ثانيًا: أن يكون الدافع الذي يدفع حامل الدعوة هو تقوى الله سبحانه، وتكون الغاية هي نيل رضوانه، وذلك لأن ما يسمم أجواء الدوافع ويلوث أرجاء الغايات هو ربط الخطاب الإسلامي بالوظيفة، وجعله رهنًا للعلاوة، يقول الداعية علي الجفري في برنامج الميزان «... نشعر بالإحباط عندما نسمع بأن هناك من يبيع خطاب الله بتأمين إعارة أو بوظيفة» .
وبالتالي فإن حامل الدعوة الذي نذر نفسه ابتغاء رضوان الله سيعكس الصورة الناصعة لهذا العمل الجلل، وهذه الغاية النبيلة، إن هو تلبس بالعمل ضمن حزب سياسي، وليس ضمن إطار وظيفي.
ثالثًا: الحرص على عدم ربط حامل الدعوة بأي مردود مادي، أو منصب دنيوي، لما يترتب على ذلك من فساد في الذوق، وجبن في المواقف، وافتقار للإنصاف عند الانتصاف.
يقول الداعية علي الجفري في نفس البرنامج السابق: «... إن بعض القائمين على المؤسسات الدينية يطلب الرشوة» . ويقول متحدثًا عن بعض علماء الشهادات: «... يكاد صوته يخرق سمّاعة المسجد وهو يتكلم عن الحلم والأناة... ثم تراه يصخب من أجل علاوة...» .
وعليه فإن استخدام المغريات على طريق حامل الدعوة من بعض الحركات للمباشرين بالخطاب إنما هو من المهلكات، لأنها تنشئ حملة دعوة يؤثرون المصلحة على الدليل، ويكون للنفعية على مواقفهم سلطان وسبيل.
رابعًا: العمل على تزكية نفوس حملة الدعوة بإخلاص العمل لله، وليس هناك أسمى من أن يشري المرء نفسه وماله لخدمة الدعوة، والنهوض بالخطاب الإسلامي نهوضًا يظهر عظمة الإسلام من خلال حملته، ويعكس صفاء العقيدة من خلال نقاء سرائر حامليها، وبالتالي يكون هؤلاء الدعاة هم القدوة والمثل.
خامسًا: الوعي على وجوب عدم الربط المباشر للخطاب بالحدود المصطنعة التي أقامها الكافر المستعمر، أو أن يبرز على الدعاة شكل من أشكال الوطنية أو القومية أو الطائفية، فإن في ذلك تكريس لتمزيق الأمة، وشق وحدتها، وتثبيت مخططات أعدائها.
سادسًا: العمل على توعية الدعاة سياسيًا بالشكل الذي يؤهلهم ليكونوا سادة الدنيا وقادة العالم، وهذا أيضًا لا يمكن حصوله على وجهه ويتعذر تمام أمره، إلا ضمن تكتل قائم على حدود الله، لا تنطلي عليه ألاعيب الحكام، ويأبى أن يسخّر بوقًا من أبواق الزعماء.
سابعًا: تجنيد العلماء والمهندسين والأطباء والمعلمين وكل مسلم غيور ليكونوا جميعًا حملة دعوة، يتم تأهيلهم بعيدًا عن حبائل الأنظمة، ومكائد العروش، عن طريق حزب سياسي مبرئ للذمة، خاصة وأن كل مسلم على ثغرة من ثغر الإسلام، ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حكرًا على حملة الشهادات أو أصحاب جبب وعمائم.
ثامنًا: الحرص على الارتقاء بشخصيات الدعاة إلى معارج الكمال، بتزكية نفوسهم، وإثارة الشوق عندهم إلى رضوان الله وجناته، بانكبابهم على الطاعات، وانصهارهم في رحاب الفروض والمندوبات، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وفاضت عيونهم، ليس للدنيا وملذاتها سلطان عليهم، يتحلون بحلية الإخلاص لله، لا ينتظرون من أحد ثناء ولا شكورًا، حالهم كحال الصحابة رضوان الله عليهم، يتلون كتاب الله حق تلاوته، ويحرصون على تطبيق حدوده كما يحرصون على ترتيل حروفه، وهذا لا يتأتى أيضًا على وجهه الأكمل وصورته المثلى إلا ضمن حزب سياسي مبدؤه الإسلام يعمل على الارتقاء بعقليات أعضائه وتهذيب نفسياتهم.
تاسعًا: ترفّع حملة الدعوة عن كل ما يخدش الحياء ويخرم المروءة بانتقاء الألفاظ عند الحديث، والتماس الوقار دون استكبار، والتنزه عن كثرة الضحك والمزاح، أو ولوج مواطن الميوعة، والنأي بالنفس عن كل ما ينفر السامعين ويبني حواجز بين الدعاة والناس، كالتدخين الذي أصبح عند الكثيرين عادة سيئة تحطّ من منزلة حامل الدعوة، هذا إذا لم يتحول النقاش إلى موقف دفاعي ليقنع الآخرين بالحكم الشرعي الذي يتبناه، وكان الأولى أن يستغل المجلس فيما عداه.
وهذا يقتضي أن يرعى الحزب أفراده رعاية توجيه، وحث، وتذكير، ومتابعة، يقتقر إليها الكثيرون ممن يمارسون الخطاب الإسلامي بحكم الوظيفة.
أما الركيزة الثانية من ركائز الخطاب الإسلامي والمتعلقة بصيغة الخطاب، لقوله تعالى: ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ? [النساء 59] ، وقوله تعالى: ? لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ? [الأحزاب 21] .
وبالتالي فإن تجديد الخطاب بشكل لا يعتريه تأويل، ولا يلفّه نفاق، ولا يتحكم فيه دخيل، يستدعي وجود حزب سياسي أيضًا يسعى ليكون قيمًا على فكر المجتمع وحسه لقوله تعالى: ? وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? [آل عمران 104] .
وإذا ما سلطنا الضوء على مدى الارتقاء المنبثق عن هذا السبيل، والمنعكس على صيغة الخطاب ومادته، تتجلى أمام أعيننا الحقائق التالية التي تبقى معلومات مجردة بمعزل عن حزب سياسي يسعى لتحقيقها.
1-قضية المسلمين الأولى هي استئناف الحياة الإسلامية، فهي تاج الفروض، بتحققها تتوحد الأمة وتطبق أحكام الله، ويوجد الإمام الجُنّة الذي يقاتل من ورائه ويتقى به. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الإمام جُنّة يقاتل من ورائه ويتقى به» (رواه مسلم) .
2-إبراز سموّ العقيدة الإسلامية عند الخطاب، وكونها العقيدة الوحيدة المبنية على العقل والموافقة لفطرة الإنسان، والعمل على ترسيخ هذا المفهوم عند أبناء الأمّة.
3-التركيز على أن المسلمين أمّة من دون الناس، وبأن هذه الأمة الكريمة هي التي اختصها الله سبحانه وتعالى بالشهادة على الناس يوم القيامة، لأن دينها هو دين الحق الناسخ لكل الشرائع. قال تعالى: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? [البقرة 143] ، وقال سبحانه: ? وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ? [آل عمران 85] .
4-تجنب المداهنة في الخطاب، أو الركون إلى الظالمين الذين يسوسون الناس بغير ما أنزل الله، ووجوب المفاصلة بين الحق والباطل، وبين الخبيث والطيّب. قال تعالى: ? وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ? [القلم 9] ، وقال أيضًا مخاطبًا رسول الكريم عليه الصلاة والسلام: ? وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ? [الإسراء 74-75] .
5-التصدي لكل فكر وكل مفهوم يتناقض مع أفكار الإسلام ومفاهيمه يحاول الغرب الكافر نشره بين أبناء الأمة، والحرص على إظهار فساده، وبيان زيفه، وتحذير الأمة منه وممن يحاولون إلباسه ثوبًا غير ثوبه، ويظهرونه بوجهٍ غير وجهه، اقتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام الذي حارب الشرك والكفر والنفاق وخاض صراعًا فكريًا نتج عنه اندحار الكفر وأفكاره أمام الإسلام ومفاهيمه.