بناء على ذلك، فإن خسارة الشركات الدانمركية بدأت بالظهور على السطح منذ الأيام الأولى، مما عزز الشعور بالنصر لدى المسلمين الغاضبين الذين كثفوا جهودهم لتعميم هذه الظاهرة، ولعل انتصار حماس الساحق قد أعطى دفعا نفسيا قويا، إلى جانب خطابات الرئيس الإيراني التي أعادت للمسلمين الكثير من ذكريات العزة المفقودة، وهكذا توالت أخبار النصر التي تناقلها الشباب المتحمس بسرعة البرق، لتخرج المسيرات والمظاهرات على نحو غير مسبوق في شتى أنحاء الأرض، ويصل الأمر إلى تدمير السفارات في كل من دمشق وبيروت، بالإضافة إلى تهديدات وتحرشات في عواصم إسلامية أخرى.
المأزق
من الصعب حقا تدارك الأنباء للكتابة عنها في خضم هذا التطور المتسارع للأحداث، ولست أبالغ في القول بأنه كان من الصعب التنبؤ بوصول الأمر إلى هذه النقطة، حتى من قِبل أولئك المستفيدين من تدهور العلاقات بين العرب والنرويج إلى هذا الحد.
المأزق الكبير هو ذلك الذي وجدت حكومتا النرويج والدانمرك نفسيهما فيه، فالرأي العام هناك لم يوافق في البداية على الاعتذار الرسمي للمسلمين، اعتقادا بأن في ذلك امتهان للكرامة الوطنية، ومع أن الاستبيان لم تجر إعادته فيما بعد، إلا أن الكثير من الأصوات قد بدأت هناك بالمناداة لإخراج البلدين من هذه الأزمة.
بناء على ذلك، فقد وجد رئيس الوزراء الدانمركي نفسه بين فكي كماشة، فهو محاصر من قبل شعبه الرافض للاعتذار حتى الآن والداعي إلى حرية الصحافة بأي شكل كان، ومُطالَب في الوقت نفسه بإخراج بلاده من هذه الأزمة الاقتصادية والدبلوماسية على جناح السرعة.
أما صحيفة (يولاند بوسطن) فقد حاولت المناورة طويلا، إذ كان موقفها شديد التعنت طوال الأشهر الماضية، ولكنها سرعان ما بدأت بالتجاوب إثر استدعاء الحكومة السعودية السفير الدانمركي في الرياض، ثم استدعاء سفيرها الحجيلان في كوبنهاغن، حيث قررت الخروج عن صمتها واضطر رئيس تحريرها (كارستن يوسته) إلى توجيه خطاب بالعربية للمواطنين السعوديين على موقع الصحيفة الإلكتروني، ولكنها فوجئت بأن الأوان قد فات مع استدعاء كل من ليبيا وسورية لسفيريهما، ثم تصاعد حملات الاستنكار والمقاطعة الاقتصادية في كافة أرجاء العالم الإسلامي مما دفعها لتوجيه خطاب آخر إلى المسلمين عامة، ويذكر أن الخطابين لم ينصّا على الاعتذار الصريح، بل اكتفى رئيس التحرير فيهما بالإعراب عن أسفه مع التبرير، ولكن اجتماع وزراء الداخلية العرب في تونس دفعه لتوجيه اعتذار صريح في الثلاثين من يناير الماضي، وهو أمر لم يعد كافيا فيما يبدو مما دفع الوزراء المجتمعين إلى إصدار بيان رسمي في اليوم التالي يطالبون فيه الحكومة الدانمركية بتطبيق أشد العقوبات على المسؤولين عن هذا التصرف الشنيع.
الملفت في الأمر أن رئيس التحرير قد وصف الهدف من نشر تلك الرسوم بقوله:"لم يكن القصد منها النيل من شخص النبي (ص) بتاتًا أو الحط من قيمته، بل كانت مدخلًا للحوار حول حرية التعبير عن الرأي التي نعتز بها في بلادنا"، وهو أمر يصعب فهمه، إذ كيف يمكن النظر إلى اثني عشر رسمًا تسخر جميعها من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتصوره بأقبح الصور على أنها مدخل للحوار حول حرية التعبير؟ ولماذا لم تحمل أي من هذه الرسوم صورة مغايرة لتلك التي أرادت الصحيفة نشرها عمدًا، هذا فضلا عن الدافع الموضح سابقًا لنشرها والذي لا يعدو أن يكون ردًا فوريًا على طلب أئمة الجالية الإسلامية من رئيس الوزراء حث وسائل الإعلام الدانمركية على التخفيف من لهجتها العدائية والتحريضية ضد المسلمين!
الحلول
تفاوتت ردود الفعل الإسلامية بين استنكارات ومظاهرات واحتجاجات دبلوماسية ومقاطعة اقتصادية وحتى إحراق للسفارات، ولعل الرد الأقوى جاء من طهران بعد إعلان الحكومة الإيرانية قطع علاقاتها التجارية مع الدانمرك، الأمر الذي استنكرته دول الاتحاد الأوربي كافة وواجهته بالتهديد، أما الرد الأكثر طرافة فهو إعلان إحدى الصحف الإيرانية عن إجراء مسابقة لأفضل الرسوم الكاريكاتورية التي تتناول أسطورة الهولوكوست مع الإشارة إلى أنها تهدف بذلك إلى قياس درجة حرية التعبير لدى الأوربيين! وهي الدعوى نفسها التي تذرع بها رئيس تحرير (يولاندس بوسطن) في الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أرى أنه رد عملي بالغ الدهاء، وسيؤتي ثماره إذا ما قامت صحف إسلامية أخرى بإعادة نشر تلك الرسوم بعد صدورها مع التذرع بالعذر نفسه! وهذا أفضل بالطبع من التعرض للرموز الغربية بالسخرية، وأكثر إحراجا لهم في اكتشاف مدى قدرتهم على تقبل حرية الرأي.
من جهة أخرى، فإنه من المهم أن نأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي يتناول فيها الشعب الدانمركي أمثال هذه القضية، فمن المعروف أن الشعوب الغربية"تدين"بالعلمانية التي تنص على عزل الدين عن الحياة، وأن هذه النزعة تزيد عمقا لدى شعوب الدول الأوربية الشمالية ومنها الدانمرك والنرويج، حيث يُختزل الدين إلى بعض التعاليم المقتصرة على تنظيم الأخلاق إلى جانب كونه حافظا للتراث الثقافي الضارب في القدم، وعليه فلن نفاجأ بموقف الملكة الدانمركية المتحرر من الدين على الرغم من كونها رئيسة الكنيسة الإنجيلية في بلادها، إذ تقول في مذكراتها التي نشرتها العام الماضي:"هناك شيء مدهش بعض الشيء لدى أولئك الذين يشكل الدين كل حياتهم ويشبع حياتهم اليومية من الصباح حتى المساء ومن المهد الى القبر", في إشارة إلى المسلمين الذين خصتهم ببعض النقد الصريح في كتابها، علما بأنها لم تنس أن تشير إلى"وجود مسيحيين هم أيضا كذلك"!
بناء عليه، فإن الشعوب الغربية قد تحررت من"قيود"المقدس الغيبي إثر معاناتها مع الاضطهاد الكنسي الطويل، واستبدلت به تقديس العقل الذي امتد طوال عصور النهضة والأنوار، وهو الذي أفضى إلى تأليه الإنسان - الرجل الأبيض حصرًا- بدلا من الإله، ليصل الأمر بها إلى الخروج من عالم الحكايات الكبرى كما يقول عرّابو ما بعد الحداثة بعد أن ذاقت ويلات الحروب، ويصبح الفرد أخيرًا هو الوجود بعينه، مختزلا بذلك العالم كله في مصالحه الشخصية.
من هنا يمكن فهم عقيدة هذا الشعب في حرية الرأي التي تصبح أكثر قداسة لديه من الإله نفسه، وهو ما يتضح في تعجبهم من موقف المسلمين الغاضب من هذا التصرف الأحمق، وفي استنكارهم للمقاطعة الاقتصادية التي تعد اعتداء غير مفهوم على رفاهيتهم مقابل تناول ساخر لأحد الرموز الدينية، إذ تجد من المضحك تعجب أحدهم من استنكار المسلمين إزاء تلقيه لسخرية مماثلة لرموز دينية مسيحية بدم بارد، ما دام الأمر لا يخرج عن نطاق حرية الجهة الساخرة في التعبير عن الرأي أولا، ولا يمس شيئا مقدسا لديه ثانيا.