بدأ المستشرقون في النصف الأول من القرن التاسع عشر في مختلف بلدان أوروبا وأمريكا بإنشاء جمعيات لمتابعة الدراسات الاستشراقية. فقد تأسست أولًا الجمعية الآسيوية في باريس عام 1822م ثم الجمعية الملكية الآسيوية في بريطانيا وإيرلندا عام 1823م، والجمعية الشرقية الأمريكية عام 1842م، والجمعية الشرقية الألمانية عام 1845م (42) .
وسرعان ما نشطت هذه الجمعيات في إصدار المجلات والمطبوعات المختلفة. وقد كان ( هامر برجشتال) قد أصدر أول مجلة استشراقية متخصصة في أوروبا وهي مجلة ( ينابيع الشرق ) التي صدرت في فيينا من عام 1809م إلى عام 1818م .
وفي عام 1895م ظهرت في باريس مجلة تمنح اهتمامهًا بصفة خاصة للعالم الإسلامي وهي مجلة الإسلام، وقد خلفتها في عام 1906م مجلة العالم الإسلامي التي صدرت عن البعثة العلمية الفرنسية في المغرب، وقد تحولت بعد ذلك إلى مجلة الدراسات الإسلامية.
وفي عام 1910 م ظهرت مجلة الإسلام الألمانية Der Islam ، وفي بطرسبرج بـ ( روسيا ) ظهرت مجلة عالم الإسلام Mir Islama عام 1912م ولكنها لم تعمر إلا وقتًا قصيرًا. وفي بريطانيا ظهرت مجلة العالم الإسلامي عام 1911م على يد صمويل زويمر [ت 1952م] الذي كان رئيس المبشرين في الشرق الأوسط (43) .
وللمستشرقين اليوم في المجلات والدوريات عدد هائل يزيد على ثلاثمائة مجلة متنوعة بمختلف اللغات (44) .
وقد شهد القرن التاسع عشر أيضًا بداية المؤتمرات الدولية للمستشرقين. وقد أتاحت هذه المؤتمرات للمستشرقين في كل مكان الفرصة لزيادة التنسيق وتوثيق أواصر التعاون، والتعرف بصورة مباشرة على أعمال بعضهم بعضًا، وتجنب ازدواج العمل حرصًا على تجميع الجهود وعدم تبديدها في أعمال مكررة.
وقد تم عقد أول مؤتمر دولي للمستشرقين في باريس في عام 1873، وتعقد هذه المؤتمرات منذ ذلك الحين بصفة منتظمة. وقد بلغ عددها حتى الآن أكثر من ثلاثين مؤتمرًا. وهذا عدا المؤتمرات والندوات واللقاءات الإقليمية التي يرجع بعضها إلى تاريخ أقدم من تاريخ أول المؤتمرات الدولية. فقد عقد أول مؤتمر للمستشرقين الألمان في مدينة درسدن بألمانيا في عام 1849م. ولا تزال مثل هذه المؤتمرات تعقد بانتظام حتى اليوم (45) .
وتضم المؤتمرات الدولية للمستشرقين مئات العلماء. فمثلًا مؤتمر أكسفورد كان يضم تسعمائة عالم من خمس وعشرين دولة، وخمس وثمانين جامعة، وتسع وستين جمعية علمية. ومجموعات العمل في كل مؤتمر تبلغ أربع عشرة مجموعة تختص كل منها ببحث مجال معين من الدراسات الاستشراقية. وتنشر بحوث هذه المؤتمرات في مجلدات ( للاهتداء بها كنظم ومناهج ووسائل، ثم أصبحت ـ مع دراسات مؤتمرهم الموضوعية والإقليمية ـ أصولًا وأمهات وأسانيد للباحثين ) (46) .
لقد كان للمد الاستعماري في العالم الإسلامي دور كبير في تحديد طبيعة النظرة الأوروبية إلى الشرق وخصوصًا بعد منتصف القرن التاسع عشر. وقد أفاد الاستعمار من التراث الاستشراقي، ومن ناحية أخرى كان للسيطرة الغربية على الشرق دورها في تعزيز موقف الاستشراق، وتواكبت مرحلة التقدم الضخم في مؤسسات الاستشراق وفي مضمونه مع مرحلة التوسع الأوروبي في الشرق( .
وقد شهد القرن التاسع عشر استيلاء المستعمرين الغربيين على مناطق شاسعة من العالم الإسلامي .
ففي عام 1857 م تم استيلاء الإنجليز سياسيًا على الهند، وأصبحت الهند بذلك تابعة للتاج البريطاني رسميًا، بعد أن كانت حتى ذلك الحين واقعة تحت نفوذ شركة الهند الشرقية منذ القرن السابع عشر وفي عام 1857م أيضًا تم استيلاء فرنسا على الجزائر كلها بعد كان الفرنسيون قد بدؤوا غزوها عام 1830م . كما احتلت هولندا قبل ذلك ـ في بداية القرن السابع عشر ـ جزر الهند الشرقية (إندونيسيا) عن طريق شركة الهند الهولندية . وبعد عام 1881م تم احتلال مصر وتونس. وظل الاستعمار يقوم بتقطيع أوصال البلاد الإسلامية شيئًا فشيئًا ويضعها تحت سيادته حتى استطاع في النهاية أن يطوق العالم الإسلامي من الشرق والغرب. وبعد الحرب العالمية الأولى كان العالم الإسلامي كله تقريباُ خاضعًا لنفوذ الاستعمار الغربي (48) .
وقد استطاع الاستعمار أن يجند طائفة من المستشرقين لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه وتمكين سلطانه في بلاد المسلمين. وهكذا نشأت هناك رابطة رسمية وثيقة بين الاستشراق والاستعمار، وانساق في هذا التيار، عدد من المستشرقين ارتضوا لأنفسهم أن يكون علمهم وسيلة لإذلال المسلمين وإضعاف شأن الإسلام وقيمه ـ وهذا عمل يشعر إزاءه المستشرقون المنصفون بالخجل والمرارة. وفي ذلك يقول المستشرق الألماني المعاصر ( استفان فيلد Stephan Wild ) :
( والأقبح من ذلك أنه توجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين. وهذا واقع مؤلم لا بد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة ) (49) .
ومن بين الأمثلة العديدة لارتباط الاسشراق بالاستعمار نذكر المستشرق ( كارل هينر يش بيكر Karl Heinrich Becker ) [ ت 1933م] مؤسس ( مجلة الإسلام ) الألمانية الذي قام بدراسات تخدم الأهداف الاستعمارية الألمانية في أفريقيا . فقد حصل الرايخ الألماني في عام 1885 ـ 1886 م على مستعمرات في أفريقيا تضم مناطق بعض سكانها من المسلمين، وظلت تلك المناطق تحت السيادة الألمانية حتى عام 1918م . وقد أدى ذلك إلى تأسيس معهد اللغات الشرقية في برلين عام 1887م وهو معهد كانت مهمته تتلخص في الحصول على معلومات عن البلدان الشرقية الحالية وبلدان الشرق الأقصى وعن شعوب هذه البلدان وثقافتها (50) .
وفي هذا يقول المستشرق الألماني ( أوليريش هارمان Ulrich Harmann:
( كانت الدرسات الألمانية حول العالم الإسلامي قبل عام 1919م أقل براءة وصفاء نّية. فقد كان كرل هينريش بيكر ـ وهو من كبار مستشرقينا ـ منغمسًا في النشاطات السياسية، حتى إنه أصبح في 1930 م شديد الحماس لمخطط استخدام الإسلام في أفريقيا والهند كدرع سياسية في وجه البريطانيين ) (51) .
أما ( بار تولد Barthold ) [ ت 1930 م ] مؤسس مجلة ( عالم الإسلام ) الروسية Mir Islama فقد تم تكليفه عن طريق الحكومة الروسية بالقيام ببحوث تخدم مصالح السيادة الروسية في آسيا الوسطى .
أما عالم الإسلاميات الهولندي الشهير ( سنوك هورجر ونيه) [ ت 1936م] فإنه في سبيل استعداده للعمل في خدمة الاستعمار توجه إلى مكة في عام 1885م بعد أن انتحل اسمًا إسلاميًا هو ( عبد الغفار) ، وأقام هناك ما يقرب من نصف عام . وقد ساعده على ذلك أن كان يجيد العربية كأحد أبنائها. وقد لعب هذا المستشرق دورًا هامًا في تشكيل السياسة الثقافية والاستعمارية في المناطق الهولندية في الهند الشرقية، وشغل مناصب قيادية في السلطة الاستعمارية الهولندية في إندونيسيا (52) .