-الخلافة الإسلامية باسمها ومسماها هذا هي فقط جامعة الكلمة للأمة. فهي الحافظة والحامية، بها تتكافأ الدماء، وتحفظ الذمم، وبها حافظت الأمة على أطرافها كحفاظها على قلبها وأحشائها، وما تجرأ أحد على التفكير بالنيل من أي فرد من أفرادها إلا ثكلته أمه، وأُخذت به العبر، فلا ريح للأمة إلا بدولة الخلافة، هذه هي الحقيقة والمقياس الشرعي والتاريخي والواقعي، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنما الإمام جُنّة يقاتل من ورائه ويُتقى به...» (رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد من طريق أبي هريرة) .
-الأمة بحاجة لحزب مبدئي سياسي في كل عصر من عصورها. استجابة لقوله عز وجل: ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [آل عمران 104] . وباعتباره الثلة الواعية في الأمة، يكون هو المشرف على فكرها وحسها، وهو ظل الدولة ورديفها، وردؤها يصدقها، وهو المبصر بكل ما دق وجل مما يحيط بها، أو يخالجها من خلل أو مؤامرات أو دسائس، فهو عينها ويدها، وحافظها من الانتكاس في فكرها وشعورها، كما وينقلها من علي الى أعلى، ويظل العين الساهرة في كل الظروف، فيبعدها بإذن الله عن النِقم، ويبلغها بفطنته خير النِعم، ويقودها بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلى أعلى درجات المرتقى السامي.
2-كيان الدولة:
وهو باعتباره الطريق الشرعي لتطبيق الإسلام، فالدولة هي التي تطبق الحدود، وتشرف على التزام أحكام الإسلام إشرافًا عمليًا بالتشريع والتوجيه والتنفيذ، بكل ما أُعطيت من صلاحيات شرعية، فهي أيضًا المسؤولة مسؤولية مباشرة عن المحافظة على العقيدة والدعوة لها، وإقامة الثقافة على أساسها، وكل ما له مساس بحياة المسلمين، وحملها رسالة إلى العالم. وهذه أهم المقاييس التي ترتكز عليها الدولة:
-العقيدة الإسلامية هي أساسها كيانًا وتشريعًا ومحاسبة. فلا يقبل اي فكر أو رأي في الدولة، أو أي تشكيل من تشكيلات جهازها إلا والعقيدة هي أساسه. ولا يسمح بوجود أي فكر أو رأي في المجتمع إلا والعقيدة أساسه، فلا تعددية فكرية أو سياسية على غير أساس العقيدة الإسلامية، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (رواه مسلم وأحمد من طريق عائشة رضي الله عنها) .
-الخلافة هي رئاسة عامة لجميع المسلمين في الدنيا. فمسؤولية الخليفة مركزية، وصلاحياته مركزية بكل ما تعنيه من تفصيلات، وما تقتضيه من متطلبات توجب إبقاء المركزيه للخليفة، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «...فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عمَّا استرعاهم» (رواه البخاري ومسلم وأحمد وزاد عليه «...وأعطوهم حقهم الذي جعل الله لهم...» ) .
-الطاعة ضرورة واجبة على الرعية .وهي ضمانة للوحدة، واجتماع الكلمة، ولا ريح إلا بها. مصداقًا لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «... تسمع وتطيع للأمير وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك فاسمع وأطع» (رواه مسلم) . وروى ابن عباس (رضي الله عنهما) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أيما رجل كَرِهَ من أميره أمرًا فليصبر، فإنه ليس أحد من الناس يخرج من السلطان شبرًا فمات إلا مات ميتةً جاهليةً» (رواه أحمد) .
-الشورى هي ضمانة رُشد، وسدادٌ للرأي، وإحاطة بالخير، وسند للدولة، إضافة إلى ما تبعثه من روح الثقة بين الراعي والرعية، والتعاون والتعاضد، ما يؤدي الى استنهاص الهمم، واجتماع الخيرات في المهمات والملمات، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما تشاور قوم في أمر من أمور دنياهم إلا هُدوا إلى أرشد أمرهم» .
-البطانة الصالحة للخليفة هي ضمانة الحفظ والاستقامة بإذن الله. فهي مستودع سره، محيطه ووسطه، فلا بدّ أن يكون المأمن آمنا، والمحيط حافظًا ومانعًا ومنيعًا، والوسط نقيًا، والبطانة خير مؤنس، وأشد مؤثر، يقول عز وجل: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ? [آل عمران 118] ، وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الرجل على دين خليله...» (رواه الترمذي وأبو داود وأحمد بلفظ"المرءُ") . وإن كثيرًا من اللفتات العظيمة في المواقف القوية الراشدة المضيئة كانت بتوجيه من البطانة الصالحة، كيف لا وهم الفقهاء، وأولو النُهى والرجاحة في الرأي، وأهل الخبرة والدراية والتقوى، ولا أدلّ على ذلك من مواقف عمر بن الخطاب مع أبي بكر، وبطانة عمر بن عبد العزيز معه، وكذلك صلاح الدين الأيوبي.
-الدولة هي دار الإسلام التي تجمع جماعة المسلمين، فلا دار للإسلام إلا بها، ولا جماعة للمسلمين إلا بإمام، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «... تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» (متفق عليه) . وقال: «... ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (رواه الترمذي) وبغير هذا يكون المسلمون غثاء كغثاء السيل. والمحافظة على جماعة المسلمين يجب أن تكون بالأرواح والمهج يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد منكم يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه» (رواه مسلم) .
-الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام باعتباره الطريق الشرعي لحمل الإسلام رسالة للعالم. وهذا يعني الثبات في كل الظروف والأحوال عليه كطريق شرعي بغض النظر عن تطور وسائل الاتصال والإقناع، بل إن كل هذه التقنيات المتقدمة لا تعتبر إلا وسائل تُسخر وتُستغل في هذا الباب الثابت العظيم،عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «... والجهاد ماضٍٍ منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل...» (رواه أبو داود) وهذه أمارة ثبات وديمومة فلا تغيير ولا تبديل.
3-كيان الحزب المبدئي:
إن هذا الكيان هو بحق مفصل مهم من مفاصل بناء الإسلام، وأعضاؤه يجب أن يكونوا الثلة الواعية في الأمة، وخلاصة الخير، أعضاء اجتمعوا في الله ولله، وهم عين الدولة، وضمانة الخير لها وللأمة، وهم العين الساهرة على إحسان تطبيق الإسلام، والحائلون دون انتكاس الأمة والدولة، وفي ظل واقع مثل واقع اليوم يعمل الحزب في الأمة ومعها للعودة بها عزيزة كريمة ناهضة في ظل دولة الحق. ومن أهم المقاييس التي يقوم ويستمر عليها كيان الحزب المبدئي:
-أن يقوم وفق مقومات قول الله عز وجل ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [آل عمران 104] فيقوم على مبدأ الإسلام الذي يستمد منه فكرته، وطريقته، وثقافته، وغايته. وعلى أساسه يتم إعداد تكتله إعدادًا صحيحًا، يؤهله للقيام بأيّ مهمة يطلع بها في أيّ ظرف من ظروف حياة الأمة، والحفاظ عليها خير أمة أخرجت للناس، وصاحبة رسالة خالدة.
-أن يقوم الحزب على أمير وثقافة وتبَنٍٍّ، فالأمير هو القائد، والجامع للكلمة، وصاحب الحق في التبني وحده، والثقافة هي البناء والرابط والزاد للحزب، وهي سر عطائه، وهي مادة دعوته، والتبني هو الحاجة الماسة للالتزام الصحيح بالإسلام، والاستقامة عليه وفق أمر الله عند تعدد الآراء، فهو لازم للفرد والجماعة، وهذه مسلمة بديهية لا يختلف عليها عاقلان يعقلان وفق الإسلام. فلا جماعة إلا بأمير وثقافة وتبَنٍّ (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .