فهرس الكتاب

الصفحة 1499 من 3028

وكانت أكثر الشبهات التي طرحت في أفق الفكر الإسلامي تستهدف السيرة النبوية والقرآن واللغة العربية والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، وفي معظم هذه النظريات فقد غلفها بريق كاذب وحاول صياغتها ووضعها في إطار علمي وصاحبتها دعوة طنانة إلى النهضة والتجديد والاستجابة لروح العصر والخروج من الجمود وكسر قيد التقليد ومقاومة الرجعية، وفي أعماقها دعوة صريحة إلى التبعية والانصهار في الفكر الغربي؛ إيمانًا بأن هذا هو الطريق الوحيد لمساواته ومحاذاته، وقد حملت هذه الدعوات أساسًا فكرة أن أمتنا ليست من العرب وأن الإسلام قد مر عليها كما تمر كل الدعوات وأن العقل المصري أو السوري أو المغربي هو عقل أوربي وأن الفكر الإسلامي أصلًا هو فكر يوناني، وما إلى ذلك من مجازفات تستهدف عزل المسلمين عن فكرهم الأصيل وعن كيانهم الخاص وذاتهم التي تتماثل. وقد صدرت مؤلفات أحدثت ضجة كبرى، لم تكن هذه الضجة بالقبول ولكنها كانت بالرفض، وجرت مساجلات ساخنة ومثيرة انتقلت من أعمدة الصحف إلى أندية الجمعيات إلى منابر الجامعات، ولكن هذه النظريات لم تجد قدرتها على الحياة؛ لأنها دخيلة وزائف ونبت لا يقوى على الحياة في أرض لم تمتصه وطقس لم يستسيغه، ولذلك ما لبثت أن تحطمت، وإن عمد الدعاة إليها إلى تجيدها مرة بعد مرة وإثارتها في صورة وأخرى، ومن هذه النظريات:

(1) إعلاء أدب الإغريق على الأدب العربي ومحاولة فرض الذوق الهليني على العرب.

(2) إعلاء شأن الإقليميات الضيقة كالمصرية والفينيقية والبربرية وغيرها.

(3) النعي على العرب والمسلمين ومحاولة انتقاص وجودهم وكيانهم.

(4) معارضة الشريعة الإسلامية وإثارة الشبهات حول أصالتها.

(5) مقاومة اللغة العربية الفصحى والدعوة إلى العاميات.

(6) التنكر للحقيقة الواضحة وهي أن الإسلام دين ونظام مجتمع في آن.

(7) محاولة توجيه النقد إلى أسلوب القرآن ووصفه بأنه كتاب أدبي.

(8) محاولة إسقاط الحضارة الإسلامية وإنكار إعطائها للحضارة الغربية.

(9) الدعوة إلى ما يسمى"عالمية الثقافة"ومحالة تذويب قيم الثقافة الإسلامية في أتون الفكر الغربي مع تجاهل الفوارق الواضحة بينهما.

(10) محاولة إثارة الشبهات حول العلاقات الجذرية بين الإسلام والعروبة.

(11) محاولة توسيد قيم مقتبسة في مجال التربية والتعليم تتعارض مع ذاتية الأمة ومزاجها النفسي.

(12) مهاجمة التراث العربي الإسلامي وإثارة الشكوك حوله وانتقاصه.

(13) إذاعة نظريات فرويد في النفس وسارتر في الوجودية ودور كايم الاجتماع، وكلها تتعارض مع قيم الفكر الإسلامي.

(14) انتقاص أعلام الإسلام وأبطاله.

(15) إذاعة الأدب المكشوف والإباحية الفكرية مع الدعوة إلى الإلحاد.

(16) محاولة إعلاء اتجاه المادية في مجالات التاريخ والاقتصاد والاجتماع.

وقد راجت هذه الأفكار رواجًا شديدًا وكثير ترديدا حتى كادت أن تصبح من المسلمات، ووجدت النفوذ الاستعماري عن طريق أدواته العديدة، وفي مقدمتها المدرسة والصحيفة مجالًا كبيرًا لإذاعة هذه الأفكار ودعمها.

وصدرت في ذلك كتب عديدة، منها: مؤلفات جورجي زيدان (التمدن الإسلامي) ، ومؤلفات طه حسين (حديث الأربعاء - في الأدب الجاهلي - مستقبل الثقافة - مع المتنبي - هامش السيرة) ، ومؤلفات سلامة موسى (اليوم والغد - البلاغة العصرية) ، وعلي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) ، ولطفي السيد (ترجمات أرسطو) ، بالإضافة إلى بعض كتابات توفيق الحكيم ومحمود عزمي، وزكي مبارك وإبراهيم مدكور وأمين الخولي وحسين فوزي ولويس عوض وزكي نجيب محمود.

غير أن هذه النظريات لم تلبث أن انكشف فسادها وزيفها وعرف المثقفون الأهداف القائمة وراء إذاعتها وترديدها.

ولقد أحدث الشيخ علي عبد الرازق"ثلمة"في الإسلام سيظل يحمل وزرها أمدًا طويلًا؛ فلأول مرة يجرؤ عالم أزهري مسلم إلى القول بأن الإسلام دين روحي وأنه لا صلة له بنظام الحكم، مهما كان سياق الدعوة أو ظروفها السياسية التي أراد أن يخدم بها حزب الأحرار الدستوريين أو الإنجليز أو المعارضين للملك فؤاد، فإنه في سبيل غاية هينة قد استخدم نصوصًا أراد بها أن يحجب حقيقة أساسية هي أن الإسلام نظام مجتمع ومنهج حياة متكامل، ومنذ ذلك اليوم يكتب المستشرقون فيقولون: إن في الإسلام نظريتين: إحداهما تقول بأن الإسلام دين ودولة، والأخرى تقول أن الإسلام دين روحي وصاحب هذه النظرية هو علي عبد الرازق ومَن سار على طريقه من بعده ومن خريجي الأزهر أيضًا مع الأسف.

هذه الثلمة تكذبها كل الوقائع التاريخية وكل النصوص والأسانيد. ومن يقرأ بحث علي عبد الرازق الذي حاول دعاة التغريب في السنوات الأخيرة إعادة طبعه ونشره بعد أن مات وانطوى أكثر من أربعين عامًا-يجدون أنه لم يعتمد على كتاب من كتب الأصول؛ وإنما كان اعتماده على مراجع أدبية كالعقد الفريد وغيره. وقد كان جُل اعتماد علي عبد الرازق على بعض الكتب التي صدرت في تركيا لتبرير إلغاء الخلافة وهي مؤلفات كتبها اليهود الدونمة الذين كانوا يطمعون في تحطيم هذا البناء منذ وقت طويل؛ حتى يستطيعوا أن ينفذوا إلى فلسطين بعد أن وقف السلطان عبد الحميد في وجههم سدًا منيعًا، وكل ما جاء به علي عبد الرازق نقلًا من هؤلاء إنما هو مستمد من نظريات الفكر المسيحي حول البابوية والفصل بين الدين والدولة وهو النهج الذي وصلت إليه أوربا بعد الصراع الطويل بين الكنيسة والشعب، وكان جُل اعتماده في نصوصه المنقولة على شطائر تؤيد وجهة نظره استعان بها وترك الأجزاء الباقية مغالطة منه وتبريرًا لوجهة نظره، بالإضافة إلى اعتماده على كتب المحاضرات والأدب وهي ليست مراجع للبحث الفقهي الجاد.

والحق أن الباحثين المسلمين قد التفتوا منذ وقت طويل إلى خطر المصادر الأدبية كمراجع للبحوث العلمية والتاريخية، وقد أشار كثيرون إلى"أهل العقل والهوى الذين اعتمدوا في تاريخهم على كتب الأدب وأسفار الأخبار"، فأهل الأدب كما يقول القاضي أبو بكر ابن العربي في كتابه"العواصم من القواصم":"هم الذين غلبت عليهم صناعة الأدب فمالوا إلى كل غريب من الأخبار دون أن يتحروا الصدق ويهتموا بالرواية والإسناد، وهم أهل جهالة بحرمات الدين أو على بدعة مصريين".

أما كتاب في الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي من بعده، فإن القضية الكبرى والأساسية التي حاول مؤلفه أن يفرضها هي أن على الباحثين أن يحجبوا دينهم وقوميتهم وهم بسبيل إلى البحث العلمي، نقول (حتى إذا كان دينهم هو الإسلام) الذي هو مصدر كل مناهج البحث وأساس علوم المعرفة والذي هدى البشرية إلى نقد الرواة وإلى الجرح والتعديل وإلى التأكد من سلامة المصادر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت