فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 3028

انطلاقا من هذا الفهم لثقافة الآخر يجب أن تبدأ مهمة المسلمين الراغبين في التفاوض، إذ يتطلب الأمر توضيحا مقبولا لمفهوم المقدس قبل كل شيء، وتصحيحا للفكرة المغلوطة حول عقيدة الإسلام التي باتت مرتبطة في أذهان عامة الناس هناك بالعنف وإراقة الدماء، بل ومناقشة عميقة للخلط الواضح بين الأسطورة والدين في الفكر الغربي العلماني، والذي يجعل من الإيمان بالله مجرد مرحلة لاهوتية أكل عليها الزمان وشرب. وعليه فإن ما يناله الإسلام من اعتداءات لا يمكن أن ينظر إليه من زاوية تصدي أهل الباطل لأهل الحقيقة كما كان في عهد النبوة، لأن الإسلام آنذاك كان قد تلبس عقول وقلوب الصحابة حتى ظهرت محاسنه في سلوكهم اليومي وأعطى للعالم مثالا حيا على أصله السماوي، بينما يتحمل مسلمو اليوم المسؤولية الكبرى جرّاء إقصائهم للمفهوم الصحيح للإسلام وقصره على الحامل الثانوي للتراث العربي تحت تأثير الغزو الثقافي الغربي!

من جهة أخرى، فإن سلاح المقاطعة الاقتصادي قد آتى ثماره على نحو غير متوقع، ولعل النقطة الأبرز هنا هي نشوة النصر التي حازها دعاة المقاطعة بعد فشل سابقتها أثناء الانتفاضة بالرغم من ضيق المدة، ولا أستبعد أن يؤدي ذلك إلى تبني هذا السلاح في معارك أخرى قادمة، وأن تكون له تداعيات أخرى إيجابية، إذ ينبغي أن يلفت هذا النجاح اهتمام الاقتصاديين لتحليل ما تم إنجازه على الصعيد الاستراتيجي من اكتفاء المستهلك العربي واستغنائه عن المورد الأجنبي، أو التفاته إلى أسواق أخرى قد تكون أقرب إليه.

هذا التحليل سيضعنا أمام تساؤل جوهري تم تغييبه طويلا حول حاجة السوق العربية أصلا للمنتج الغربي، ولعل في دعوات بعض وسائل الإعلام للإعلان المجاني عن المنتجات العربية البديلة إشارة واضحة لهذا التجاهل غير المبرر، إذ ما الذي يمنع من اكتفاء الدول العربية والإسلامية الذاتي؟ بل ما هي الدوافع المقنعة للتوجه غربا؟ ولنا في التجربة الماليزية أسوة حسنة عندما رفعت شعار التوجه شرقًا، أي نحو اليابان وكوريا وغيرهما من دول آسيا، مما يقلل من التبعية للغرب، ويساعد على تمتين أواصر العلاقات بين الدول المتقاربة ثقافيا.

بناء على ما سبق، فإن المواطن العربي الذي ترسخت في أعماقه هذه الثقافة الاستهلاكية، إلى جانب مفهومه المغلوط عن الإسلام وعدم تمثله عملا وسلوكا، يعد المسئول الأول عن حادثة الاعتداء السافر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما التصحيح المطلوب اليوم لهذا الخطأ، فلا يمكن أن يختزل في حلول سريعة عبر مقاطعة عابرة لبعض السلع، أو من خلال بث رسائل الاحتجاج والاستنكار، أو إحراق السفارات وترسيخ العنف، فمع أن هذه الوسائل قد آتت ثمارها الناجعة كحل عاجل، إلا أننا نخشى عودة كل شيء إلى ما كان عليه كما حدث إبان ثورة الملايين العربية لمساندة الانتفاضة، بل ومنح الغرب فرصة أخرى للتفكير في أسلوب عدائي جديد بعد أن تخمد جذوة هذه الفتنة.

الحل يبدأ من الجذور إذن، ويأخذ بعدًا عقائديًا يسعى لتصحيح مفهوم المسلمين لدينهم ولثقافة الآخر، كما يمتد ليشمل ضرورة النهضة الاقتصادية التي أصبحت حاجة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى. ولعل في هذه التجربة درسا عميق الأثر للشعوب العربية التي استكانت طوال عقود للغزو الثقافي الغربي، ومثالا صارخا على مكانة القوة في الحضارة الغربية، حيث تُضفى القدسية على مصالح الغرب قبل أن ترفع رايات حقوق الإنسان والقيم الليبرالية العالمية!

أما سلاح المقاطعة فيجب أن يستمر، بل وأن يتسع ليشمل النرويج أيضا ولا يقتصر على الدانمرك، فبالرغم من أن وزير خارجية النرويج قد سارع للاتصال بسفراء الدول الإسلامية في أوسلو للتعبير عن عدم رضا حكومته بالأمر، إلا أن رئيس الحكومة"يانس ستولنبرغ"رفض في مقال له في صحيفة"داغس أفيسن"الاعتذار مشيدا بحرية التعبير، ومذكرا بأن ليس كل ما ينشر في الصحف يعبر عن موقف الحكومة.

قد يكون هذا الموقف مقبولا في دولة ليبرالية تؤمن بحرية التعبير، وأظن أن المسلمين كانوا سيعذرون رئيس الحكومة لو أنه اقتصر على تحييد موقف حكومته، ولكنهم لم ينسوا بعدُ حملته على رئيسة الحزب الاشتراكي"هالفرسون"وشريكته في الائتلاف الحاكم عندما دعت إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية، مما دفعها إلى تقديم الاعتذار فورًا! ولا ننسى التذكير بأن حزب العمال النرويجي الذي يتزعمه رئيس الحكومة ليس أقل دعمًا لإسرائيل من أحزاب اليمين سواء في النرويج نفسها أو في الدانمرك، مما يعني توحيد الموقف السياسي في التعامل مع القضايا الإسلامية والعربية بين اليمين واليسار.

قد يعارض البعض وضع كل من النرويج والدانمرك في سلة واحدة، خصوصا وأن الدانمرك هي التي ابتدأت تلك الحملة وأن المجلة النرويجية التي أعادت نشر الرسوم لا تتمتع بنفس الانتشار الذي تحظى به الصحيفة الدانمركية، ولكني أرى أن هذه هي المرة الأولى التي يلتف فيها المسلمون من شعوب وحكومات لإجبار العالم بأسره على إعادة الاعتبار لهم واحترام وجودهم على هذا الكوكب، وإذا كانت المقاطعة الاقتصادية قد أخضعت أشد الحكومات الأوربية تطرفا (الدانمرك) على الرضوخ للكثير من طلباتهم إلى درجة تقديم الاعتذار الرسمي في صحف الجزائر المحلية، ثم اعتذار مجلة"مغازينا"اليمينية النرويجية، فإن الاستمرار في فرض حريتهم في المقاطعة سيؤدي لا محالة إلى تغيير موازين السياسة الخارجية لهذه الدول، ولا ضير في أن يمتد الأمر إلى المقاطعة الشعبية للسلع النيوزيلندية والألمانية والفرنسية والنمساوية والإيطالية حيث أعيد نشر الرسوم في كل من هذه الدول، وأن تستمر المقاطعة حتى صدور قرار دولي يحرّم التعرض للمقدسات وينص على معاقبة المسؤولين، وعندها فقط يمكن أن يعاد الاعتبار لأكثر من مليار مسلم، تمامًا كما هو الحال مع قانون تحريم معاداة السامية الذي تحرص الأمم المتحدة على تطبيقه حرصًا على مشاعر العشرين مليون يهودي! ولعل في أخبار الامتعاض الشعبي الدانمركي خير دليل على تحقيق هذه الأهداف، حيث يتوقع الكثيرون سقوط الحكومة اليمينية قريبًا، وذلك على عكس توقعات المتخوفين من ارتفاع أسهم المتطرفين، وكأن العالم قد بات اليوم محكومًا - مع الأسف- بالقوة وحدها!

إزاء ذلك، فإني لا آسف على تحقيق الهدف الذي سعى إليه الصهاينة من منع حدوث أي تقارب بين النرويج والعرب، فقد آن الأوان لنفهم أن النصر لن يأتي من الغرب مهما تعاطف مع قضايانا الإنسانية، وأن التعويل عليه لن يجر علينا إلا المزيد من الاستسلام المخزي، كما أرجو أن يكف أولئك الكتاب العلمانيون المحتكرين لمنابر الإعلام العربية عن هذا النواح، وأن يقنعوا أخيرا بأن حرية الشعوب لم تُحصّل يومًا بمثل هذا الاستجداء.

مراجعات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت