1ــ الإلهام (ومثله الكشف والإشراق) ، وهو وقوع معنى في النفس ، خارج عن الأسباب المتقدمة ، قال الإمام النسفي في عقيدته والإلهام ليس من أسباب المعرفة بصحة الشيء عند أهل الحق )) والمقصود أنه لا يصلح للاحتجاج والاستدلال وإن كانت النفس تميل إليه ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (( لقد كان في من قبلكم مٌحَّدثون فإن يكن في أمتي يكن عمر ) ) [ متفق عليه عن أبي هريرة ] والمقصود بالمُحَّدثين الملهمون لكن ذلك لا يصلح للاحتجاج والاستدلال فلم يكن عمر رضي الله عنه ولاغيره من الملهمين يحتجون على مخالفيهم بالإلهام والتحديث وإلا كان في معنى الوحي ، والفرق بينه وبين الوحي أن الموحى إليه يجزم ويقطع بأن ما ألقي إليه من الله بخلاف ما يقع في النفس فقد يكون من الشيطان أو من التوهم ، وكان من عبارات السلف رضي الله عنهم قولهم في تقرير المعاني: (( إن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان ) ).
2ــ الرؤى والمنامات والأحلام ، وهي لا تفيد العلم ولا تصلح للاحتجاج وإن كان بعضها قد يشير إلى الوقائع الماضية أو المستقبلية ، بخلاف رؤى الأنبياء فإنها حق ، وقد جاء في الحديث: (( الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة ) ) [ متفق عليه عن أبي هريرة ] . قال العلماء: (( ولا يجوز أن يثبت بالرؤيا شيء حتى لو رأى واحد في منامه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بحكم من الأحكام لم يلزمه ذلك ) ) [ البحر المحيط للزركشي1/62] .
3ــ التنجيم والكهانة وحركات الكواكب والأفلاك ، وهي كلها لا تفيد علمًا ولا ظنًا ، وقد ضلت كثير من الأمم بالاعتقاد بالتنجيم والكهانة ، ومنها العرب في الجاهلية الأولى وقد قال صلى الله عليه وسلم: (( من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) ) [ أخرجه أحمد والحاكم عن أبي هريرة ] . وقد توسعت الجاهليات الحديثة في الاعتماد على كلام المنجمين والعرافين لمعرفة الغيب المستقبل ، وهذا لبعد الصلة بينها وبين هداية الوحي ، إذ الغيب لا يعلمه إلا الله ، قال تعالى { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء } [ الأعراف: 188] . وقال عزوجل { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا } [ الجن: 26 ] .
تنبيهات:
1ــ غلا بعض المسلمين من المتصوفة وغيرهم فعدَّ الإلهام والكشف والإشراق من مصادر العلم ، وبعضهم يعده حجة للنفس لا للغير ء، وهذا كله باطل يتنافى مع ثوابت الإسلام وقطعياته ونصوص علمائه ، وبعضهم يسميه العلم اللدني محتجًا بقصة موسى عليه السلام مع الخضر ، والحق أن الخضر كان نبيًا وما علمه الله تعالى وحي أوحى به إليه لأن كل علم يلقى في النفس مع تيقن أنه من الله فهو وحي ، بخلاف الإلهام كما سبق قال تعالى: { وما فعلته عن أمري } [ الكهف: 82 ] .
وقد سبب هذا الغلو انحرافًا كبيرًا في الاستدلال على كثير من القضايا ، وسبب لبسًا بين الوحي الذي انقطع بوفاة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وبين الإلهام ، وجعل بعض المدعين يتطاول على العقيدة والشريعة مدعيًا الأخذ عن الله مباشرة دون واسطة كقول بعضهم: (( حدثني قلبي عن ربي ) )، وقول الآخر: (( أخذتم علمكم ميتًا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت ) )وبعضهم يتجرأ على تصحيح الأحاديث وتضعيفها بالكشف والإشراق ، وفي هذا ضياع لضوابط علوم الإسلام واختلاط للحق بالباطل .
للحافظ ابن حجر كلام نفيس في شرحه على صحيح البخاري (1/220) يحسن الرجوع إليه .
2ــ كون العقل وقضاياه من مصادر العلم لا يعني أن العقل بمجرده مصدر من مصادر التشريع الإسلامي ، فهناك فرق بين الأمرين ، فالعلم الذي نعنيه هنا هو الإدراك ، أما مصادر التشريع الإسلامي فهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس وهي المصادر الأصلية ، وتوجد مصادر أخرى كالاستصحاب وسد الذرائع والعرف ومحل العقل في الفقه والتشريع هو في قواعد الاستنباط والاجتهاد من هذه المصادر كما سيمر معنا إن شاء الله .
3ــ لا يمكن التعارض بين ما ثبت بأحد مصادر العلم ، وهي الوحي والحس والعقل مع ما ثبت بمصدر آخر ، لأن الوحي من عند الله وما ثبت بالحس اكتشاف لما خلقه الله ،وما ثبت بالعقل تقرير للحقائق التي أودع الله في النفوس الجزم بصدقها ، فإذا ما وجد تناقض ظاهر بين أمرين فإن ذلك دليل على عدم كون أحدهما ثابتًا بالمصدر الذي ينسب إليه ، أو على أن المراد بالوحي غير المتبادر فيجب عندها التأويل ، وذلك كما إذا تعارض نص قرآني مع أمر حسيٍّ وجودي ،فبما أن القرآن مقطوع بصحة نقله بالتواتر وهو مفيد للعلم الضروري فلا يمكن ادعاء عدم القرآنية فإما أن يكون مراد الله في الآية بخلاف ما ظهر للمتأمل فيجب التأويل ، أو يكون ما ادعيَ أنه من حقائق الحس والوجود أمرًا ظنيًا ( نظرية ) لم يصل إلى درجة اليقين فلا يفيد العلم بالتالي ، وبهذا يندفع التعارض .
وكذلك قد يدعي بأن العقل يحكم بقضية ما وتكون من المغالطات لا من الحقائق العقلية فينتج من هذا كله وجوب التعمق في مصادر العلم الثلاثة ومعرفة ما يفيد العلم القطعي مما لا يفيده من الروايات ، والتفريق بين ما ثبت في العلوم الحسية التجريبية ( القطعيات ) وما لم يثبت ( النظريات ) ، والتمييز بين قضايا العقول الصحيحة ( البديهيات ) والمغالطات ومعرفة الفرق بين دلالات النصوص القطعية والظنية ، فالقرآن قطعي الثبوت بجميع آياته لكنه من حيث الدلالة منه ما قطعي - لا يحتمل إلا معنىً واحدًا- ومنه ما هو ظني - يحتمل أكثر من معنى - .
أما السنة فهي من حيث الثبوت على نوعين:
قطعي الثبوت وهو المتواتر ، وظني الثبوت وهو المروي من طرف الآحاد إذا لم تحتف به القرائن .
والسنة من حيث الدلالة كالقرآن منها ما هو قطعي ومنها ماهو ظني .
ومعرفة هذه المقدمات ضرورية لكل من أراد معرفة الحق من الباطل .
في حوالي القرن الأخير (1870 تقريبًا إلى) اليوم ألقى الفكر الإسلامي والثقافة العربية نظريات ومذاهب وافدة كثيرة، في مختلف مجالات اللغة والدين والاجتماع والحضارة التربية والتراث.
وهي نظريات فرضت في الأغلب فرضًا تحت ضغط ظروف الغزو الاستعماري والاحتلال البريطاني والفرنسي للعالم الإسلامي. وقد ألقيت هذه النظريات من خلال الإرساليات ومعاهدها وفروعها، وكان مجال الصحافة والتعليم والثقافة أبرز ميادينها.
وقد غلف الدعاة إلى هذه النظريات دعوتهم بحماسة الرغبة في النهضة والتجديد والاستجابة لروح العصر، والخروج من الجمود، وكسر قيود التقليد ومقاومة الرجعية والتماس مناهج الغرب الناهض في خطوه، لمساواته ومحاذاته.
وقد حملت هذه الدعوات أساسًا فكرة واضحة، هي أن أمتنا وأوطاننا ليست من العرب ولا متصلة بأفريقيا وآسيا ولا تربطها بالصحراء العربية رابطة، ولكنها متصلة باليونان قديمًا، وبالغرب حديثًا.
وقد امتدت هذه النظريات إلى العقل فقالت أن العقل المصري والسوري والمغربي هو عقل أوروبي، وأن الفكر الإسلامي هو فكر يوناني، وما إلى ذلك من مجازفات خارجة عن أدنى حدود العلم والمنطق والتدقيق. وكلها تهدف إلى عزل كل وطن عربي عن العرب كأمة وعرق من ناحية وعن الإسلام كفكر وثقافة من ناحية أخرى.