إن العود الحميد للإسلام يعني الأخذ به كرسالة تقوم على أساسها دولة ومجتمع متميز، ويجب أن لا يخلو من حزب سياسيٍ ليظل خير ضمانة لحسن تطبيق الإسلام وحمله للعالم من خلال الدولة والأمة، ويجب أن تتجسد في كيان الأمة والدولة والحزب والفرد مقاييس وضوابط تضمن المحافظة على كيانية كل واحدٍ منها، بحيث تكون منسجمة مع بعضها لتحقيق قضية الإسلام وبلوغ أهدافه في أرض الواقع. وبما أن مبدأ الإسلام هو من عند الله اللطيف الخبير، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فعلينا أن نضمن نقاء الفكرة واستقامة الطريقة لتتضح بذلك ضوابط ومقاييس كل كيان. وعليه فإن حياة الأمة بالإسلام تُضمن من خلال قيام كيان الأمة وفق مقاييس تضمن بقاءها كأمة صاحبة رسالة، وقد حرص الإسلام على أمور مفصلية: ألا وهي بناء الأمة السليم في كيانها وفق مقاييس الإسلام كجماعة، وبناء كيان الدولة وفق مقاييس وضوابط محددة، وكذلك الحزب المبدئي او ما تُسمى بالطائفة القائمة بالحق، وكذلك الفرد لا بد من أن يكون أساس كيانه الفردي وفق هذه المقاييس. والعبرة بالمقاييس أنها كأفكار أساسية تشكل مرجعًا في كافة الظروف، وضوابط أساسية للسلوك، يرجع لها باعتبارها الأساس والمنطلق، والحافظة من الزلل. وبالنظر في واقع كل كيان فانه لا بد من مراعاة المقاييس والضوابط التي تجب مراعاة تحقيقها في كل ظرف وعصر:
1-كيان الأمة:
ان الأمة هي مجموعة الناس تربطهم عقيدة. ومن بديهي القول إن هذا الارتباط بين الناس هو أعلى وأقوى رابط على الإطلاق بين البشر، فكيف إذا كانت الأمة تربطها العقيدة الإسلامية. فهي بذلك تتفرد بفرصة كونها خير الأمم إذا ما التزمت بتبعات هذا الشرف الرفيع، وهذه التبعات هي بمثابة الضوابط والمقاييس، ومن ذلك.
-اعتبار العقيدة الإسلامية هي عقيدة سياسية روحية. فالعقيدة هي المقياس الأساسي لكل فكر. فهي أصل الحل للعقدة الكبرى، فبها فُسّر معنى الوجود، ومعنى الحياة، وإلى أين المصير. وباعتبار أن الإنسان اجتماعي لا غنى له عن العيش الجماعي، كانت العقيدة الإسلامية خير بلسم تنتظم به الجماعة على خير عيش؛ حيث تتكافأ الدماء والأموال، والكل سواء في الحقوق والواجبات والمؤاخذات، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، والقوي ضعيف حتى يُؤخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى يؤخذ الحق له، وهكذا. وهذا لا تقوم عليه الأمة وتحفظ نفسها من الاندثار إلا إذا أخذت عقيدتها أخذًا سياسيًا أي بمعنى أن لا حياة ولا بقاء للأمة إلا بالعيش وفقها، ولا حياة ألا بحملها رسالة للعالم.
-لا بد أن تؤخذ العقيدة عن يقين وبالدليل القطعي عقليًا في العقليات قطعيًا في النقليات، فالعقيدة لا تُبنى على الظن لأنها بمثابة الأساس والأصل، والأساس لا يختلف اثنان على وجوب متانته، فهو الأصل الأول الذي يبنى عليه كل شيء. يقول عز وجل: ? وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ? [الإسراء 36] ، ? وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ? [النجم 28] .
-مقياس الأُخوة هو العقيدة. مصداقًا لقوله تعالى: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ? [الحجرات 10] . وهذا يوجب الولاء لكل مسلم، والبراء من كل كافر أو مشرك، ولا اعتبار في ذلك للون أو عرق أو لغة، فالإسلام آخى بين العربي والأعجمي، بين الفقير والغني، وبين السيد والعبد، وأوجب البراء من كل شقي وكافر، ولو كان هاشميًا قُرشيا ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? [التوبة 71] ، ? لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ? [المجادلة 22] فلا عبرة بالإنسانية لمجرد الاشتراك بالغرائز والحاجات العضوية، وما دعوى الأخوة الإنسانية بغض النظر عن وجهات النظر إلا اتباع للهوى والضلال.
-اعتبار ما سوى الإسلام كفرٌ وضلال. مصداقًا لقوله عز وجل: ? وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ? [آل عمران 85] . عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (رواه مسلم وأحمد) ، فلا قواسم مشتركة بين الإسلام وغيره...
-الحضارة لا تُؤخذ من الغير، ويأخذ حكمها المدنية الخاصة، وأما العلم فهو عالمي، والمسلمون أولى بالتقدم وأخذ الريادة في ذلك، وما تاريخ الأمة الإسلامية الزاهر الزاخر بالعلماء والمفكرين والقادة، والذين كان العالم عَيَّالًا عليهم، وحتى اليوم إلا خير دليل على القيام بهذا الواجب، وكان اختلال هذا المقياس نذير شؤم، ومعول هدم أصاب المسلمين في شر مقتل.
-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح والمحاسبة بين المسلمين، أمارات رحمة، وتواصٍِ بالحق، وضمانة قوة بين المسلمين. مصداقًا لقوله عز وجل: ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [التوبة 71] وبالمقابل فقد هدد الإسلام بأقصى العبارات المنذرة بالهلاك إذا ما تركت الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصداقًا لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم» (رواه الترمذي وأحمد من طريق حذيفة بن اليمان، وفي لفظ الترمذي «... عقابًا منه ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم» ) .
-السمع والطاعة فيما يرضي الله عز وجل. فلا جماعة إلا بأمير، ولا أمير إلا بطاعة، ومن ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد من طريق أبي هريرة) ، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أطاع أميري فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله عز وجل» (رواه أحمد من طريق سفيان) فقد شدّد الإسلام على خُلق الطاعة باعتباره مقياس الانضباط في الدولة، حيث يضمن الجميع في بوتقة واحدة، وفي اتجاه واحد، ما يمنع أيّ تنكب عن جادة الصواب، أو تأخّر عن الركب في سير الدولة في أي موقع أو أي زمان، وما مخالفة الرُماة لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والخروج عن طاعته إلا دليل واضح على أن ذلك هو السبب المباشر للهزيمة... وهكذا في كل مقام.