فهرس الكتاب

الصفحة 1163 من 3028

الجواب: لا, فإن طاقة الأمة في مجموعها لم تكن قد استنفذت! ففي ذات الوقت الذي انحسر فيه ظل الإسلام عن الأندلس: كانت هناك دولة قوية فَتِيَّة شابة في سبيلها إلى التمكن في الأرض, وهي الدولة العثمانية!

وفعلًا, استطاع المسلمون الأتراك أن يقيموا دولة إسلامية تحفظ كيان المسلمين أربعة قرون كاملة!

أربع مائة سنة أرعبت دول الغرب في ذلك الوقت وأحيت فريضة الجهاد في سبيل الله! وامتدت داخل العالم الصليبي حتى وصلت إلى"فينَّا"! ودخل في الإسلام على يديها ملايين من البشر في أوروبا وآسيا على السواء!

أيها المسلمون:

إن ما ذُكرَ مجرد أمثلة سريعة من بعض مصائب وأزمات الأمة على مر تاريخها الطويل, وكيف أنها اجتازت كل هذه العقبات وكل هذه المعوقات!

نأتي إلى الفترة الحالية التي تمر بها الأمة!

هذه الأزمة التي يعانيها المسلمون اليوم هي أقسى وأشد من جميع الأزمات السابقة من جهة, ومن جهة أخرى: طالت عن سابقتها وصار الناظر يرى أن الفجر بعيد.

عندما وقعت الحروب الصليبية -بين المسلمين والصليبيين- والتي استمرت حوالي مائتي عام, وجاء بعدها غارات التتار على ديار المسلمين: كان المسلمون قد شغلوا عن الإسلام الصحيح ببدع وخرافات ومعاصي, وتواكل وتقاعس وقعود عن الأخذ بالأسباب!.

ولكن الإسلام ذاته لم يكن في نفوسهم موضع نقاش, لا بوصفه عقيدة ولا بكونه نظام حكم أو نظام حياة! وحتى حين كانوا يهزمون أمام الصليبيين أو أمام التتار، ومع ما كان ينزل بهم أعداؤهم من القهر والقتل والخسف, لم يكن صدى الهزيمة في نفوسهم هو الشك في الإسلام! بل كانوا يعتقدون بأن ما أصابهم ما هو إلا لبعدهم عن الدين! كانت تنزل بهم الهزائم والنكبات, لكن لم يكونوا يتطلعون إلى ما عند أعدائهم من عقائد أو أفكار أو نظم أو أنماط سلوك! بل كانوا يشعرون -حتى وهم مهزومون- بازدراء شديد لأعدائهم! كان التتار في حِسِّهم همجًا لا دين لهم ولا حضارة! كان الصليبيون في نظرهم هم الكفار المشركون عباد الصليب, كانوا يرونهم منحلِّي الأخلاق لا غيرة لهم ولا عرض!!.

لذلك لم يهنوا حتى وهم مهزومون أمام أعدائهم فترة غير قصيرة من الزمن, ولم يشعروا أنهم أدنى من أعدائهم! بل كان يتمثل فيهم قول الله تبارك وتعالى: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [آل عمران:139] . وكانوا مؤمنين حقًا!.

نسأل الله جل وتعالى إيمانًا في قلوبنا وعملًا صالحًا لآخرتنا وأن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدًا وأن يعجل فرجها, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول هذا القول وأستغفر الله جلّ وتعالى لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه وأشكره على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, تعظيمًا لألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته, وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله, الداعي إلى جنته ورضوانه, فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وعلى أصحابه, وسلم تسليمًا مزيدًا.

أما بعد:

أيها المسلمون: إن واقع المسلمين في أزمتهم الحالية وفي بعض نكباتهم المعاصرة -كما قلنا- أشد من كل سابقاتها! لأن الدين نفسه قد تزعزع في نفوسهم!.

هذا هو السبب - يا عباد الله -!.

تخلخلت العقيدة في القلوب فأصبح الشك في صلاحية الإسلام! وحصل الانبهار بحضارة الغرب وصار الإعجاب بإنجازات الكافر, وفتح باب الاستيراد من الغرب على مصراعيه: نستورد السيارات والأجهزة والأدوات والأثاث ونستورد معه الأخلاق والسلوك والأفكار بل وحتى العقائد ونُظُم الحكم والتشريع! فأصبح هناك مسافات بعيدة جدًا بين الإسلام الصحيح وبين واقع المسلمين! عبادات الناس قد تغيرت, أخلاقهم تغيرت, سلوكهم تغير, بل دينهم تغير -والعياذ بالله-, خلت حياة الناس من الروح, وأصبحت الحياة كلها تقاليد موروثة يحافظ عليها من أجل أنها تقاليد، لا من أجل أنه دين, فالعبادة تقاليد, والسلوك تقاليد, وحجاب المرأة -الذي صار كل يوم يتقلص- تقاليد, وقضية العرض - في بعض المجتمعات - أيضًا أصبحت تقاليد!.

لقد عرف العدو في هذه المرة: كيف يغزو العالم الإسلامي؟! لم يستخدم في هذه المرة الدبابات ولا قاذفات النار عبر القارات! استخدم ما يسمى بـ"الغزو الفكري"! ترك الغزو الفضائي والغزو البري, وأحكم قبضته على العالم الإسلامي بالغزو الفكري, وهو: أن يسلط على المسلمين فكره وخلقه وسلوكه, الغزو الفكري: أن يقتنع المسلمون وأن يُقنَع مجتمعات المسلمين بكل ما لديه, الغزو الفكري: أن يجعلك تنظر للغرب بأنه هو الأعلى وأنه هو الأكمل وأن ما عنده هو الأحسن، وتشعر في قرارة نفسك بالذلة والمهانة! فإذا ما حصل هذا, وقد حصل كل هذا, وأكثر من ذلك مع كل أسف؛ سلم المسلمون ديارهم وأموالهم للغرب يلعبون فيه كيفما شاءوا, ويأخذون ما شاءوا, دون حسيب ولا رقيب, وصارت خيرات هذه الأمة تستنزف لتصب في جيوب وبطون أعدائها!.

وهل توصل الغرب -يا عباد الله- إلى ما توصل إليه في يوم وليلة؟ بالتأكيد: أنه لا, لكن الأهم من هذا: معرفة بعض طرقه الذي استخدمها للتوصل لمراده!

من هذه الطرق والوسائل: أنه سُلِّط على العالم الإسلامي إعلامًا متكاملًا, مقروءًا ومسموعًا ومشاهدًا, وكله يصب في قناة واحدة؛ تقبُّل فكر وخلق وسلوك الغرب وإظهاره بمظهر الأفضل, وانتقاد كل ما له تعلق بالدين من جهة أخرى!.

مرة؛ عبر مقالة لمن يهوى القراءة, ومرة عبر أغنية لمن يهوى الاستماع, ومرة بل ومرات عبر تمثيليات ومسرحيات ساقطة تقوم على العشق والحب والغرام, وتهدم أخلاق وقيم الإسلام في نفوس الناشئة الذين يتلَقَّوْن هذا السيل الجارف!.

ورغم كل ما خرب الغربُ وهدم ودمر في ديار المسلمين لم يقتنع بعد وصار بعد كل فترة يخرج لنا بجديد لإيصال نتنه وزبالة فكره وخلقه لمجتمعات المسلمين! وخرج لنا في السنوات الأخيرة بهذه الأطباق التي وضعها عدد غير قليل من المسلمين فوق بيوتهم إعجابًا بها وانبهارًا بما تنقله وتدخله في كل بيت! فأصبح الغرب وهو في مكانه وعبر هذه القنوات يدخل في بيوت المسلمين ما يشاء من فكر وخلق وسلوك ودين, لا يمر على رقابة إعلامية ولا غير إعلامية, ويربي كل من في هذه البيوت التربية التي يريدها!.

واليوم جاءت شبكات الإنترنت بالإباحية والعري الفاضح! وقد بلغ عدد المواقع الإباحية على هذه الشبكة أكثر من نصف مليون موقع! أكثر من نصفها تهتم بالشذوذ والرذيلة والعياذ بالله!

إن هذه الشبكات بوضعها الحالي تمثل خطرًا داهمًا على دين الأمة وعقيدتها وأخلاقها وعاداتها!.

وما مقاهي الإنترنت المنتشرة في كل شارع وزاوية إلا أوكار للفساد وبيوت للدعارة!.

فتأملوا إلى أي حد وصل بعض التجار النفعيين عندنا حتى بدؤوا يتاجرون بدين الأمة وأخلاق شبابها بل وشاباتها! وأظن أن بعض أولياء الأمور لا يعلمون أن هناك عددًا من المشاغل النسائية بدأت بتجهيز غرفة خاصة لمن تريد أن تستخدم شبكة الإنترنت! وأصبحت المشاغل أشبه ما تكون بالمنتديات لتجميع الفتيات‍ ،والأب يظن أنها ذهبت للمشغل من أجل إصلاح ملابسها ولم يعلم أنها ذهبت لتذبح أخلاقها وتقتل حياءها!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت