وقد صدرت مؤلفات تحمل مثل هذه الآراء أريد بها إحداث ضجة كبرى، كعامل هام في سبيل ترديد هذه النظريات الوافدة وإعادة غرسها في العقول والنفوس. وقد جرت المساجلات ساخنة ومثيرة، حول هذه الأفكار ثم انتقلت هذه القضايا من أعمدة الصحف إلى منابر الجماعات إلى مجال البرلمان، وكان نفوذ الاستعمار وقواه تعمل في مجال البرامج التعليمية والمناهج الجامعية والصحف الكبرى والأسماء اللامعة من أجل إقرار هذه الآراء.
غير أن هذه النظريات لم تلبث طويلًا حتى تحطمت، وما عتمت هذه التيارات أن قضي عليها، وفشلت في تحقيق الهدف منها، ذلك أن ذاتية الفكر العربي الإسلامي المستمدة من قيمه ومقوماته الأصيلة عميقة الجذور قد رفضت هذه المحاولات التغريبية لإخراج هذه الأمة من جلدها وإذابتها في الفكر الأممي الشعوبي، غير أن الأمر لم يتوقف بالتغريب عند حد الهزيمة فإنه سرعان ما جدد هذه الدعوات وألبسها صورة جديدة وقدمها مرة أخرى وما تزال رحى المعركة دائرة بين الزيف والصحيح، وبين الأصالة والتبعية.
في مقدمة هذه النظريات تكريم أدب الإغريق وإعلاء أدب اليونان على الأدب العربي، ودعم شأن الإقليميات الضيقة: كالمصرية والفينيقية والبربرية وغيرها من الدعوات، والنهي على العرب ومحاولة انتقاص وجودهم وكيانهم، وإثارة الخلاف ومحاولة تمزيق الرابطة العضوية بين العروبة والإسلام، ومعارضة الشريعة الإسلامية وإثارة الشبهات حول أصالتها، ومقاومة اللغة العربية الفصحى والدعوة إلى العامية، هذا إلى المحاولات الضخمة المبذولة من أجل دحر الحقيقة الواضحة الكبرى وهي أن الإسلام دين ونظام اجتماعي معًا، هذا فضلًا عن محاولة توجيه النقد إلى القرآن ووصفه بأنه كتاب أوربي أو كتاب وضعه النبي محمد وكذلك إلى إسقاط الحضارة الإسلامية وإنكار عطائها للحضارة العربية، والدعوة إلى ما يسمى عالمية الثقافة، وهو تذويب قيم الثقافة العربية في أتون الفكر الغربي مع الفروق الواضحة بينهما. ومحاولة توسيد قيم وافدة في مجال التربية والتعليم تتعارض مع ذاتية الأمة ومزاجها النفسي، وذلك إلى مهاجمة التراث العربي الإسلامي وإثارة الشكوك حوله وانتقاصه.
كما عهدت حركة التغريب إلى إذاعة نظريات فرويد تتعارض مع قيم الفكر الإسلامي، ومن أبرز هذه المخططات العمل على انتقاص أعلام الإسلام وأبطاله، فضلًا عن طرح مفاهيم غربية في البطولة نفسها تستمد طابعها من مفهوم المسيحية الغربية القائم على ما يسمونه الخلاص، وكذلك إذاعة الأدب المكشوف والإباحية الفكرية مع الدعوة إلى الإلحاد من خلال مفاهيم الفلسفة المادية، هذا بالإضافة إلى محاولة إعلاء اتجاه التعبير المادي في مجالات التاريخ والاقتصاد والاجتماع.
وقد راجت هذه الأفكار رواجًا شديدًا، ووجد النفوذ الاستعماري عن طريق أدواته العديدة، وفي مقدمتها المدرسة والصحيفة مجالًا كبيرًا لإذاعة هذه الأفكار ودعمها.
وصدرت في ذلك كتب عديدة وأثيرت مساجلات ومعارك أدبية متعددة.
غير أن هذه النظريات لم تلبث في ضوء الحقيقية أن سقطت وتحطمت.
حاولت هذه الكتابات أن تنقل وجهات النظر التغريبية إلى مجال الفكر العربي الإسلامي في مختلف مفاهيمه واعتمدت على وجهات نظر المبشرين والمستشرقين وهي وجهات نظر خطيرة مغرضة مصاغة بعناية وحذر يراد بها إغراء القارئ العربي -وخاصة ذلك الذي لم يعرف كثيرًا عن الفكر الإسلامي- حتى يتقبلها بسرعة، وقد استخدم لها باحثون ألقيت إليهم أضواء واسعة من الشهرة والمكانة.
وقد اتصلت هذه الكتابات بالتاريخ والأدب والاجتماع واللغة العربية، وحاولت أن يتجرد من كل صلة لهذه العلوم بالإسلام في محاولة للتعمية والتضليل.
ولما كان الفكر الإسلامي يمثل وحدة كاملة، وكانت هذه العلوم أجزاء منه يتكامل بعضها مع البعض الآخر، دون أن ينفصل أحدها أو يشكل وحدة مستقلة، فقد رأى دعاة التغريب في مكر بالغ، أن يبتعدوا عن (الإسلام) كدين بصورة واضحة، وأن يجعلوا ضرباتهم موجهة إلى هذه الجوانب حتى يكونوا في مأمن من حملات العلماء، وحتى يتحقق لهم بهدم هذه النواحي إصابة الإسلام في قلبه وأعماقه.
فهذا كتاب يريد أن يصل صاحبه في بحث له طابع علمي براق إلى أن الخلاقة ليست أصلًا من أصول الإسلام وأن نظام الحكم كان حرًا طليقًا، إلى هنا والمسألة في نظر الباحث غير المتعمق -يسيرة وربما مقبولة، ولكن هناك هدف المحق وراء ذلك، ذلك هو الإدعاء بأن الإسلام كان دينًا روحيًا خالصًا وأن شئون السياسة والمجتمع والحكم لم تكن منه جزءًا لا يتجزأ، وبذلك أحدث الكتاب ثلمة خطيرة في أدق مقومات الإسلام الأساسية التي تفرق بينه وبين الأديان القائمة على العقائد وحدها دون الشريعة، وعلى اللاهوت وحده دون نظام المجتمع، ولكي نعرف مدى خطر هذا الرأي أن تلقفه المستشرقون ومضوا يصرخون بأن في الإسلام مذهبين وليس مذهب واحد أحدهما يقول بأن الإسلام دين وليس له دولة، وحيث أن مستشرقًا لم يجرؤ على هذا الإدعاء قبل أن يصدر مثل هذا الكتاب، وهذا الكتاب ما يزال في الأيدي، وهناك أكثر من بحث للرد عليه ودحض مزاعمه، ولقد كان علينا أن نعلم ما هي خفايا هذا البحث والغرض منه هنالك نجد أنه عمل سياسي أصلًا، أريد به معارضة اتجاه لإحياء الخلافة ومن ثم فقد انتصرت الدعوة في مجال الخصوم الحزبية والسياسية ولكنها تركت آثارًا مريرة في مجال الفكر الإسلامي، فقد أدخل مفهومًا ليس إسلامي الأصل، من مفاهيم الفكر الأوربي المسيحي القائل بالفصل بين الدين والدولة وهو ما لم يعرفه تاريخ الإسلام، ومن عجب أن كتابًا في الفقه الإسلامي لا تجد فيه مرجعًا واحدًا من كتب الفقه؛ وإنما يعتمد على مثل الأغاني والعقد الفريد !!
وهناك كتاب شهير أراد صاحبه أن يدعو الباحثين والأدباء إلى أن يحجبوا دينهم وقوميتهم وهم بسبيل البحت في الأدب، وكان ذلك جريًا وراء تغريب الأدب العربي بإخراجه من وضعه الصحيح في الفكر الإسلامي كجزء منه لا ينفصل، ولا يمكن دراسته إلا في موضعه الصحيح؛ فلقد كان للإسلام في الأدب العربي أثر ضخم بعيد المدى، ومن هنا فإنه من العسير أشد العسر أن ينفصل الأدب عن الفكر الإسلامي ولأن أن= يدرس حرًا من هذا الارتباط الاجتماعي والأخلاقي، وهو ارتباط عضوي أصيل.
ولقد جنى الأدب العربي من هذا المذهب الوافد في النقد الأدبي آثارًا مريرة عظيمة، فقد فتح الباب أمام إنكار نصوص الكتب المنزلة وفي مقدمتها القرآن، كما فتح الباب أمام محاولة نقد آيات القرآن وانه جزا الأدباء على التركيز على أبي نواس وبشار والضحاك على أنهم نماذج الأدب العربي، بينما أبعدت آثار الغزالي وابن تيمية وابن حزن، فضلًا أنه فتح الباب أمام الإباحيات والأدب المكشوف وإعلانه، والجرأة على قيم الإسلام، فضلًا عن خطأ إعطاء الأدب هذه الحرية في الحكم على أمور لا تدخل تحت نفوذه، وفي التوسع لفرض سلطانه على قضايا المجتمع والدين والتربية والأخلاق، وهذا ما لم يكن من مفهوم الفكر العربي الإسلامي المتكامل الشامل.