(( يا بني خذ هذه عشرة دراهم وتعلم عشرة أحاديث، فإذا وجدتها تغير في جلستك ومشيتك وكلامك مع الناس، فأقبل عليه وأنا أعينك بمغزلي هذا وإلاَّ فاتركه، فإني أخشى أن يكون وبالًا عليك يوم القيامة ) ).
فإذن الثقافة ينبغي أن تغير في الجلسة والمشية والكلام . . يعني (( السلوك ) )وإلاَّ فهي تزيد مسؤولية صاحبها في الآخرة، وقد تكون وبالًا عليه في الدنيا أيضًا، إذ لن يجد مردودًا اجتماعيًا وأدبيًا يعادل (( ثقافته العالية ) )حسب تصوره ـ والتي ينبغي في رأيه ـ أن تؤدي إلى تصدره !!!
وللأسف فإن ما فطنت إليه المرأة المسلمة في مطلع القرن الثاني الهجري لا يزال خافيًا على كثير من المتعلمين في هذا العصر.
وقد أفاد سفيان من نصيحة أمه، فواصل طريقه في طلب العلم حتى صار علمًا في عصره، وروى عنه عشرون ألفًا من الرواة، قال رحمه الله يحكي صورة طلبه العلم في صغره، حيث فطن المسلمون إلى أهمية طلب العلم في الصغر، وتواصوا بذلك، وأحضروا الصغار في حلقات العلم وتعهدهم بالرعاية، قال سفيان:
(( لو رأيتني ولي عشرُ سنين، طولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار وأنا كشعلة نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلفُ إلى علماء الأمصار، كالزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة فإذا أتيتُ، قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير: ثم ضحك ) ) (سير أعلام النبلاء 8/404 ) .
لا شك أن المهام التعليمية في الجامعات الإسلامية تمر بظروف صعبة فأمامها مهمة خطيرة هي:
تكوين هيئة تدريس جامعية تكفي لسد احتياجات التعليم الإسلامي، وإعادة صياغة أو تأسيس العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية في ظل النظرة الإسلامية الكلية للكون والحياة والإنسان، وتقديم الأدب العربي المعاصر ونظرياته النقدية في إطار إسلامي، وعرض الدراسات الإسلامية الشرعية بالاستفادة من الوسائل التعليمية المتقدمة، وبروح تمس المشاكل المعاصرة ولا تغيب عن الحاضر متخلية عن معالجة المشاكل المعاصرة، لتعالج مشاكل القرن الثاني والثالث الهجريين، وبذلك تمضي في متاهات تستنفدُ طاقاتها دون جدوى، ودفع هذه الدراسات في مسارات واقعية، فلا ينبغي أن يوغل علم العقيدة في مهاجمة مدارس الكلام والمنطقيين والفلاسفة الذين كان لهم دور في القرون الأولى متخليًا عن نقد الفلسفات الحديثة والتيارات المعاصرة، وبذلك يغرق الطلبة في معارك وهمية، تشبه معركة (( دون كيشوت ) )مع الطواحين، حتى إذا ما واجهوا المعركة الحقيقية أحسوا بالإخفاق والعجز لأنهم لا يمتلكون (( الأسلحة اللازمة ) ).
إن التركيز على عقيدة التوحيد ينبغي أن يأخذ الحيز الأكبر بدل استعراض جزئيات من مقالات الفرق المنحرفة والتي لم تعد مطروحة في ساحة الفكر المعاصر.
إن مواجهة الواقع وتلبية احتياجاته من أهم مستلزمات التعليم الإسلامي في الوقت الحاضر، ليبتعد عن الدوران في حلقات مفرغة، وليلبي متطلبات التنمية في العالم الإسلامي ويقودها.
ومن المهام الأساسية أيضًا:
وضع استراتيجية للدراسات الإسلامية وللثقافة الإسلامية ترتكز على ما يلي:
1-دراسة ماضي وحاضر الثقافة الإسلامية، دراسة نقدية لاستجلاء مواطن القوة والضعف، والإفادة من الإيجابيات والتخلي عن السلبيات.
2-دراسة خصائص الثقافة الإسلامية، ومدى ملاءمة طرق التدريس المعاصرة لها.
3-مراعاة مبدأ تراكم المعرفة في النتاج الحديث، وتحديد مدى توافر الأصالة والمعاصرة فيه.
ولا يتم ذلك إلاَّ بإيجاد حركة نقدية واعية وواسعة تعين على التقويم، وترصد المسيرة الثقافية وتبين مدى تطابقها مع الاستراتيجية المرسومة.
4-الإفادة من تكنولوجيا التعليم على نطاق واسع في التعليم الإسلامي ومراكز البحوث الإسلامية.
5-وضع ضوابط محددة للانفتاح على الثقافات العالمية للاستفادة من تجربة المجتمع الإسلامي الأول في مواجهة الحضارات العالمية.
المهمة الأولى
لعلَّ من المفيد إلقاء نظرة على بعض هذه المهمات الخطيرة دون الدخول في تفاصيل كثيرة تحتاج إلى دراسات مستقلة، وتشترك فيها لجان متخصصة، فالمهمة الأولى التي أشرت إليها، وهي: إيجاد هيئة تدريس تتمكن من تلبية احتياجات التعليم الإسلامي، تعتبر من أخطر المهام، خاصة إذا لاحظنا ما تعانيه الجامعات الإسلامية ـ على قلتها في العالم الإسلامي ـ من نقص كبير في المتخصصين في الدراسات الإسلامية .. وهي مشكلة تواجه التعليم العام كله حيث النقص في أعداد المعلمين والمدرسين والأساتذة الجامعيين، ففي الوقت الذي يتوفر في البلاد الأوروبية والاتحاد السوفييتي أستاذ لكل ثلاثة عشر طالبًا، وفي أمريكا اللاتينية أستاذ لكل أحد عشر طالبًا، وفي البلاد الآسيوية أستاذ لكل خمسة عشر طالبًا، وفي أفريقيا أستاذ لكل ستة عشر طالبًا، يوجد في البلاد العربية أستاذ لكل تسعة عشر طالبًا، فهي أقل المناطق قدرة على توفير الأساتذة، وتقل النسبة كثيرًا إذا جئنا إلى التعليم الإسلامي.
وهذا يتطلب مجهودًا كبيرًا لسد النقص الحالي الذي يؤثر على مستوى التعليم في بلادنا من ناحية، ولمواجهة تضاعف السكان في البلاد العربية والعالم الإسلامي بعد ثمانية عشر عامًا حيث يقدر أن عدد السكان في البلاد العربية وحدها سيصل إلى مائتي مليون نسمة سنة (2000م ) في حين أنه الآن مائة وخمسون مليون نسمة، ومعنى ذلك أننا نحتاج خلال عقدين فقط أن نزيد أعضاء هيئة التدريس إلى أكثر من الضعف، لسد حاجة المستقبل القريب، فهل أعدنا للأمر عدته أم سيزيد العجز وترتفع نسبة تفوق الآخرين علينا؟
المهمة الثانية
وهي: إعادة صياغة مناهج العلوم الاجتماعية، من تاريخ واجتماع واقتصاد وسياسة وتربية وعلم نفس، وكذلك الأدب ونظرياته النقدية وفق مبادئ الإسلام . . فلا شك أن الحضارة الأوروبية قطعت شوطًا واسعًا في هذا السبيل، ولا يمكن البدء بمرحلة تأسيس من الصفر، فليس كل نتاج الحضارة الغربية في هذا السبيل خطأ وباطلًا، خاصة ما يرتكز على الكشوف الطبيعية والتجارب المختبرية، بل إن الفلسفة التي تطبعه والروح المهيمنة عليه بعيدة عن الإيمان بالله عز وجل ورسالاته، ولذلك فقد عبرت عن المهمة (( بإعادة صياغة ) )بدل (( تأسيس ) ).
ولا شك أن وضع الخطط والبرامج التفصيلية لإقرار ما يمكن إقراره، وإبعاد ما يلزم إبعاده يحتاج إلى اللجان المتخصصة في كل علم؛ وأن الأقسام المتخصصة في الجامعات الإسلامية ينبغي أن تنهض لحمل هذه الأعباء، فقسم التربية يسعى إلى تطوير نظرية تربوية إسلامية تنبثق عن فهم الكتاب والسنة، واستلهام تراث الفكر التربوي الإسلامي مع الإفادة من المعطيات السليمة للنظريات التربوية المعاصرة بعد صبغتها بصبغة الإسلام، فالنظريات التربوية الغربية انبثقت عن فلسفات مادية، وتصورات علمانية، ومعظم فلاسفتها من الماديين والعلمانيين.
ونظرة إلى واقع المجتمعات الغربية تكفل الحكم على معطيات التربية الغربية: التحلل الخلقي والإحساس (( بالضياع ) )، والرغبة في (( العدم ) )، وتصاعد (( الجريمة ) )، وتحدي (( القانون ) )، و (( العنف ) )، و (( شريعة الغاب ) )في التعامل مع الآخرين.
وبعد: فهل نحتاج إلى تقويم للنظريات التربوية بعد أن ظهرت ثمارها المسمومة في عالم اليوم؟!!!.
لقد اعتبر (( فرويد ) )الإنسان عبدًا للجنس الذي يتحكم في فكره ومشاعره وسلوكه، ويكوَّن محور نشاطه الخاص والعام.