ولقد كان ذلك اتجاهًا خطيرًا في خطة التغريب يهدف إلى تحقيق نتائج مضللة تنكشف، فنحن نرى كيف أصبح مثل كتاب (الأغاني) مرجعًا من مراجع البحث العلمي والتاريخي تؤخذ منه النصوص ليُستدل بها في قضايا الدين والاجتماع والتاريخ، بينما لم يكن هذا الكتاب في الواقع إلا مجموعة من الأصوات الغنائية وقد وضعه مؤلفه للملوك والخلفاء لإزجاء فراغهم بقصص ذوي الأهواء وأهل الفن وأنه في ذلك لا يدخل في باب المراجع الموثوق بها ولا المصادر العلمية، وهو إلى ذلك لا يستطيع أن يمثل صورة حقيقية للحياة السياسية والاجتماعية في مجتمع زاخر بالقوى الفكرية من الفقهاء والعلماء والفلاسفة والصوفية والمؤرخون، وقد تأكد أكثر من مصدر أن أبا الفرج الأصفهاني ليس مؤرخًا ولا يصلح كتابه لأن يكون مادة تاريخ؛ وإنما هو جماع لقصص فيه الصحيح والزائف جمعه من الأسواق، وقد شهد عليه كثيرون بالانحراف: فقال اليوسفي المؤرخ:"إن أبا الفرج أكذب الناس؛ لأنه كان يدخل سوق الوراقين وهي مملوءة بالكذب فيشتري منها شيئًا كثيرًا من الصحف ويحملها إلى بيته، ثم تكون رواياته كلها منه"، بل إن المؤرخين قد وصفوه بأنه رجل عار عن الثقة به.
والحق أن الباحثين المسلمين قد التفتوا منذ وقت بعيد إلى خطر المصادر الأدبية كمراجع للبحوث العلمية والتاريخية، وقد أشار العلماء إلى مَن أسموهم"أهل الغفلة والهوى الذين اعتمدوا في تاريخهم على كتب الأدباء وأسفار الأخبار"، فأهل الأدب كما يقول القاضي أبو بكر ابن العربي:"هم الذين غلبت عليهم صناعة الأدب فمالوا إلى كل غريب من الأخبار دون أن يتحروا الصدق ويهتموا بالرواية والإسناد"، يقول القاضي ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم:"لتحذروا من أهل الأدب؛ فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين أو على بدعة مصرين فلا تبالوا بما رووا".
من خلال الاعتماد على مثل كتاب الأغاني (وكتب المحاضرات جميعها مردودة كمصادر علمية وتاريخية) وصل بعض الباحثين إلى القول بأن القرن الثاني من الهجرة كان عصر شك ومجون، وأن هذا الحكم قد صدر اعتمادًا على دراسة بعض الشعراء المجان، فاستطاع هذا الكاتب في جرأة عجيبة أن يقول بأن هؤلاء الشعراء يمثلون عصرهم ويخولون له الحق في إصدار حكم على العصر كله، بينما يوجد في ذلك العصر عشرات من الأدباء والعلماء والمفكرين والباحثين، ولا يمكن أن تتم صورة عصر إلا بدراسة النماذج المختلفة فيه.
وبعد فإن على شبابنا المثقف وكتابنا وأدبائنا أن يقفوا موقفًا علميًا كلما صدفهم مرجعًا أو مصدرًا من المصادر الشهيرة، وأن يسألوا أنفسهم سؤالًا صريحًا:
ألم تصدر في مناقشة هذه الآراء ردود أو معارضات.
ثم عليهم بعد ذلك أن يبحثوا عن هذه الكتب ويقرأوها.
فإذا كان من مصادر الكاتب أو الباحث كتب مثل: الشعر الجاهلي أو الإسلام وأصول الحكم أو فلسفة ابن خلدون الاجتماعية أو تحرير المرأة أو نظرية التطور أو حديث الأربعاء أو هامش السيرة أو مع المتنبي، أو مستقبل الثقافة أو الأخلاق عند الغزالي أو النثر الفني، أو غيرها من مؤلفات، فإن ضرورة التحقيق العلمي تقضي على القارئ أن يراجع كل ما كتب عن هذه الأبحاث من ردود ومعارضات؛ ذلك أن هذه الأبحاث لم تكتب إلا في ضوء تحديات خطيرة، هي تحديات الغزو الفكري والتغريب، وأن كُتابها يجب أن يعرضوا على قانون"الجرح والتعديل".
في عام 1971 كتبت إلى مجلة دعوة الحق الزاهرة البحث الأول في هذا الموضوع، ثم شغلت عنه وكان الهدف هو لفت نظر الباحث المسلم إلى أن هناك نظريات وافدة طرحت في أفق الفكر الإسلامي وقد تناولها الباحثون بالنقد والرد والتفنيد في وقتها، غير أن ذلك لم يجمع في حينه في كتاب، ومن ثم ظلت هذه الكتب التي تحمل النظريات متداولة كأنما هي حقائق ثابتة وأعيد طبعها مرات ومرات، ولقد لاحظت ذلك وتأثرت به حين رأيت الكثيرين من شبابنا المسلمين القادمين من كل مكان في العالم الإسلامي يبحثون عن سلامة موسى وطه حسين وعلي عبد الرازق ومحمود عزمي، فيجدون مقالاتهم المليئة بالشكوك مجموعة في كتب أنيقة ثم لا يجدون ما وُجه إليها من ردود وما فُند من اتهامات؛ لأنها لا تزال مدفونة في بطون الصحف والدوريات، ولقد دعاني هذا أن أجمع في مجلدين كبيرين أغلب هذه المعارك تحت عنوان (المعارك الأدبية) وتحت عنوان (المساجلات والمعارك الأدبية) ، وذلك في محاولة لكي أضع تحت عين القارئ وجهة النظر الأخرى التي كانت غائبة عنه والتي تكشف أن لكل رأي ردًا وأن مثل هذه المحاولات في فرض نظريات وافدة قد استشرى في فترة الثلاثينيات وما بعدها، واتسع نطاقه حتى شمل مختلف ميادين الفكر، ولكن الحق أن قضية ما من هذه القضايا لم تمر دون تمحيص؛ =ككتاب طه حسين عن الشعر الجاهلي ووجه بالرد من كثيرين وصدرت كتب عديدة في تفنيده منها (تحت راية القرآن) لمصطفى صادق الرافعي، كما صدر كتاب محمد فريد وجدي وكتاب محمد لطفي جمعة وكتاب للشيخ الخضر حسين وكتاب (النقد التحليلي) للدكتور محمد أحمد الغمراوي، هذا بالإضافة إلى عشرات الموضوعات والبحوث التي حفلت بها الصحف وجمعت بعد أطرافها في كتابيّ المذكورَين عن المعارك الأدبية. كذلك صدرت في السنوات الأخيرة أطروحة الدكتور ناصر الدين الأسد عن حقيقة الموقف في الشعر الجاهلي وانتحاله.
وبالنسبة إلى كتاب علي عبد الرازق عن الإسلام وأصول الحكم صدرت في حين صدوره رسائل مطبوعة للشيخ الخضر حسين ومحمد الطاهر عاشور والشيخ رشيد رضا، وصدر في العام الماضي كتاب ضخم مفصل عن هذه القضية للدكتور ضياء الدين الريس.
أما بالنسبة لما أثاره سلامة موسى عن اللغة العربية فقد نوقش وجمع، وكذلك ما اتصل بآراء ساطع الحصري ومحمود عزمي.
ولقد عورضت نظريات لطفي السيد عن الإقليمية المصرية وآرائه عن التعليم، ووجدت نظرية ثقافة البحر التي أثارها طه حسين ومحمود عزمي تفنيدًا وتصحيحًا، وكذلك عارض الباحثون نظرية أمين الخولي عن إقليمية الأدب، ورد الدكتور محمد أحمد الغمراوي على محاولات نقد النص القرآن التي قام بها زكي مبارك، وكذلك رد كثيرون على محمد أحمد خلف الله ورسالة القصص الفني في القرآن.
أما النظرية المادية التي عرضها شبلي شميل وسلامة موسى من بعد فإنها لم تمضِ بدون نقد ومراجعة وكذلك نظريات الدين في التربية.