فهرس الكتاب

الصفحة 2570 من 3028

وأكتفي في هذا المجال بالإشارة إلى أسبوع المحاضرات الذي نظمه المستشرقون المقيمون في تونس في معهد قرطاج التبشيري منذ سنة 1907م، وأصدروا فيه بيان موت اللغة العربية، والذي أعلن أن الشعوب المغربية لا يمكن لها أن تحقق التقدم، إلا من خلال تخليها عن اللغة العربية، واعتناق الفرنسية، كوسيلة للثقافة والحضارة والعلم. هذا من جانب ومن جانب آخر نرى المحاولات المستميتة لإحياء اللهجات واللغات القديمة، التي توشك على الانقراض، ومحاولة إحلالها محل العربية، وإقامة كراسي في الجامعات والمعاهد الأوروبية لإحيائها، وتقديم رسائل الماجستير والدكتوراه في دراساتها، ومحاولة وضع معاجم لها، ولعل قسم دراسات اللغة البربرية الذي أقامته فرنسا في السوربون مؤخرًا خير شاهد لذلك، فالعربية لا تصلح لغة العلم، أما اللغات المنقرضة التي تم إحياؤها لمحاربة العربية وإثارة النعرات الإقليمية، التي تمزق عالم المسلمين، فتقام لها المراكز وتؤسس لها المعاهد، وتوضع لها المعاجم!

يضاف إلى ذلك تشجيع النماذج والأعمال الفكرية التي تسير وفق النمط الغربي، أو تحاكي مناهج الغرب، وتغادر أصولها المنهجية، ونسقها الثقافي، باسم الحداثة والتجديد، والتخلص من قواعد اللغة، التي تحبس انطلاق المعاني، وعمود الشعر التقليدي الذي يحول دون الدفقة الشعورية، والترويج لأصحاب هذا اللون من الإنتاج الفكري، واعتبارهم طلائع التحرر والتقدم والتنوير.

والحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها، أن إنتاج المستشرقين الذي يملأ الساحة الفكرية والأكاديمية اليوم، ويشكل المرجع والمصدر والمنهج، جاء ثمرة لغيابنا العلمي، وتخاذلنا الثقافي، ومواجهتنا العابثة التي لم تكلفنا شيئًا. . اكتفينا بالجلد، والإدانة، والتفاخر، والتعالي بالأصوات، والخطب الحماسية، بينما انصرف المستشرقون للإنجاز والإنتاج، والتصنيع الفكري، والتسويق في بلادنا الخالية من إنتاجنا. . فنحن نحاول أن نغطي عجزنا بإلقاء التبعة على الآخرين، وبقيت أنظارنا موجهة إلى الخارج، دون أن ننظر، ولو مرة واحدة، إلى الداخل الذي استدعى ذلك الخارج ومكن له.

لقد نشر المستشرقون، وحققوا عددًا ضخمًا من المؤلفات العربية، لا تزال مرجعًا للباحثين والدارسين من الأوروبيين، والعرب أنفسهم.. ولم يكتفوا بالتحقيق والنشر لأمهات الكتب، في السيرة، والتاريخ، وعلوم القرآن، والتراجم، والملل والنحل، والنحو، والتفسير، بل تجاوزوا ذلك إلى التأليف في الدراسات العربية والإسلامية، حتى بلغ عدد ما ألفوه في قرن ونصف - منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين - ستين ألف كتاب في التاريخ والشريعة، والفلسفة، والتصوف، وتاريخ الأدب، واللغة العربية.

ولا يزال تاريخ الأدب العربي"لكارل بروكلمان"، مرجعًا لا يستغني عنه أي باحث في الدراسات العربية والإسلامية!

ولا يقتصر هذا الكتاب على الأدب العربي، وفقه اللغة، بل يشمل كل ما كُتب باللغة العربية، من المدونات الإسلامية، فهو سجل للمصنفات العربية، المخطوط منها والمطبوع. وقد عمل به المؤلف نصف قرن تقريبا.

ولا بد أن نشير هنا أيضًا إلى الأطلس الجغرافي التاريخي، للشرقين الأدنى والأوسط، الذي هو قيد الإعداد الآن، ويتوفر على إنجازه مجموعة من المستشرقين في ألمانيا الاتحادية، ويشمل الأقطار الممتدة من السودان غربًا، إلى أفغانستان شرقًا، ومن جنوب بلاد العرب، إلى البحر الأسود في الشمال، وخرائطه لا تتناول المواضع الجغرافية والتاريخية بالمعنى التقليدي، بل تتجاوز إلى مواضع لم يسبق لأحد أن تناولها في الأطالس، مثل: المدارس الفقهية، والفتن السياسية، وبعض مظاهر الاتصال، وأماكن العبادة، وتوزيع السكان.. وسوف ينتهي في أواسط التسعينيات.

ولا يتسع المجال في هذه العجالة، للتفصيل، في مجال الدراسات المتعددة الأخرى، والمعاجم، والترجمات، من العربية إلى اللغات الأوروبية. . فماذا فعلنا نحن إذا ما قيس إنتاجنا لتراثنا بإنتاجهم لتراثنا!؟ إننا مازلنا نستغرق طاقاتنا كلها في التهجم على الآخرين دون إنتاج مقدور.

ويضاف إلى ذلك: إصدار أكثر من خمسمائة مجلة تتعلق بالاستشراق، وثلاثمائة أخرى متخصصة به، إلى جانب ذلك العدد الهائل من الكتب والأبحاث، والدراسات، والمقالات، التي تصب على رأس أبناء المسلمين، سواءً عن طريق الترجمة، أو التمدرس على اللغات الأصلية للمستشرقين، وفي مؤسساتهم، ومعاهدهم، أو ما يمكن أن يتم عن طريق الابتعاث العشوائي، غير المخطط، أو المبرمج، من عمليات التأثير والنقل الثقافي، وإيجاد المعابر والجسور للوصول إلى المعاهد، والجامعات، والمناصب المؤثرة في العالم الإسلامي، ووقوعه في دائرة التحكم والاحتواء الثقافي.

ونحن هنا في العالم الإسلامي لا نقتصر على الابتعاث العشوائي إلى جامعات ومعاهد الغرب، بدون أن نزود الطالب بدليل فكري، ومقياس ثقافي لكيفية التعامل مع ثقافة الغرب، وإنتاجه الفكري، بل نصر على تكريس حالة التخلف، والتخاذل الثقافي، أمام الآخرين. وبدل أن نقيم ندوات ومؤتمرات تُطرح من خلالها مشكلات المبتعثين العلمية، والفكرية، والثقافية، ونكون على إدراك مسبق بما تقدمه مراكز البحوث والدراسات والجامعات، ومراكز الإعلام هناك، ونفتش له على المتخصصين، القادرين على معالجته، ومناقشته مع الطلبة، والمبتعثين، وتبصيرهم بدوافعه، وأهدافه، ومنطلقاته، وأغواره، وكيفية التعامل معه، وكيفية الإفادة من إيجابياته؛ نقيم مؤتمرات لاتحادات الطلبة، ونحمل إليها مشكلاتنا، وقضايانا، وخلافاتنا في العالم الإسلامي، وإن لم توجد خلافات معاصرة، نستنجد بالتاريخ ليمدنا بمشكلات فكرية، وعقيدية، مضت بخيرها وشرها، وقد لا يكون الطلبة سمعوا بها من قبل، فنصبها فوق رؤوسهم، لنمزق وحدتهم ونكرس خصوماتهم، ونفرق جمعهم، ونحضّرهم، شئنا أم أبينا، ليكونوا ضحايا الاستشراق والغزو الثقافي.

والذي يراجع قوائم الخطباء، والمتحدثين، في تلك المؤتمرات من سنوات، يراهم هم أنفسهم، يصلحون لكل المناسبات، وكل الموضوعات، وكل المواسم، وقد لا يرى بجوار ذلك، ندوة متخصصة بحاجات المبتعثين الأصلية، ونوعية دراساتهم، واهتماماتهم، والمستقبل الذي نعدهم له، ونطلبه منهم، إلا ما رحم الله.

فمتى نرتقي بندواتنا ومؤتمراتنا، ونبصر الساحة الثقافية والفكرية، التي يخضع لها هؤلاء الطلبة، ونرسل لهم المتخصصين في العالم الإسلامي، يلتقون بهم ويعالجون قضاياهم العلمية والثقافية؟ فذلك أجدى من أن يبقى كياننا الفكري قائمًا على مهاجمة الآخرين، دون أن نقدم البديل، وفي تلك الحال سوف ينتهي هجومنا إلى مصلحة الآخرين.

وهنا قضية قد يكون من المفيد أن نعرض لها، ونحن بسبيل الكلام عن بعض ملامح التحكم الفكري، والاحتواء الثقافي، الذي يمارسه الاستشراق، في المعاهد والجامعات، والأطر الأكاديمية، والغزو الفكري، في نطاق الإعلام والتشكيل الثقافي، وهي قضية اللغة بشكل عام.

فمما لا شك فيه أن اللغة أمر كسبي، بمقدور كل إنسان أن يتعلمها ويبدع فيها، والواقع يؤيد ذلك، ويؤكده، على مستوى اللغات جميعًا. ولو أخذنا ما يهمنا هنا، اللغة العربية، لأمكننا القول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت