملاجئ التراث الذي لا يخرج في النهاية عن أن يكون اجتهادات بشرية قابلة للخطأ والصواب، على أحسن الأحوال، جاء ثمرة لمشكلات العصر الذي نشأت فيه - كنوع من التعويض عن مركب النقص، وحماية الذات، وأخذ جرعات من الاعتزاز والفخر بالتاريخ وإنجاز الأجداد، أم كان باللجوء إلى استيراد البديل الأسهل من الخارج الإسلامي، ومحاولة إيجاد الحلول في أوعية الآخرين الفكرية.

ولا شك أن الاستشراق كان ولا يزال يشكل الجذور الحقيقية، التي تقدم المدد للتنصير والاستعمار، والعمالة الثقافية، ويغذي عملية الصراع الفكري، ويشكل المناخ الملائم لفرض السيطرة الاستعمارية على الشرق الإسلامي، وإخضاع شعوبه، فالاستشراق هو المنجم، والمصنع الفكري، الذي يمد المنصرين والمستعمرين، وأدوات الغزو الفكري، بالمواد التي يسوقونها في العالم الإسلامي، لتحطيم عقيدته، وتخريب عالم أفكاره، والقضاء على شخصية الحضارة التاريخية.

لقد تطورت الوسائل، وتعددت طرق المواجهة الثقافية الحديثة، ويكفي أن نشير إلى أن مراكز البحوث والدراسات، سواءً أكانت مستقلة، أم أقسامًا للدراسات الشرقية في الجامعات العلمية، وما يوضع تحت تصرفها من الإمكانات المادية، أو المبتكرات العلمية، والاختصاصات الدراسية، تمثل الصور الأحدث في تطور الاستشراق، حيث تمكّن أصحاب القرار من الاطلاع والرصد لما يجري في العالم يوميًا.

ففي القارة الأمريكية وحدها حوالي عشرة آلاف مركز للبحوث والدراسات، القسم الكبير منها متخصص بشؤون العالم الإسلامي. . وظيفة هذه المراكز: تتبع ورصد كل ما يجري في العالم ومن ثم دراسته وتحليله، مقارنًا مع أصوله التراثية التاريخية، ومنابعه العقائدية، ثم مناقشة ذلك مع صانعي القرار، لتبنى على أساسه الخطط وتوضع الاستراتيجيات الثقافية والسياسية، وتحدد وسائل التنفيذ.

لقد أصبح كل شيء خاضعًا للدراسة والتحليل، ولعل المختبرات التي تخضع لها القضايا الفكرية والثقافية، وجميع الدراسات الإنسانية اليوم، توازي المختبرات التي تخضع لها العلوم التجريبية، إن لم تكن أكثر دقة واهتمامًا، حيث لم يعد مجال للكسالى والنيام، والمتخاذلين والأغبياء في عالم المجدين الأذكياء.

لقد اكتفينا نحن مسلمي اليوم بمواقف الرفض والإدانة، للاستشراق والتنصير، اكتفينا بالانتصار، والانحياز العاطفي للإسلام، وخطبنا كثيرًا وانفعلنا أكثر، ولم تعْلُ إلا أصواتنا، ولا نزال نحذر من الغارة على العالم الإسلامي، القادمة من الشرق والغرب، ومن المخططات الصهيونية الماكرة والصليبية الحاقدة، لقد أصبح ذلك يشكل عندنا مناخًا ثقافيًا، وإرثًا فكريًا، وطريقًا أمثل للوصول إلى المناصب والزعامات، دون أن تكون عندنا القدرة على إنضاج بحث ذي قيمة في الموضوع، أو إيجاد خطة أو وسيلة مدروسة في المواجهة، أو محاولة جادة لتقديم البديل الصحيح للسيل الفكري والثقافي، والإعلامي، والأكاديمي، القادم من هناك، إلا من رحم الله من جهود فردية تمثل إضاءات، كما أنها تمثل في الوقت نفسه إدانات لهذا الفراغ، والادعاء، والعجز، والتخاذل الفكري.

إننا لا نزال في مرحلة العجز عن تمثل تراثنا بشكل صحيح، ومن ثم القدرة على غربلته وفحصه، والإفادة من العقلية المنهجية، التي أنتجته، والقدرة على إنتاج فكري معاصر يوازيه، من خلال الاهتداء بالقيم المحفوظة في الكتاب والسنة، حيث لا يزال بعضنا يصر حتى اليوم على نقل القدسية من الكتاب والسنة المعصومين، إلى أقوال واجتهادات البشر الفقهية والفكرية، وفعلهم التاريخي، وبذلك يلغي عقله تمامًا، ويسقط في فخاخ التقليد الجماعي، ويقف أمام هذا التراث للتبرك والمفاخرة، دون أن تكون لديه القدرة على العودة إلى الينابيع التي استمد منها، فينتج تراثًا معاصرًا، قادرًا على قراءة مشكلات العصر، وتقديم الحلول الشرعية لحركة الحياة، ويفكر بوسائل تنزيل الإسلام على الواقع وتقويم الواقع به.

والمظهر الآخر للعجز نفسه يتمثل في فريق آخر، يحاول القفز من فوق الفهوم السابقة، والتراث الفقهي والفكري، ضاربًا عرض الحائط هكذا بحكم عام، وعامي في الوقت نفسه، بكل الإنتاج الفكري، والحضاري الإسلامي، بدعوى التناول المباشر من الكتاب والسنة، دون امتلاك القدرة على ذلك. فكيف يمكننا - وهذا موقعنا وواقعنا - أن نمتلك الشوكة الفكرية، التي تمكننا من النزول إلى معركة الصراع الحضاري الفكري، ونأمل أن نحقق فيها انتصارات للإسلام والمسلمين؟

وقد نلاحظ هنا أن الكثير منا لا يزال مولعًا بالمعارك القديمة، التي انتهت بأصحابها وأهدافها وأسلحتها وزمانها، ومع ذلك فهو يصر على دخول المعركة المنتهية، ويستنزف طاقاته، وطاقات من يستمعون إليه فيها، ويحاول أن يحقق انتصارات في الفراغ، بعد أن تطورت المعركة، وتطورت أسلحتها، وتغير أشخاصها، وتبدلت ساحاتها، وبلغت أبعادًا وأمداء تفعل فينا فعلها، لكننا سوف لا ننتبه إليها إلا بعد فوات الأوان، ولا ندخل ساحتها إلا بعد أن تكون قد أدت أغراضها، وحققت أهدافها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت