فهرس الكتاب

الصفحة 912 من 3028

6-تجنيب الخطاب الإسلامي المعاصر من الوقوع تحت وصاية الحكام الظالمين، وحمايته من أن يكون رهن أهوائهم، أو طوع سياساتهم، وإن مجرد التماس مرضاتهم وأخذ موافقتهم هو إلباس للخطاب ثوب النفاق، وضمه تحت جناحي الافتراء. قال تعالى: ? وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ? [هود 113] ، وقال: ? وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ? [المائدة 45] .

7-عدم وضع الإسلام في قفص الاتهام ومن ثم الاستحياء أثناء الدفاع عنه بشكل تكتم فيه البيّنات، وتلوى أعناق الأدلة؛ ذلك لأن أحكام الله هي الحق ? فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ? [يونس 32] ، وبالتالي تجنب الانزلاق فيما انزلق إليه بعض العلماء بداية القرن الفائت في انتحال الأعذار، وتأويل الأحكام لإرضاء المهاجمين، وما محاولة التنصّل من أحكام الجهاد هذه الأيام ووصفها بأنها دفاعية إلا دربًاَ من دروب مجاراة الكفار في محاربة الإسلام تحت شعار محاربة الإرهاب.

8-النزاهة في الخطاب عند حملة الدعوة، وهذه النزاهة تقتضي نبذ منهج علماء السلاطين القائم على القدح في بعض الحركات الإسلامية التي تدخل في صراعات مع الأنظمة التي تحكم بغير ما أنزل الله، وما يتبعه من محاولة إبراز الخطأ في اجتهادهم، بل وتسفيههم ونعتهم بالمتطرفين مثلًا، وفي المقابل يبقى جانب الحاكم منزهًا عن الأطر على الحق أطرًا، ومقدسًا على كل مثلبة أو خطيئة، مع أن الطرف الأول محمود شرعًا وإن أخطأ، والطرف الثاني مذموم شرعًا وإن برر. قال عليه الصلاة والسلام «إنه ستكون بعدي أمراء، من صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، وليس بوارد علي الحوض» (رواه النسائي) .

9-سماع نصح الناصحين، والابتعاد عن التماس المبررات، وهذا يقتضي الهروب من بين براثن الغرور الذي يحجب كل اتصال بين الناصح والمنصوح، وإن ما يحصل من شعور عند بعض الدعاة بأنه الأقدر على الفهم، والأدق في الاستنباط لكونه يحمل شهادة عالية في العلوم الشرعية إنما هو وقوع في حبائل الشيطان، فعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لم يتعزّ بمصاحبة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا بقوله: «وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر» (رواه الترمذي) ، ليصم أذنيه عن سماع المرأة التي عارضته في حادثة تحديد المهور تحت ذريعة أخذه العلوم الشرعية مشافهة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبأن هذا لم يتسن للمرأة.

هذه بعض مصابيح الهداية التي تتلألأ بنور الإسلام المتمثل بصيغة الخطاب ومادته إذا ما باشر حزب سياسي هذا العمل الجلل، وهو بحمد الله قائم، والتلبس بالعمل معه مبرئ للذمة إن شاء الله، ونسأل الله سبحانه أن ينصره على من ناوأه، وأن يخذل من عاداه.

أما بالنسبة للركيزة الثالثة من ركائز الخطاب الإسلامي وهي المتلقي للخطاب، فالأصل أن يقتصر الخطاب الموجه لغير المسلمين على العقيدة الإسلامية ولا يتعداها إلى الأحكام؛ لأن هذه الأحكام منبثقة عن العقيدة، وما لم يؤمن بها الكافر فمن العبث الخوض معه فيها، ومحاولة إقناعه بها من خلال استلهام بعض إيجابياتها، كما يتوجب إظهار زيف أفكار الكفر التي يحملها، ونقض الأفكار التي يعتنقها، لقوله تعالى: ? إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ? [الأنبياء 98] .

كما لا يجوز إيهام الكافرين بأنهم على الحق، أو على جزء من الحق، فإن في ذلك افتراء على الله وكذب عليه لقوله تعالى: ? إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ? [آل عمران 19] . وإن مجرد إيهام الكافر بوجود قواسم مشتركة بيننا وبينهم بدل دعوتهم لترك عقيدتهم والدخول في الإسلام إنما هو تشجيع لهم على الكفر.

أما بالنسبة للمسلمين فلا بد من أن يثبت الخطاب عند الأمة الثقة بأحكام دينها والاعتزاز بالانتماء إلى عقيدتها، والنهوض بالأمة لتفكر على أساس الإسلام في كل قضاياها، ولتعمل مع العاملين الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: ? وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ? [فصلت 33] .

أبو مهند الحموري

تنشأ الأمة صاحبة الرسالة طبيعيًا وحتميًا وفق مقاييس محددةٍ ضمن اعتبارٍ واحدٍ فقط ألا وهو أن تكون الرسالة والمبدأ هو ماؤها وغذاؤها وهواؤها، فعلى أساسها وجدت، وبها تبقى وتعز، ومن أجلها تحيا، وبغير ذلك الفناء.

إن أمةً كأمة الإسلام عمّرت وأثمرت نحو ثلاثة عشر قرنًا ولم تجتمع يومًا على ضلالة، لهي أمة ليس لها مثيل بين الأمم، ولم يشهد التاريخ لها شبيهًا في حياة البشر... إن هذا يوجب البحث عن كل سببٍ وراء عظمةِ أمةٍ هي خير أمة أُخرجت للناس من بين البشر، وإن البحث في ذلك وعنه لهو من أعظم ما يُقصد وأغلى ما يحُضن. إن أعظم ما تتفطر منه القلوب أن نرى كيف انحدرت أمة عظيمة نادرة مثل أمة الإسلام عندما تهاون الأحفاد بتركة الآباء والأجداد حتى قاربت بسبب ذلك على الفناء. إن عِظم الأمانة وحمل المسؤولية وأعباءها يحتم علينا أن نحيط بالتركة العظيمة هذه من أطرافها، وأن لا نفرط بشيء منها قيد أنملة. وللإحاطة الواجبة تلك لابد من دراسة واستقصاء وإنعام نظر لكل أمر دقّ أو جلّ، صغر أو كبر، فقد نرى هينًا وهو عند الله عظيم. فلا يهونن علينا شىء من هذه الرسالة فيوهننا، كما لا يهولننا شيء منها فيحطنا، وهذا هو أول سبب لا بد أن أن نأخذ به إن أردنا لأنفسنا وأمتنا كل خير.

إن الإنسان في هذه الحياة إما أن يسير بصورته الفردية أو الجماعية في المجتمع أو الدولة أو الأمة. ولن تسير هذه الأمة بكياناتها على هدى قط إلا وفق مقاييس تضبط ما يصدر عنها حتى لا يشوبها الخلل، وتضمن بها تحقيق كل غاية وأمل، مصداقًا لقوله عز وجل: ? أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ? [الملك 22] وإن أول ما دخل النقص والخلل على المسلمين كان في إلغاء اعتبار واعتماد هذه المقاييس في سلوك الفرد والجماعة واستقامتها، حتى اجتمعت المتناقضات، وتنافرت المتَّفقات، واختلطت الأمور، واختلفت الجماعة،وتخبطت الأمة في عقليتها وتنكبت في سيرها عن جادة الصواب مصداقًا لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفًا والمعروف منكرًا» فأصبحت ترى الفرد يجمع بين التزامه بالصلاة والحج، وترك الصيام والبيعة، وترك الخمر وأكل الربا، وإيتاء الزكاة، وكشف العورة والاختلاط، وأصبحت ترى الجماعة تجمع إيواء اليتامى وبناء المساجد، وموالاة الحكام، وتجمع بين تحطيم الخمارات، وإهانة الكاسيات العاريات، والمشاركة في وزارات الدول التي تحكم بغير ما أنزل الله، وكذلك أصبحت لا ترى غضاضة في أن ترى دور السينما والمصارف الربوية في أمهات مدن المسلمين، وأصبح الجلوس والتشاور مع الحكام وأركان مخابراتهم من قبل من يتصدرون لمقاومة المحتل أمرًا عاديًا. مع أن هؤلاء الحكام قبل خيانتهم وتفريطهم في بلاد الاسلام ودماء وأعراض المسلمين يجب خلعهم. فهم ليسوا منا ولسنا منهم، بل هم مغتصبو السلطة فليسوا أهلًا لأن يبقوا يومًا واحدًا على كرسي الحكم؛ فكيف بموالاتهم والجلوس معهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت