ومن هنا، فإن من حق الأكراد أن يتحرّوا ما يضمن حقوقهم ومصالحهم، لكن من خلال دستور عام عادل راشد متوازن يكفل حقوق الجميع دون تمايز، ودون انتهاز فرصة سانحة لتأصيل ما لا ينبغي أن يكون.. وإنا لنسأل إخواننا الأكراد: لماذا الضيق بالعروبة؟.. أليس في هذا الضيق إقتداء بصدام حسين الذي كان يضيق بالقوميات الأخرى: الكردية وغيرها؟.. أليس معقولا أن نقول: إن العروبة ليست اختراعا صداميًا فهي وجدت قبله وستظل باقية بعده؟.. ثم لماذا الضيق بالإسلام والحرص على استبعاده من الدستور؟.. إن الذي نعلمه ـ بيقين ـ هو: أن الكرد شعب مسلم في معظمه، ولا نتصور أنه فوض أحدا في النيابة عنه للتنكر للإسلام.. أيُهجر الإسلام بسبب صدام ونظامه؟.. ومن قال إن هذا الرجل ونظامه يمثلان الإسلام ويعبّران عنه؟.. لقد رزئ الإسلام بهما كما رزئ الكرد أو أشد.. ولماذا استدعاء الخيوط والدلالات التي تربط بين هذا التوجه وبين بول بريمر الحاكم الأمريكي السابق للعراق؟، فقد قال بريمر: «سأستخدم حق النقض (الفيتو) إذا نص مشروع الدستور العراقي على أن الشريعة الإسلامية مصدر التشريع» !.
إن زوال المخاطر السابقة ـ وأولها خطر طغيان صدام حسين ونظامه ـ لا ينبغي ـ في منطق العقلاء العمليين ـ أن يغيّب العين عن المخاطر الحاضرة والمستقبلة: المحدقة بالعراق.
وفي مقدمة هذه المخاطر: الفتنة الداخلية، وتمزيق العراق، وهما خطران متداخلان متناسلان.
من الحقائق الاستراتيجية التي ينبغي أن تعلم ولا تجهل: أن إسرائيل قد بنت حاضرها ومستقبلها وربطته بثلاثة عوامل في المنطقة، لا بد أن تحدث، ولا بد أن تدوم: أـ عامل الضعف العسكري لكل دول المنطقة. ب ـ عامل الفتنة الطائفية والمذهبية الذي يستديم عدم الاستقرار. جـ ـ عامل التقسيم والتفتيت.
ومن الدلائل على ذلك:
1 ـ أن كيسنجر (وهو معروف التوجه والانتماء) ، قد اقترح تقسيم العراق منذ سنوات طويلة، قد يكون في ذهنه يومها: ما يجري اليوم في العراق، أو قد يكون في ذهنه ساعتها: مجرد أمنية استراتيجية.
2 ـ غداة زوال النظام الطغياني في العراق، قال مارتن انديك (وهو معروف التوجه والانتماء) ، قال: «من السذاجة والغباء أن نشغل أنفسنا بقضايا الكهرباء والماء في العراق، فالمهمة العاجلة لاستقرارنا واستمرارنا هناك هي: إحياء القاعدة الاستعمارية القديمة: «فرِّق تسد» .
ثم ننعطف بالسياق إلى الأسباب الجوهرية لهذه الأزمة الخانقة الطاحنة.
وأول الأسباب هو: أن البدايات الخاطئة لن تؤدي إلى نتائج صحيحة، فإذا بدأت العملية الحسابية بخطأ، فإن هذا الخطأ سيظهر في كل نتيجة حسابية: بسيطة أو مركبة، ما لم يقع تنبُّه للخطأ وتصحيح له في قاعدة الانطلاق الحسابي.
وما جرى في العراق: انبنى منذ البدء على كذبة أسلحة الدمار الشامل.
وانبنى كذلك على سوء التقدير والحساب للأوضاع الاجتماعية والثقافية والأمنية والسياسية في العراق.
وليس أعداء الولايات المتحدة هم الذين يقولون ذلك، بل القائلون هم أمريكان الأصل %100، بل مسئولون أمريكيون.. فقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست» ، معلومة مروعة، وحقيقة مذهلة، إذ قالت: «إن الإدارة الأمريكية قررت خفض سقف توقعاتها الوردية في العراق، بعد أن أدركت أنها لا بد أن تكتفي بأقل القليل مما كانت تتوقعه» . ونقلت الصحيفة على لسان مصادر أمريكية رفيعة الموقع: «إن الولايات المتحدة كفت عن توقع ظهور نموذج جديد للديمقراطية في العراق، وعن توقع صناعة بترولية تتمتع بالاكتفاء الذاتي، وعن توقع قيام مجتمع لا يعاني أفراده من الإحباطات الأمنية والاقتصادية، وعن توقع وجود نظام علماني حديث متفوق على التخلفات الطائفية والعِرقية» .
ماذا بقي من الأهداف المعلنة للحرب المدمرة؟
الجواب: (صفر) ..
وهكذا، فإن قاعدة: «إن البدايات الخاطئة تؤدي إلى نهايات خاطئة أو نتائج خاطئة» ، هي قاعدة صحيحة في مجال السياسة، كما هي في مجال الرياضيات.
ما الحل؟.. الحل ـ بداهة ـ ليس في الحنين الآثم إلى نظام الطاغية الهالك، فالطغيان ذاته هو الذي أنجب الأسباب الكبرى للأزمة العاتية التي أشقت العراقيين جميعا.. وإنما يثوى الحل في التصحيح العاجل لقاعدة الحساب الخاطئة، وإلا فإن الأخطاء ستتناسل إلى ما لا نهاية.
وأول خطوة في تصحيح الحساب: تفكير وطني مستقل عن التوجهات (غير العراقية) : الإقليمية والدولية.. تفكير وطني يهضم دروس المحنة الكبرى ـ السابقة والراهنة ـ .. تفكير وطني معافى من عاهات خطايا النظام السابق في إدارة الشأن الوطني.. تفكير وطني ذو قاعدة جامعة راسخة هي: الإبقاء على العراق دولة موحدة على كل حال.
فمن ينصر القرآن؟
زين العابدين الركابي*
كلكم يبكي على المصحف النواح قرين العجز، وبضاعة العجزة.. نعم. ان الشعور بالغضب مما يسيئ ويجرح ويستفز: شيء طبعي. فغريزة الغضب راسخة في الانسان: رسوخ غرائز: الاقتناء، والطعام، والشراب، والدفاع عن وجود الذات وحياتها.. وليس آدميا صحيح التكوين من لا يغضب باطلاق.. لكن التعبير السوي عن الغضب ليس احتراف البكاء، ولا إدمان النواح. فما انتصر حق، ولا حَيَتْ أمة بالنواح.. هكذا أنبأنا التاريخ البشري.. وقول القائل (اقضي ليلي ونهاري باكيا نوّاحا) ، إنما هو قول أو سلوك (عدمي) انسحابي انهزامي: لا علاقة له بقوانين الكون والحياة، ولا بعزائم الدين.
لم تكد أنباء الإساءة الى القرآن في جوانتانامو تنتشر حتى ضج العالم الإسلامي بالاحتجاج.. و. و البكاء، والنواح.
وهذا لا يكفي.. فالقرآن أجل وأعظم من ان ينحصر الانتصار له في هذه المواقف الباهتة والسلبية التي تقتات التفجع فحسب.
ان (المنطق العملي) هو الذي يجب ان يكون سيد الموقف، وباعث الارادة، وموجه الطاقة.
فقد اصبح (المصحف) أو (القرآن) : حديث العامة والخاصة، وقضية حية في وسائل الاعلام عبر العالم.
كل ذلك جعل قطاعات كبيرة من الرأي العالمي تتساءل: ما المصحف؟ وما القرآن؟
وهنا تتهيأ الفرصة النفسية والزمنية للجواب العملي عن هذا السؤال.
حقيقة: ما العمل الواجب الذي يتعين أن يؤدى أداء، ولا يقضى قضاء: كبديل ـ لا غنى عنه ـ لمهرجان البكاء والنواح؟
إن العمل الناجز المطلوب هو:
أ ـ التوسع في خطط (تحفيظ القرآن) .
ب ـ التعريف بالقرآن.
أولا: التوسع في تحفيظ القرآن، بكل ما في كلمة (حفظ) من دلالات: الحراسة، والتيقظ، وتوقد الذاكرة، والتثبت والتحقق، واستدعاء المحفوظ واسترجاعه، والحفز على الحفظ.
ومن مقتضيات حفظ القرآن وبواعثه ودواعيه:
1 ـ ان من اسماء القرآن: (الذكر) :
أ ـ «ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم» .
ب ـ «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» .
جـ ـ «وهذا ذكر مبارك أنزلناه» .
د ـ «وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» .
ومن مفاهيم هذا الاسم للقرآن: أن يثبت القرآن في الذاكرة، ويُتذكر دوما.