لقد دخلنا المعارك القديمة، ولا نزال ندخلها، وننشغل بها، على حساب الحاضر وما يدور فيه، والمستقبل وما يخطط له، ويمكننا هنا أن نقول: بأننا سوّقنا لأفكار المستشرقين عن حسن نية، وعملقنا أشخاصهم، دون حسابات دقيقة للآثار السلبية على أكثر من صعيد، لما يترتب على ذلك، وكأننا لكثرة ما نبدي ونعيد في هذه الموضوعات، ونكتب ونخطب، نوحي أننا ما زلنا دون مرحلة النصر، أو على أحسن الأحوال، لانزال نعاني من آثار الهزيمة الفكرية التي تعيش في أعماقنا، إلى جانب ما يمكن أن تورثه تلك المعارك من قدرة الخصم على التحكم بمسار تفكيرنا، ونشاطنا العقلي، لأنه يكفي أن يلقي إلينا ببعض التشكيكات، ليستثيرنا ويحول جهودنا وطاقاتنا إلى تلك المواقع الدفاعية، فينفرد هو بالتخطيط لتحقيق أهدافه، وكلما حاولنا أن ننتبه، ينتقل بنا من مشكلة إلى أخرى. فنبقى دائمًا في مجال رد الفعل، ونعجز دائمًا عن الفعل، ذلك أن رد الفعل يملكنا، بينما نحن الذين نملك الفعل.. وسوف تبقى هذه المواقف الدفاعية، والأفكار الدفاعية، على حساب البناء الداخلي، والإنجاز الأهم. ونحن هنا لا نقول: بأن الدفاعات غير مطلوبة، والحراسات لا قيمة لها، وإنما الذي نريد أن نوضحه: أنها عند الأمم التي تبصر مهامها تمامًا، وتدرك مشكلاتها حقيقة، تقدر بقدرها.
ولنا في منهج القرآن خير دليل. . فلو أن القرآن الكريم استجاب لكل تمحلات الكافرين وشكوكهم وشبههم، لكانت آياته جميعها تمثل رد الفعل، والاستجابة لطلبات الكافرين، ولما تفرغ لبناء أمة، وإنجاز حضارة. . والذي نلمحه من منهج القرآن في ذلك، أنه طرح من الحقائق والأدلة ما يكفي لمن يريد الاستدلال، والذي لا يستدل بما طرحه من آيات وأدلة، فلن يستدل، فالمشكلة لم تعد في الدليل، وإنما بعناد المستدل الذي لا بد من تجاوزه، إلى مرحلة البناء المرصوص، بحيث لا يوجد بعد ذلك مداخل وفراغات يملؤها الأعداء.
ومن جانب آخر، فلعل الأساليب الدفاعية، أو الأفكار الدفاعية تشكل نوعًا من الراحة النفسية، لأنها في النهاية تعني فيما تعني إعفاء النفس من المسؤولية وإيجاد الذريعة لها عن عملية البناء، والواجب الحضاري المطلوب والغائب.
فإذا كان الكثير منا، على مستوى الأفراد، والمعاهد، والمؤسسات الأكاديمية، لا يزال يعيش على مائدة المستشرقين، لفقر المكتبة الإسلامية للكثير من الموضوعات التي سبقنا إليها في مراحل السبات العميق، وإذا كان مناهج النقد والتحليل، وقواعد التحقيق، ووسائل قراءة المخطوطات، من ابتكارهم، ووضعهم، فلا بد أن يصدق فينا قوله تعالى: (( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) ) [إبراهيم:22] إلى حد بعيد.
وإذا تجاوزنا جهود علمائنا الأقدمين، في تدوين السنة من خلال وسائل عصرهم، وتأسيس ضوابط النقل الثقافي، وقواعد الجرح والتعديل، وتأصيل علم مصطلح الحديث، الذي حفظ لنا السنة، والذي كان من عطاء منهج القرآن في الحفظ والتدويل للوحي، فإننا لا نكاد نرى اليوم فيما وراء الشرح والاختصار، سوى النقل لجهود السابقين من الخطوط اليدوية إلى حروف الطباعة. فقد اقتصر عمل معظم المشتغلين بالحديث والسنة عندنا على تحقيق بعض الأحاديث تضعيفًا وتقوية، لإثبات حكم فقهي أو إبطاله، أو إثبات سنة، في مواجهة بدعة، وهذا العمل على أهميته وضرورته يبقى جهدًا فكريًا فرديًا دون سوية البعد المطلوب، الذي يمكّن من الانتفاع بكنوز الميراث الثقافي.
والذي ينظر اليوم إلى دوائر المعارف، والموسوعات التي شكلت لإنجاز الفقه الإسلامي بشكل عصري، يمكّن من الإفادة منه، أو إلى مراكز بحوث السيرة والسنة، في أكثر من بلد إسلامي، وما وضع تحت تصرفها من الإمكانات، ومضيّ السنين الطويلة وهي لا تزال دون إنجاز يذكر، في الوقت الذي نرى أنفسنا مضطرين إلى الرجوع والنظر في موسوعة المستشرقين"المعجم المفهرس لألفاظ الحديث"للتعرف على ما نريده، على الرغم من رأينا فيهم؛ يدرك خطورة التخاذل الفكري، وخطورة الادعاء والتفاخر، والفراغ الرهيب، الذي مكن المستشرقين وغيرهم من احتلال عقولنا واستلابنا الحضاري.
وليست مجامع اللغة العربية، التي تحبس نفسها اليوم في مجادلات عقيمة على حساب الإنتاج المطلوب في معركة التعريب والمعاجم، بأحسن حالًا من موسوعات الفقه، ومراكز السيرة والسنة. وحسبنا أن نقول: بأننا إلى اليوم لم ننتج معجمًا للغة، يناسب ابن العصر الحاضر من خلال تقدم وسائل الطباعة والفهرسة والألوان، ولا نزال إذا أردنا أن نفتش عن معنى لفظة نضطر لتجريدها إلى مادتها الأصلية، وتحديد الباب والفصل، ومن ثم الرجوع إلى المعجم، بعد هذه الرحلة المضنية، التي قد يعزف المثقف معها عن الرجوع إلى المعاجم، في الوقت الذي تطورت خدمة اللغات ووسائل تعليمها ومعاجمها، إلى درجة مذهلة، بل يمكن أن نقول: إننا كنا الأقدر على نقد المعاجم العربية التي وضعتها المؤسسات التبشيرية - مثل المنجد للأب لويس معلوف والأكثر عجزًا في وضع معجم مناسب، ولا يزال الكثير منا في المدرس والمعاهد يرجع إلى المنجد على كره منه حيث يفرض وجوده، لأنه الأيسر.
لقد نجحت العقلية الأوروبية الاستشراقية، في فرض شكليتها وآليتها على التحقيق، والتقويم، والنقد، والسيطرة على مصادر التراث العربي الإسلامي. . وعن طريق الاستشراق والمستشرقين، بادرت إلى التحقيق والطبع والنشر لمجموعة من أكبر وأهم المصادر التراثية. وعلى الرغم من أن بعض الدراسات كانت تقترب من صفة النزاهة والحياد، إلا أنها في النهاية، وبكل المقاييس تبقى مظهرًا من مظاهر الاحتواء الثقافي.
لقد نجحت العقلية الأوروبية - كما أسلفنا - في فرض شكلية معينة من التحقيق والتقويم ومناهج النقد، ويمكن القول: بأن معظم الكتابات العربية المعالجة للتراث، قد سارت على هذا النهج في التاريخ والأدب وغيره، ولم تتجاوزه إلا في القليل النادر، وانتهت إلى إيجاد ركائز عربية معبرة عنها، ومتبنية لوجهة نظرها، ومدافعة عن المواقع الثقافية التي احتلتها. . حتى في الجامعات، والمؤسسات العلمية، لا يزال الخضوع والاحتكام للقوالب الفكرية، التي اكتسبها بعض المثقفين العرب من الجامعات الأوروبية. لقد ارتهنوا للمنهج والمصدر في آن واحد.
صحيح أن الاستشراق خرج من المناخ الثقافي للاهوت الغربي بكل مكوناته، وتأسس واستمر ضمن إطار المناخ الاستعماري، وبدأ خطواته الأولى باتجاه العقل الأوروبي، ليحول بينه وبين اعتناق الإسلام، لذلك جاءت معظم الدراسات والكتابات باللغات الأوروبية، ولمخاطبة أبنائها، وجاء جل هذه الدراسات، إن لم نقل كلها، محكومة بدوافعها وأهدافها بعيدة عن التزام الموضوعية والعلمية، لأن التزام الموضوعية سوف يفوت غرضها، ذلك أن التزام الموضوعية، سيكون بلا شك في صالح الإسلام، بوصفه دين الله الحق، البعيد عن مواضعات البشر وأخطائهم وتأثراتهم.
وهنا قضية لا بد أن نتنبه لها، لأنها قد تغيب عن أذهان كثير منا، ممن يعرضون لموضوع الاستشراق بشكل خاص، أو القضايا الفكرية والثقافية بشكل عام، وهي أن الإنتاج الفكري - والاستشراق بعض منه - هو في الحقيقة يمثل الوليد الطبيعي والشرعي للثقافة التي تنتجه ويربى في مناخها، فالمفكر هو إلى حد بعيد رهين الثقافة التي ينشأ فيها، وليس وليدًا للموضوع المدروس، أو المطروح، باعتباره صاحب الحق الأول في الاهتمام والدراسة.