فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 3028

في ختام هذا المقال، أود أن أشير إلى أن ما يتردد لدى البعض في الشرق والغرب حول عدم منطقية التناول الإسلامي لهذه القضية ليس إلا نتيجة للنظر إليها بعين واحدة، فالثورة الإسلامية الغاضبة ليست لمجرد تناول بضعة رسامين دانمركيين مجهولي الهوية لمقام النبوة بالإهانة، فقد سبقهم إلى ذلك من هو أكثر جرأة ووضاعة، ولكن الغضب العارم الذي عم أرجاء العالم كان بمثابة ردة فعل على التعنت غير المفهوم من قبل الصحيفة نفسها وحكومتها، واستنكارًا لهذا الهجوم الذي لم يسبقه أي مبرر كما يقول الشيخ القرضاوي، بل ولرفض رئيس الوزراء مقابلة السفراء العرب قبل أن تندلع شرارة هذا الغضب العالمي، في إشارة واضحة إلى الاستهانة بأصحاب القضية والاغترار بالنفس، وهو ما يجب تحمل نتائجه بمقتضى العدالة. يقول تعالى:"قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ" (118آل عمران) ، ولسنا بحاجة هنا إلى التذكير بموجة السعار التي أصابت الغرب مؤخرا إزاء تصريحات الرئيس الإيراني بعدم صحة أسطورة الهولوكوست، وهي التي حُمّل المسلمون تبعاتها رغمًا عنهم بدلًا من الغرب نفسه!

أما المتذرعون بحرية التعبير فهم أقل قدرة على تبرير هذا الموقف، فما هي احتمالات الرد الممكن من قبل المحتجين على تلك الرسوم الساخرة؟ وهل يصح أن يواجه المسلمون أصحاب تلك الرسوم برسوم أخرى تكون بمثابة رد على حرية التعبير وممارسة للحرية نفسها؟

إن حرية التعبير ليست محدودة فقط بحرية الآخرين، وهو ما تنص عليه أولى مفاهيم الليبرالية الغربية، بل ينبغي أن تكون مضبوطة أيضا بضوابط الجدية التي يمكن تناولها من قبل الراغبين في الرد، وهذا ما يفر منه الغرب عادة عند تناولهم رموز الإسلام، إذ يلجؤون إلى الفن والأدب بدلا من المناظرات العلمية الرصينة، حتى إذا ثار المسلمون على أمثال سلمان رشدي وتسليمة نسرين وناشري تلك الرسوم رُفعت في وجوههم لافتات حرية التعبير، وكأنهم مطالبون بمناقشة هذا الهراء بهراء رخيص مثله!

بقي أن نذكر بأن مقام النبوة أعز من أن تناله إساءات الحاقدين، ولنا في السيرة الطاهرة أسوة حسنة:"انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، إنهم يشتمون مذمَّما ويلعنون مذمما، وأنا محمد!"، على أننا مطالبون هاهنا بأن نخلص نيتنا وننسى حظ نفوسنا من أي ردة فعل نقوم بها، وأن نتيقن أولا من أننا لم نغضب انتصارًا لكرامتنا، بل لمقام النبوة والرسالة، وألا يدفعنا هذا الغضب إلى التغاضي عن تقصيرنا في إيصال رسالة هذا الرسول العظيم إلى العالم أجمع، وأن نتذكر أيضا أن الحاقدين عليه في الغرب ليسوا بكثرة، وإن كانوا كذلك فالجهل يعذرهم، أما نحن فلا عذر لنا في التقصير بعدم تمثل سنته أولا، وفي حمل رسالته الحقة إلى مستحقيها ثانيا.

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:"لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور" (186 آل عمران) .

سليمان بن صالح الخراشي

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن باز إلى حضرة الأخ الكريم الدكتور حسن الترابي وفقه الله لما فيه رضاه آمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:

فأشفع لمعاليكم بهذا نسخة من الرسالة الواردة إلي ممن سمى نفسه (عبد البديع صقر ) صاحب مؤسسة الإيمان، المؤرخة في 24/11/1400هـ راجيًا من معاليكم بعد الاطلاع عليها التكرم بالإفادة عن صحة ما نسب إليكم فيها من الآراء ؛ لنعرف الحقيقة والشبهة التي أوجبت لكم هذه الأقوال إن صحت نسبتها إليكم ؛لمناقشتكم فيها على ضوء الأدلة .

ونسأل الله لنا ولكم وللمسلمين الهداية والتوفيق وصلاح النية والعمل

إنه خير مسؤول . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وبعد:

فهذه نظرات شرعية في فكر الدكتور حسن الترابي - هداه الله - ، الذي أثر على كثيرين من محبي الإسلام في هذا الزمان ، سواء في بلده ( السودان ) ، أو في بلاد أخرى ، فاغتروا بفكره الحركي وتناسوا لأجله جميع انحرافاته الخطيرة - كما سيأتي - ، فلم يعرجوا عليها أو يناصحوه في شأنها إلا قليل منهم لم يرضوا لأنفسهم أن يغشوا الأمة أو يغرروا بشبابها ، مجاملة له أو خشية على انقسام الحركة الإسلامية - كما يقال - .

وقد آثرت جعل هذه النظرات تعريفا للقارئ بأهم الردود التي صدرت في التنبيه على أخطاء الترابي وانحرافاته ، من خلال تهذيب المهم منها ؛ ليكون شباب الإسلام على علم بها ؛ فيتجنبوها ويرشدوا من وقع فيها ؛ ولعلها تكون موقظة لبعض الدعاة عندنا الذين سبق لهم ثناء وتزكية للترابي ! أن يراجعوا موقفهم . وهذا العمل مساهمة مني في ( تصفية ) الساحة الإسلامية في هذا الجانب ؛ تمهيدًا لعودتها - إن شاء الله - أمة متحدة ذات عقيدة واحدة .. وما ذلك على الله بعزيز . فأقول مستعينًا بالله:

تعريف بالدكتور الترابي:

وُلد د. حسن عبد الله الترابي سنة 1932 من عائلة دينية من الطبقة المتوسطة، وتتلمذ على يد والده، شيخ طريقة صوفية أقلية، فحفظ القرآن الكريم صغيرا بعدة قراءات، وتعلم علوم اللغة العربية والشريعة في سن مبكرة على يد والده، وجمع في مقتبل حياته أطرافا من العلوم والمعارف لم تكن ميسرة لأبناء جيله خاصة في السودان.

تزوج الترابي من وصال الصديق المهدي شقيقة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي زعيم حزب الأمة.

تدرج في سلك التعليم حتى حصل على إجازة الحقوق من جامعة الخرطوم، ثم على الماجستير من جامعة بريطانية في 1957، ثم الدكتوراة من السوربون الباريسية في 1964، وأجاد الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وحصَّل صنوفا شتى من المعارف والثقافات الغربية مما أثر في فكره - كما سيأتي - .

وبعد عودته إلى وطنه تولى الترابي عمادة كلية الحقوق بجامعة الخرطوم .

أصبح الترابي الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامية لدى تشكيلها. وعن هذه الجبهة انبثقت جماعة الإخوان المسلمين في السودان، واعتُقل ثلاث مرات خلال السبعينيات، في ظل نظام الرئيس جعفر نميري، ومع ذلك شغل في 1979 منصب النائب العام، وأيد الترابي قرار نميري إقرار الشريعة الإسلامية في 1983، وبعد سقوط نظام نميري في 1986، شكّل الجبهة القومية الإسلامية .

انفصل الترابي عن جماعة الإخوان ، وتصاعدت الخلافات بينهم نظرًا لخروجه عن نهج الجماعة وطريقتها في الدعوة والتربية ، وانحرافاته التجديدية ! التي خرج بها عن إجماع المسلمين ؛ مما أدى بهم إلى التشهير به والرد عليه .

في يونيو 1989، تحالف الترابي مع الفريق عمر البشير، لقلب الحكومة المنبثقة عن انتخابات ديموقراطية بقيادة صهره زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، وطبع اتجاه الترابي السياسة الخارجية للسودان على خلفية دعم المدّ القومي الإسلامي؛ بهدف التحرر من الهيمنة الأميركية الصهيونية. وفي أبريل 1991، أسس المؤتمر الشعبي الإسلامي الذي نُصِّب أمينًا عامًا له، ليشكل منبرًا للقضايا الإسلامية، وعقد المؤتمر الذي يضم حركات وتنظيمات إسلامية من العالم أجمع دورتين في ديسمبر 1993، وفي أبريل 1995 في الخرطوم .وفي فبراير 2000، أغلقت السلطات مقر المؤتمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت