إن هذه الظاهرة الخطيرة قد تعكس ضعف الولاء للوطن الأصلي أحيانًا؛ لكنها في أحيان كثيرة لها مسوغاتها القوية والمتمثلة بحالة التخلف في العالم الإسلامي، وانعدام الوعي أو ضعفه أحيانًا حتى على صعيد المستويات القيادية فضلًا عن المستويات الأخرى.
وكثيرًا ما عاد بعض المهاجرين فاصطدموا بالواقع المرير، وأصابهم اليأس فعادوا من حيث أتوا، يعيشون لأنفسهم ولعلمهم وهواياتهم بعيدًا عن مشاكل مجتمعاتهم الأصلية المتخلفة.
لقد تمكنت أرض الحضارة الغربية من احتواء الكثيرين من أبناء العالم النامي؛ ومعظمهم من أبناء العالم الإسلامي، وضمهم إلى مسيرة الأغنياء الأقوياء؛ مفرغين عالمنا الشاحب من بقية الدماء النابضة فيه.
وقد أتحنا بأنفسنا هذه الفرصة لتفريغ دمائنا عندما أرسلنا أبناءنا للدراسة هناك دون أية توعية .. إننا نعاني من فراغ روحي وفكري يشدنا إلى بعضنا .. (( وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) ).. وإن الاعتماد على مجرد عبارات طنانة عن خدمة الوطن ما عادت تجدي نفعًا مع عوامل الدفع والجذب العنيفة التي تقطع أوصالنا بقوة وتبتنا عن جذورنا بشدة.
إن عدد سكان الولايات المتحدة يقارب عدد سكان العالم العربي وحده، وكان فيها عام (1968م ) (000, 850 , 1 ) مليون وثمانمائة وخمسون ألفًا من العلماء والمهندسين والأطباء، واعتبر المخططون ذلك غير كاف، وجامعاتهم تخرِّج (000 ,62 ) اثنين وستين ألفًا من هذه الفئات، وهم يستقبلون قرابة (000, 8 ) ثمانية آلاف من بقية العالم (12 ) وخاصة من العالم الإسلامي، ويرون أنهم بحاجة إلى أعداد أكبر لضمان التنمية والتقدم المستمر؛ فكم يقابل هذه الأرقام من العلماء والأطباء والمهندسين في العالم العربي والإسلامي؟!
لقد تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق الغنى والتقدم وصناعة أمجادها العلمية والتقنية العسكرية بعقول أبنائها، وعقول أبناء غيرها، وخاصة من أبناء العالم الإسلامي.
فماذا فعلنا نحن من أجل البناء والتقدم .. من أجل أنفسنا ومن أجل مستقبل أبنائنا .. من أجل ثقافتنا ومقوماتنا .. من أجل عقيدتنا؟
هناك (25% ) من مجموع الأطباء العاملين في الولايات المتحدة هاجروا إليها من دول أخرى (13 ) .. وقد وصل عدد المهاجرين إليها من علماء ومهندسي وأطباء العالم الثالث (272, 15 ) خمسة عشر ألفًا ومائتين واثنين وسبعين في عام 1967م، واستمرت الهجرة بعد ذلك باطراد ..
فماذا فعلنا من أجل وقف ذلك؟
إن تقوية الجذور بالحضارة والثقافة، والتأكيد على ملامح الذات التي يحدد التراث قسماتها يقدمان حلولًا كثيرة لمشكلاتنا الحضارية والثقافية، وما تناولته ليس إلاَّ غيضًا من فيض، وإلاَّ فما أكثر القيم الحضارية والحوافز الخُلُقية التي تحتويها كنوزنا التراثية، والتي تنتظر الباحثين الأكفياء يجلونها وينظرونها ويفيدون منها في بناء المجتمع الإسلامي الحديث
تلازم التربية والتعليم
وإذا ركزتُ على الناحية التربوية فلأن الجامعات الإسلامية تحمل رسالة الإسلام بكل محتواها وشمولها، ولذلك لا يمكن فصل الهدف التربوي عن الهدف التعليمي، بل ينبغي أن يتواكبا، إن الأستاذ هو المربي والمعلم حقًا، وإن قدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لخص أهداف بعثته بقوله: (( إنما بعثتُ لأِتمِّمَ مكارم الأخلاق ) ).
لقد تربت أجيال المسلمين الأولى على أيدي العلماء الذي كان إسهامهم في توجيه المجتمع وتحصينه من المؤثرات الجاهلية أقوى من دور السلطات الرسمية في معظم مراحل التاريخ الإسلامي، وإن كانت القوتان تتحدان في تحقيق هذا الهدف في مراحل معينة كعصر الراشدين.
وإن ما قام به (( ابن مسعود ) )في الكوفة كان له الأثر البالغ في نشأة مدرسة الحديث الكوفية، ودور (( أبي موسى الأشعري ) ).. في بناء مدرسة القراءات البصرية واضح، ودأب التابعون من بعدهم على نشر العلم وتربية الأجيال الإسلامية .. فكان (( عامر الشعبي ) )بمكة المكرمة، و (( سعيد بن المسيب ) )في المدينة المنورة ... و (( الحسن البصري ) )و (( محمد بن سيرين ) )في البصرة، وقام من بعدهم مئات الأعلام بدورهم الذي مكَّن للإسلام في قلوب الناس وفي ديار الإسلام معًا.
ومنع (( أحمد بن حنبل ) )بوقفته المشهورة سريان الانحراف في العقيدة معرضًا نفسه للخطر .. وكان ألوف الناس يتوبون على يد (( ابن الجوزي ) )ببغداد، ويعلن العشرات إسلامهم إثر كل خطبة يلقيها في جامع المنصور، ويقف (( ابن تيمية ) )وقفته المشهورة لصد غزو التتار.
ولا يخفي دور (( العز بن عبد السلام ) )في تهيئة المجتمع الإسلامي أمام الغزو المغولي .. هكذا تتالت الأجيال، ومعها العلماء والقادة المربون يحفظون لها هويتها بإحياء معالم السنن.
إن دور العلماء في بناء المجتمع الإسلامي أساسي وفعال، وإن الأمة اليوم تتعرض لأعتى أنواع الغزو في مراحل تاريخنا الثقافي والحضاري، وهي بحاجة إلى وقفة مشهودة من علمائها لمنع انحراف الأجيال الإسلامية المعاصرة عن الإسلام عقيدة وشريعة. وإن نعمة الإيمان من أجلِّ النعم التي أنعمها الله على المسلمين، فما ينبغي التفريط بهذه الأمانة الثقيلة، قال الله تعالى:
(ألم تر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار ) (إبراهيم:28 ) .
التربية بالقدوة
إن القدوة الحسنة هي أمثل الطرق لتربية الأجيال الإسلامية وهي طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطريقة الصحابة والتابعين والأتباع ومن بعدهم من جهابذة العلماء، وإن العناية بتربية الطلبة وتوجيههم، وعدم إبقائهم بمعزل عن الأساتذة هي أكثر الطرق فعالية في التأثير على سلوكهم وتقوية صلتهم بالله وبتعاليم دينه.
إن الأساتذة في الجامعات الإسلامية كما لا يخفى هم دعاة أولًا وليسوا مجرد موظفين، ولذلك لا يمكن أن يقتصر علمهم على الواجبات الرسمية المناطة بهم، إذ هم لا يستطيعون ذلك، كما أن الجامعة لا تستطيع تحقيق أهدافها التعليمية والتربوية والعلمية إلاَّ عن طريق هيئة التدريس، وأن وحدة الهدف والرغبة الصادقة في خدمة الإسلام هي الدافع لزيادة جهود الأساتذة في توجيه الطلبة علميًا وتربويًا، ويخيل إليَّ أن الجامعات الإسلامية لو لم تكن قائمة فإن أي عالم سيفكر في إنشاء مدرسة أو كلية لتدريس العلوم الإسلامية، إذ لا حياة للعالم إلاَّ وسط طلبة العلم، يعلمهم السلوك، ويربيهم على تعاليم الإسلام، ويثقف عقولهم بالقرآن والحديث وفقههما، ويجعل الموازين الإسلامية مقياسًا لهم في كل أعمالهم وأقوالهم.
فالثقافة ليست حشدًا للمعلومات، بل هي تفاعل بين الإنسان والعقيدة والفكر، يظهر في السلوك ... فقد يحفظ الإنسان معلومات كثيرة ولكن سلوكه الاجتماعي غير مقبول، فنظرته للآخرين فيها استعلاء واحتقار، وتقويمه للمواقف مبني على (( الأنانية ) )وحب الذات، وتذوقه (( للجمال ) )ضعيف يدل على بلادة المشاعر وضعف الإحساس، وكلامه خال من المعاني الرقيقة والمشاعر الطيبة، ولا تظهر فيه آثار المعلومات التي يكنزها؟ فمثل هذا ليس مثقفًا بل هو جهاز (( كمبيوتر ) )من نوع بسيط ورخيص لقدرته المحدودة على الاستيعاب والحفظ.
لقد فطنت أم عربية مسلمة هي السيدة أم المحدِّث المشهور (( سفيان الثوري ) )إلى هذه الحقيقة ، وبالتالي فقد أوضحت لابنها سفيان أن يربط بين العلم والسلوك، وإلا فلا نفع للعلم دون العمل.
قالت: