ولم يرد مثل هذا الحديث في تربية الذكور من الأولاد.
عباد الله، ولو أردنا تتبع مظاهر تكريم المرأة في الإسلام لطال بنا المقام، ولكن فيما ذكر كفاية، ولعل من أراد الاستزادة أن يرجع إلى كثير من الكتب التي ألفت في هذا الباب ليرى بعين بصيرته مدى التكريم الذي وصلت إليه المرأة في الإسلام.
وهنا إخوتي لا بد من وقفة وهي: أننا مع الأسف أصبحنا اليوم في وضع المدافع، ندافع عن ديننا، نريد أن ندفع عنه التهم التي يلصقها به أعداؤه، وهذا والله ضعف وخور حدث في الأمة بسبب ترك ما أمر الله به وهو الدعوة إلى الله. ولو أننا قمنا بواجب الدعوة إلى الله، وغزونا هؤلاء الكفار في عقر دارهم بدعوتنا وبينّا محاسن ديننا. وقمنا كذلك ببيان فساد دينهم الذي هم عليه. وأنهم قد ظلموا المرأة والرجل والطفل في تعاملهم، لو قمنا إخوة الإيمان بذلك، لما احتجنا أن ندافع عن ديننا لأننا أصحاب حق وصاحب الحق قوي بحقه. ولكن نحن اليوم بحاجة إلى إصلاح داخلي في ذواتنا وأنفسنا قبل أن نقوم بالإصلاح في الخارج والله المستعان.
موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1996)
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
الخطبة الأولى
أما بعد:
أيها المسلمون:
لقد مرت الأمة في تاريخها الطويل بأزمات كثيرة بل بنكبات عديدة كان المسلمون يفقدون فيها تمكنهم في الأرض أحيانًا, وأحايين كثيرة كانوا يفقدون أمنهم وطمأنينتهم! وأحيانا كانوا يفقدون ديارهم وأموالهم!.
وهكذا الفتن والمصائب والنكبات -يا عباد الله- إذا نزلت بالأمم وحلّت بالشعوب! لكن الأمة الإسلامية -مع ما سبق ذكره- لم تمر بتجربة أقسى ولا وضع مؤلم ولا واقع مشين أقسى من تجربتها ووضعها وواقعها الحالي! فـ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعون [البقرة:156] .
إليكم -يا عباد الله- نماذج وأمثلة من نكبات وأزمات مرت بأمة الإسلام على مر تاريخها, ثم كيف اجتازتها وخرجت منها, لنصل إلى أزمتنا الحالية, وما السبب في بقاء الأمة هذه الفترة الطويلة من الزمن دون مخرج؟!
فنبدأ بأزمة الردة:
حينما ارتدت قبائل عن الإسلام في زمن خلافة الصديق !
أزمة حادة ولا شك! دولة الإسلام كانت دولة ناشئة, دولة طريَّة, وكان أمامها عقبات كثيرة يطلب منها أن تجتازها! فتأتي قبائل بأكملها -كانت قد دخلت في الإسلام وكان يؤمل عليها أشياء وأشياء- فإذا بالخبر أنها قد ارتدت عن الدين ورجعت كافرة مشركة بعد أن كانوا مسلمين!
أزمة مرت بالمسلمين! لكن منذ بدايتها وفي أول لحظة منها لم يخالج الصحابة أدنى شك في أن النصر سيكون للدولة المسلمة وليس للمرتدين هنا أو هناك!
لماذا أيها الأحبة؟ وما هو السبب؟
السبب هو أن صلتهم بربهم وإخلاصهم لدينه وصدقهم مع الله كان أضعاف أضعاف إيمان المرتدين بباطلهم المزيف الذي يقاتلون من ورائه, مع خلو موقفهم من أية قيمة حقيقية إلا الهوى والشهوات!
وما كان من جزع الصحابة -رضي الله عنهم- ومشورتهم على أبي بكر -- بالتريث في قتالهم, لم يكن ذلك لشك في نفوسهم أن الله سينصر دينه. إنما كانت مشورتهم من أجل إتاحة الفرصة لتجميع الجيش الكافي للمعركة!.
ولكن إيمان أبي بكر الراسخ -- وثقته العميقة بوعد الله بالتمكين لهذا الدين في الأرض, وحساسيته المرهفة أن يترك الخارجين على أمر الله دون أن يسارع في توقيع العقوبة التي أمر الله بإنزالها بهم, كل ذلك قد فعل فعله في نفوس الصحابة -رضي الله عنهم- فوقفوا صفًا واحدًا خلف أبي بكر, ونصر الله دينه كما وعد! ومرت الأزمة بشكل طبيعي!!
تأتي أزمة ثانية:
فتنة مقتل عثمان ! -خليفة المسلمين, أمير المؤمنين-
الحاكم يُقتَل في بيته من بين أهله وعلى مرأى ومسمع من الناس!! والصحابة حضور يشهدون الحادثة!!
إنها أزمة حادة ولاشك! ابتلي بها المسلمون والدولة ما تزال في نشأتها, وعداوات الأرض قائمة من حولها!
لكن الناظر إلى مجريات الأمور يومئذ يرى أن هذه الأزمة أيضا مرَّت ولم يحصل شرخ في الدولة!
ما السبب؟
السبب: هو أن الخلاف الذي حصل بين المسلمين -على كل عمقه, وعلى كل ما أثاره من فُرقة في صفوفهم- كان خلافًا على"من يتولى الأمر ليمكن للإسلام في الأرض", ولم يكن خلافًا على الإسلام ذاته!.
انتبه!
لم يكن خلافهم على الإسلام ذاته:"هل يصلح أن يكون قاعدة حياتهم أو لا يصلح؟ هل نحكم به أو لا نحكم؟ هل نأخذه كله أو بعضه؟".
هذه القضايا كانت محسومة عندهم!!
ولهذا: عندما تأتي أزمة كهذه:"قتل ولي أمر المسلمين", لا يمكن أن يسبب ذلك سقوطًا للدولة, أو شرخًا في نظام الحكم! فيعالج الأمر فتعود المياه إلى مجاريها!
لأنه ما تزال نفوسهم مشبعة بالإيمان, وقناعتهم بالإسلام بأنه منهج حياة!!
مثال ثالث:
أزمة الحروب الصليبية وحروب التتار التي عصفت بالأمة وقتًا من الزمن!
كانت أزمة حادة في حياة المسلمين, وبدا أنها يمكن أن تطيح بالكيان الإسلامي كله وأن تجتث المسلمين من الأرض!
لكن ماذا كانت النتيجة؟ ماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة الواقعية غير ذلك, وجاء النصر من عند الله في النهاية.
أما البداية فقد هزم المسلمون أمام أعدائهم الصليبيين! لأن واقعهم كان واقعًا سيئًا, مليئًا بالمعاصي والبدع والخرافات والانحرافات والشتات والفرقة والانشغال بالدنيا عن نصرة دين الله والتمكين له في الأرض, لذلك اجتاحت جيوش الأعداء أراضي المسلمين وأزالت سلطانهم إلى حين!
لكن في النهاية جاء نصر الله -عز وجل-!
لماذا؟
لأن جذوة العقيدة كانت ما تزال حية في النفوس! وإن غشيتها غاشية من التواكل والسلبية أو الانشغال بشهوات الأرض.
فما إن تحرك العلماء وجاء القادة المخلصون الذين يردون الناس إلى الجادة بدعوتهم للرجوع إلى حقيقة الإسلام حتى صحت الجذوة واشتعلت!
قام صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله تعالى- يقول للناس: لقد هزمتم لبعدكم عن طريق الله! ولن تنصروا حتى تعودوا إلى الطريق!
وقام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يدعو لتصحيح العقيدة مما طرأ عليها من غبش المتكلمين وضلالاتهم, ومن تأويل الفرق وتحريفاتهم!
وصاح قُطُز -رحمه الله تعالى- صيحته الشهيرة:"وا إسلاماه!".
وتبعتهم جماهير الأمة المسلمة, فصدقت الله في عقيدتها وسلوكها وأخلاقها! فجاء نصر الله -جل جلاله- وتغلب المسلمون على أضعافهم من المشركين والكفار!
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .
فأولئك غيروا ما بأنفسهم فغير الله حالهم من هزيمة وذلة إلى نصر وعزة!
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8] .
مثال رابع:
أزمة الأندلس!
أقام المسلمون دولة في أرض الأندلس, بهرت الشرق والغرب, حيَّرت القريب والبعيد في منجزاتها وحضارتها وإدارتها!
لكن ما هي إلا سنوات وتسقط هذه الدولة, عقابًا ربانيًا للمسلمين, على تفرقهم في نهاية الأمر وتشتتهم وحرب بعضهم لبعض, بل وتعاونهم مع أعدائهم من الصليبيين ضد بعضهم البعض، واتخاذ أولئك الأعداء الكفار بطانة من دون المؤمنين -مخالفة لأمر الله جل وعز-, وهم لا يألونهم خبالًا, بالإضافة إلى الفتنة بشهوات الأرض, المباح منها وغير المباح!
ومن عقوبة الله جل وتعالى: أن الأندلس لم تعد إلى حظيرة الإسلام! وخرج المسلمون من الأندلس, وقُتل منهم من قتل، وسبي منهم من سبي!
لكن كل هذه الأزمة -على حدتها وعلى شدتها وضراوتها- هل قضت على المسلمين؟
الجواب: لا!