-أن يقوم الحزب على مسلمات وهي بمثابة أساسيات وثوابت تكون بمثابة واجبات، وبمثابة مواد تحفظه من الزلل، وتضمن له الاستقامة إذا تنكب عن الاستقامة أحد، ولو كان هو الأمير بنفسه. فهي مقياس وجود وبقاء وحكم عند الاختلاف، ومن ذلك على سبيل المثال: لا يجوز للحزب التبعية لأي دولة أو هيئة أو منظمة دولية، أو الاتصال بها، أو التعاون معها بغض النظر عن أي تبرير؛ لأن ذلك هو انتحار سياسي.
-أن يكون قرار الحزب فرديًا، والشورى رشدًا، والنصح والمحاسبة أمارتي أخوة واستقامة، يقول الله عز وجل: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ? [النور 62] ? وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ? [الشورى 38] ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [التوبة 71] .
-أن تقوم الكتلة على فكرةٍ واضحةٍ ومحددة، وطريقةٍ من جنسها. وأن يكون إعداد الأشخاص على أساس ثقافتها لتكتمل بذلك إرادتهم لتحقيق غايتها. وكل هذا لا يكون إلا اذا كانت الكتلة مبدئية، بذلك تضمن معالجة الواقع معالجة مبدئية لتضمن العلاج، لا معالجة واقعية تجعلها رهن التخبطات الآنية. فالمبدأ دائمًا ثابت يعلو ولا يُعلى عليه قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه» .
وبناءً على كل ما تقدم، فإن إعادة الكيانية الصحيحة القويمة للأمة يوجب إعادة صهرها، وبنائها وفق المقاييس التي تصنع بها، وذلك من خلال العود الصحيح عبر طريقة صناعة هذه الكيانية، وذلك من خلال السير في طريق الإسلام التي ترسمها النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بايجاده كيان الكتلة -كتلة الصحابة- التي من خلال هضمها للإسلام ثقافة ورسالة، قامت بالصراع الفكري والكفاح السياسي بغية الهدم والبناء في آن، لبناء المجتمع الإسلامي وإقامة الدولة وإقناع أهل القوة بضرورة الحكم بالإسلام وحمل رسالته للعالم. لذلك فإن بناء كيان الأمة على مقاييسها لا بد أن يمر عبر بناء الكتلة على مقاييسها، ومن ثم يقوم بناء الدولة على مقاييسها، وبذلك تعود الأمة طبيعيًا لتتجسد من جديد بمقاييسها، لتعود أمة إقدام وعزة، وكرامة، تقتعد ذرى المجد كخير أمة أخرجت للناس، فلا بد من سقي الأمة أحكام الإسلام من خلال زرع مقاييس الإسلام على سبيل المثال: عندما نقول تحرم مداهنة الحكام وزبانيتهم، فلا بد أن يكون ذلك باعتبار مقياس الإسلام الذي يظل ثابتًا في كل زمان ومكان ألا وهو الحلال والحرام، ومن خلال مقياس الإسلام في التمايز بين الحق والباطل الذي يناقض وينقض مقياس الرأسمالية في التقريب بين الحق والباطل، واتخاذ حالة الوسط بينهما، إذًا لا بد من هدم مقياس وبناء آخر حتى تتم العملية الصهرية على عين بصيرة، وفق ما يوجبه الإسلام. فالهدم أولًا والبناء ثانيًا، فيظهر الحكم ظهورًا طبيعيًا، وهذا يندرج على كل حالة من حالات الصراع الفكري، ما ينتج الخير العميم بفضل رب العالمين . ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [يوسف 108] .
سعيد الأسعد - فلسطين
بدأ الصراع بين الإسلام والكفر منذ بعثة الإسلام. وسيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعبر ثلاثة عشر قرنًا من هذا الصراع، اعترى المسلمين بعض الضعف في القوة أدى إلى هزيمتهم عسكريًا في بعض المواقع، إلى أن تم أخيرًا هدم دولة الإسلام وتمزيق العالم الإسلامي على أيدي الكفار وعملائهم من أبناء المسلمين، وتم تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة ذليلة، وأصبح لكل واحدة منها رئيس ووزراء ودستور ونشيد وطني وجيش.
لقد وقع المسلمون في صدمة عنيفة نتيجة هذه الهزيمة المنكرة، وأصبح هناك فراغ فكري في العالم الإسلامي؛ لذلك بدأت تظهر مصطلحات جديدة صاحبت هذا التغيير في واقع الأمة لتحل مكان المفاهيم التي كانت سائدة في ظل دولة الإسلام. ولسد هذا الفراغ بدأت تظهر أدبيات ومصطلحات جديدة نابعة من مفهوم واحد، هو مفهوم الوطن كبديل لمصطلح دار الإسلام.
وبذلك نشأ مصطلح الوطنية والمواطنين والمواطنة والمجتمع المدني لتنظيم العلاقات وتحديدها، وقبل ذلك ظهرت مصطلحات أخرى مثل الثورة والتحرير والمقاومة والاستقلال والقومية والاتحاد والوحدة. هذه المصطلحات والمفاهيم استخدمت لهدم دولة الإسلام، ووجدت الأوطان وهي جمع كلمة وطن، وبدأ العمل الدؤوب لإيجاد محتوى ثقافي جديد تتطلبه المرحلة الجديدة، مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر؛ لتكتمل حلقاته وتحافظ على هذه الأوطان وعلى التمزق والفرقة.
ومصطلح الوطن هذا تم أخذه من التجربة الأوروبية حيث كانت هذه الدول تتصارع فيما بينها لفترة طويلة تدافع عن أوطانها، فتم أخذ هذا المفهوم على علاّته دون بحث أو تدقيق فيه بمؤامرة كبيرة من عملاء الاستعمار حكامًا وعلماء، وأخذوا يبحثون له عن محتوى ثقافي كبير للمحافظة على كياناتهم ولحرف المسلمين عن الصواب، وقد سادت هذه المفاهيم لفترة زمنية على بعض فئات المجتمع، وأصبحت لها مدلولات درّست في الكتب، وكتب عنها الشيء الكثير، وتغنى بها الشعراء، كل ذلك من خلال برامج أعدت بدقة وإحكام لضمان حملها من قبل الناس.
غير أن بعض الواعين في الأمة تصدوا لهذه الحملات و بينوا زيفها ومصادرها، وأنها حرب تضليلية شعواء على الإسلام والمسلمين؛ لأنها مخالفة لما يحمله المسلمون من أفكار ومفاهيم إسلامية، و طرحت كبديل لمفهوم الخلافة ودار الإسلام والدولة الإسلامية والخلافة الراشدة.
غير أن وسائل الإعلام نجحت إلى حد ما ومن خلفها الحكام في ترويج مصطلح الوطن والمواطنين، وأصبحت قضايا الوطن ومصلحته وهموم المواطن والمواطنين وحقوق الوطن وحاميه أصبحت طاغية على تصريحات المسؤولين والكتاب لمساعدة القيادة السياسية في مسيرة الإصلاح و مصلحة الوطن كما يدعون، وقالوا: إن من لا وطن له لا دين له.