لذلك لا يستطيع أي مستشرق أن يتناول موضوعاته دون أن يخضع للقوالب والحدود الفكرية والعلمية، المفروضة عليه مسبقًا، بسبب من ثقافته التي يصعب عليه الانفلات منها.
لذلك قد يكون من الصعوبة بمكان وضع حدود فاصلة وواضحة بين الاستشراق، والتبشير، والاستعمار.
والذين يجهدون أنفسهم في التفريق، بين الاستشراق، والتبشير، والاستعمار، ليقيموا بذلك الجسور الثقافية الغربية إلى الداخل الإسلامي، كالذين حاولوا - ولا يزالون - إيجاد الفوارق، بين الصهيونية واليهودية، وكم تكون مأساتنا كبيرة إذا اكتشفنا أن هذا التفريق في النهاية ليس من اختراعنا واكتشافنا، وإنما هو من جملة الفخاخ الثقافية التي نقع فيها.
نعود إلى القول: بأن الاستشراق بدأ خطواته الأولى باتجاه العقل الأوروبي ليحول بينه وبين اعتناق الإسلام، فكانت الترجمات الأوروبية المبكرة للقرآن الكريم، والسيرة، ومن ثم بدأت الدراسات التاريخية والاجتماعية والتراثية بعامة، في المعاهد والجامعات والمراكز العلمية، التي أنشئت لتخريج القناصل والسفراء، والكتبة، والجواسيس ، لتأمين مصالح بلادهم، وتوفير المعلومات عن بلاد العالم الإسلامي، وإقامة مراكز لدراسة هذه المعلومات، وتحليلها، لتكون بمثابة دليل للاستعمار، في شعاب الشرق وأوديته، من أجل فرض السيطرة الاستعمارية عليه، وإخضاع شعوبه، وإذلالها، وارتهانها للثقافة الغربية، والوصول بها إلى مرحلة العمالة الثقافية.. لذلك، لم يقتصر الاستشراق على مخاطبة العقل الأوروبي، كما لم تقتصر كتابات المستشرقين ودراساتهم على حماية الأوروبي من اعتناق الدين الإسلامي، وإن كان ذلك هو الهدف الأول، وإنما تجاوزت إلى محاولة إلغاء النسق الفكري الإسلامي، ومحاولة تشكيل العقل المسلم، وفق النسق الغربي الأوروبي، وإنجاب تلامذة من أبناء العالم الإسلامي، لممارسة هذا الدور والتقدم باتجاه الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات، والإعلام، والتربية في العالم الإسلامي، لجعل الفكر الغربي والنسق الغربي هو المنهج، والمرجع، والمصدر، والكتاب، والمدرس في كثير من الأحيان.
لذلك نرى أن علماء الاجتماع، والنفس، والتربية، هم الذين يمثلون الصورة الأحدث للمستشرقين، في الوقت الذي يمارس فيه الخبراء الذين يُستوردون إلى عالمنا، التسويق الثقافي.. فالصورة التي ترسمها وسائل الإعلام اليوم، والقرارات التي يتخذها أصحاب السلطان، التي تخص العالم الإسلامي، هي من صناعة علماء الاجتماع وتسويق الخبراء.
لقد تطورت أهداف وأساليب الاستشراق تطورًا مذهلًا، وإن كان الكثير منا لا يزال مصرًا على المرابطة في المواقع القديمة والمحاربة في المعارك المنتهية، التي مضى عليها أكثر من نصف قرن على أحسن الأحوال، والخروج من الزمان والمكان. كذلك، فالقول بأن المستشرقين يكتبون لأبناء جلدتهم، إن صدق هذا، فإنه يصدق على مرحلة البدايات الاستشراقية التي ما نزال نقف عندها، أما تعميمه على كل إنتاج المستشرقين ففيه الكثير من المجازفة.
لقد اهتم المستشرقون بالتشكيل الثقافي للأمة المسلمة في ضوء رؤية معينة، وخطة مدروسة، لذلك ولجوا جميع الميادين، وحاولوا الوصول والتحكم بالموارد الثقافية كلها، وبحثوا ونقبوا وأثبتوا وجهة نظرهم، وتفسيرهم، في الكثير من القضايا المعرفية، إلى درجة يمكن معها القول: بأن الاستشراق استطاع أن يملي على الكثير منا وجهة نظره، في مجالات متعددة، بشكل أو بآخر، وإن كان مدى التأثير يختلف من شخص إلى آخر.
لقد كتبوا في الأدب، واللغة، والتاريخ، والثقافة، في محاولة لبناء الذهنية الإسلامية وفق النمط الغربي، من خلال المناهج ومصادر الدراسة، ومراجع البحوث، في الجامعات والمدارس، ومن خلال عملية الابتعاث والتلمذة على أيدي أساتذة الأقسام العربية والدراسات الشرقية، في الجامعات الأوروبية والأمريكية، لذلك نرى الكثير من المثقفين، لا يدركون أنفسهم إلا من خلال رؤية الآخرين، فلم يعد في وسع الكثير منهم أن يكتب عن التراث، والتاريخ، والأدب، دون الرجوع إلى كتابات المستشرقين، وأصبحت الموارد الفكرية الخارجية هي التي تصنع الثقافة الداخلية، أو أصبح الخارج هو الذي يتحكم بالداخل الإسلامي، بسبب من مركب النقص، وعقدة تفوق الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى الاستلاب الحضاري، وذلك بتسليط نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية الغربية، وصولًا إلى السيطرة الفكرية الكاملة.
ولما كان هذا الاستلاب يمكن أن يكون من المنبهات والاستفزازات الحضارية، خاصة بالنسبة لأمة تمتلك شخصية حضارية تاريخية، ولا تزال تحتفظ بخميرة الإمكان الحضاري، عدل المستشرقون بأساليبهم المتطورة، عن الطرح المباشر، إلى محاولة تحييد الإسلام عن واقع الحياة، والدعوة إلى العلمانية.
ولما اكتشف مدلول مصطلح العلمانية، وأنه كلمة حق أريد بها باطل، وأنها تعني فيما تعني: اللادينية، وإسقاط الأديان من البناء الحضاري والثقافي للأمة، كان لا بد من التفتيش عن البديل، فطرح مصطلح العقلنة والعقلانية، إذ كيف لا يقبل المصطلح والإسلام دين العقل!؟ ولما سقط، طرح فصل الدين عن الدولة، في العالم الإسلامي. . كان البديل جاهزًا أيضًا: إن المطلوب اليوم هو فصل الدين عن السياسة أو عدم تسييس الدين.
وللوصول إلى إعادة التشكيل الثقافي، وفق النمط الغربي، كان لا بد أيضًا من إلغاء عملية التواصل الفكري والثقافي بين الأجيال، ومحاولة فصل الحاضر عن الميراث الثقافي، وذلك بالتقليل من قيمته، والقيام بعملية التقطيع والتجزيء، أو قراءته بأبجدية النسق الغربي، وتفسيره تفسيرًا مذهبيًا، لا تفسيرًا منهجيًا من خلال قيمه التي صدر عنها، أو القيام بعملية الانتقاء من التراث الفكري، والأدبي، للمواضع التي تهز ثقة المسلم بتراثه، والاقتصار على إبراز النقاط السود، والتضخيم لحركات الرفض والخروج، والعناية بفكرها وطروحاتها، أو بمحاولة محاصرة اللغة العربية، التي تعتبر من أهم أدوات التوصيل والنقل التراثي، وذلك بتسييد العامية، والتشجيع عليها، إلى درجة الكتابة بها، وإلغاء الحرف العربي من لغات شعوب العالم الإسلامي، الذي يشكل حلقة التواصل الأساسية مع الموروث الثقافي والحضاري، لقطع الجيل عن ماضيه، وعزل اللغة العربية عن المعاهد، والمدارس، والجامعات، وتدريس العلوم باللغات الأوروبية، في محاولة ماكرة للتفريق بين لغة العلم - وهي طبعًا الأوروبية لأنها لغة المنجزات العلمية الحديثة في الهندسة، والطب، والعلوم، والحاسبات الإلكترونية، فالكتب المدرسية والمصادر والمراجع لا تتحقق إلا بها! - وبين لغة الدين، وهي العربية التي يجب أن تحاصر في المساجد والمعابد وأداء المناسك والشعائر! وترسيب القناعة بأن العربية هي من أسباب التخلف العلمي في العالم الإسلامي، وحتى تتم التنمية ويحصل النهوض لا بد من لغة للمعهد، هي الأوروبية، وأخرى للمعبد، وهي العربية، وبذلك تكون الأوروبية لغة العلم، وتنتهي العربية إلى ألفاظ عبادية نفتقد معانيها شيئا فشيئًا، لقلة الاستعمال، وتنزوي في المعابد، شأنها شأن اللغات القديمة كالسريانية وغيرها، التي اقتصرت في نهاية المطاف على رجال الدين وبعض زوار المعابد الذين يرددونها بلا فهم ولا إدراك. والمشكلة أن هذه المحاولة الماكرة بدأت تتسرب إلى رأس كثير من الذين يشغلون مناصب مؤثرة في صنع القرار التربوي، والسياسي، في العالم الإسلامي. ولعلها في مغرب العالم الإسلامي أكثر وضوحًا وبروزًا منها في مشرقه.