فهرس الكتاب

الصفحة 910 من 3028

ثانيًا: جعل الخطاب الديني مقصورًا على من يُضمن ولاؤهم بالوظيفة، ويتيسر تطويع ألسنتهم بالعلاوة.

ثالثًا: حصر الخطاب الديني في حملة الشهادات الذين تلقوا العلوم الشرعية كمعلومات نظرية، ولم يتلقوها تلقيًا فكريًا كمفاهيم تؤثر في السلوك وتحدث طاقة للاندفاع.

رابعًا: إعطاء مسوّغ قانوني لاعتقال ومحاسبة كل مسلم غيور يريد أن يصدع بالحق أمام جمهرة من الناس آمرًا بالمعروف أو ناهيًا عن منكر.

خامسًا: محاولة سلب الأحكام الشرعية مصداقيتها، وإرجاف الأباطيل في صحتها وقوة أدلتها إذا لم تكن صادرة عن «المجمع الفقهي» أو ما شاكله من المؤسسات التي لا تُعنى إلا بالجزئيات، كزواج المسيار وحكم التدخين، ولا تمس حياة الأمة، ولا تعالج قضاياها المصيرية، وإذا ما تعرضت لحياة الأمة بتوجيه معين فإن رائحة مداهنة الحكام المنبعثة منها تظهر قبح السرائر وتفضح خبثها.

ولقد استثمرت الأنظمة التي تسوس المسلمين بغير ما أنزل الله ذلك أسوأ استثمار، واستغلت سذاجة بعض الداعين إليه وكيد الآخرين أقبح استغلال، حتى وصل الأمر ببعضها إلى انتهاج سياسة يتمخض عنها أن يأخذ خطيب الجمعة الخطبة جاهزة، ولا يتعدى دوره على المنبر دور تلميذٍ يسمِّع الدرس أمام بقية التلاميذ، والويل له إن بدّل كلمة أو أضاف جملة، حتى ول كانت آية أو حديث.

وما نراه عبر الفضائيات، وما نسمعه عبر الإذاعات، من التسبيح بحمد الحاكم والدعاء له، رغم ما سطره هذا الحاكم أو ذاك من صحائف سوداء في تاريخ هذه الأمة إلا غيض من فيض لدعائم الخطاب الإسلامي التي يريدون، وملامح الدعاة والعلماء التي ينشدون, إلى درجة عدم تمييزهم فيما إذا كان حكام المسلمين اليوم خائفين أم خائنين.

أما الركيزة الثانية من ركائز الخطاب الإسلامي المعاصر والمتعلقة بصيغة الخطاب ومادته، فقد أصّل لها هؤلاء القوم أصولًا هي أوهن من بيوت العنكبوت (كفقه الواقع) و (فقه الموازنات) واستدلوا بقتل الغلام وخرق السفينة على ما ذهبوا إليه، فجعلوه أساسًا ثم بنوا عليه، مع أن أصل الفعل حرام لا يجوز لمسلم أن يباشره، فكيف له أن يبني عليه غيره أو يستنبط منه حكمًا دونه أو فوقه، كما استندوا على غير ذلك من فقه المصالح، وردّوه إلى الشاطبي افتراءً عليه، وما إصدار الفتاوى التي تتناقض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كإباحة التعامل بالربا للشركات التي يملكها مسلمون للتحكم بعجلة الاقتصاد من الأتقياء بدل الكفار والفساق، أو السماح للطالبة المسلمة أن تنزع الخمار عن رأسها داخل الجامعة التي تمنع ارتداءه، كما هي الحال في تونس، موازنة بين ما ينشأ عن ولوج الجامعة من العلم وما يترتب عن الانقطاع من جهل، إلا أمثلة حية لمدى جرأة هؤلاء على أحكام الله.

أما مكمن الداء وسر البلاء في هذا المنهج فيمكن تلخيصه بما يلي:

أولًا: إصدار فتاوى تتناقض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإلباس هذه الفتاوى لباس الإسلام؛ وبذلك يسهل على البسطاء أخذها، فيصير حالهم كحال أهل الكتاب الذين قال الله فيهم: ? اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ? [التوبة 31] .

ثانيًا: إيهام الأمة شرعية الركون إلى الظالمين، ووجوب طاعة أولي الأمر منهم حسب تعبير علماء السلاطين، رغم ظهور الكفر البواح، وبالتالي تبقى الأنظمة في مأمن من الاجتثاث، ومنعة من الاستئصال. يقول الشيخ علي الجفري في برنامج الميزان الذي يبث عبر محطة"إقرأ"في إحدى حلقاته بتاريخ 17/7/2006م، «من حق ولي الأمر التأكذ من أن العالِم الذي يوجه الخطاب ليس له أغراض مضرة قد تحدث بلبلة في المجتمع» .

ثالثًا: إجهاض أي عمل مخلص لاستئناف الحياة الإسلامية، والتنفير من حملة الدعوة العاملين لإعادة الحكم بما أنزل الله، وبالتالي إضفاء الشرعية على دوائر مخابرات الحكام التي تنتهج سياسة تكميم الأفواه، واعتقال وتعذيب الشرفاء. يقول الشيخ الداعية علي الجفري في نفس البرنامج «من حق مؤسسات ولي الأمر أن تتأكد من ضابط آخر، وهو أن العالم قد يستغل ثقة الناس للقيام بأمور قد تحدث ضررًا...» .

رابعًا: ترويج سياسة قبول الآخر، واحترام الديانات الأخرى -أي احترام الكفر- وترك الحركات التنصيرية والمؤسسات الملوثة تمارس نشاطاتها دون الدخول معها في صراع فكري، لتجد الطريق الممهدة للدخول، والتربة الخصبة للنمو.

هذه بعض المخاطر المترتبة على ما يرمي إليه دعاة النهوض بالخطاب الإسلامي المعاصر، وما ذلك إلا غيض من فيض لما جرّوه من ويلات، ولما أرسوه من دعائم للأنظمة الجاهلية والحكومات.

أما الركيزة الثالثة من ركائز الخطاب الإسلامي عندهم وهي المتلقي للخطاب، فإنه إن كان الخطاب موجهًا للمسلمين في البلاد التي يدين أهلها بالإسلام، فإنه لا يعدو عن كونه إبر تخدير، لتبقى هذه الشعوب تستمرئ الذل وتستعذب الهوان، وإن كان للمسلمين الذي يعيشون في بلاد الغرب، فإن سياسة الخطاب هنا مبنية على شعار دمج الجاليات الإسلامية في المجتمعات الغربية، بإصدار الفتاوى التي يتحكم فيها الواقع ولو خالفت ما هو معلوم من الدين بالضرورة، مثل البقاء على العلاقة الزوجية بين من أسلمت وبقي زوجها على الكفر، بحجة حماية الأسرة من التفكك، واحتضان الأطفال من الضياع، أما إن كان الخطاب موجهًا للكافرين، فإنه وبدل دعوتهم للدخول في الإسلام، فإن الحفاظ على مشاعر الكفر عندهم غاية نبيلة، والبحث عن قواسم مشتركة هدف منشود، إلى درجة التحرّج من نعت الكافرين بالكفر والاكتفاء بتسميتهم (غير المسلمين) .

والخلاصة أن النزاهة عند هذا الطرف المتصدر للخطاب الإسلامي مجروحة، والسياسة التي ساروا عليها سياسة عرجاء فيها افتراء على الله وصد عن سبيله.

وبالعودة إلى الطرف الأول من الطرفين المتصدرين للخطاب وهو الطرف النزيه، فإن الارتقاء بالخطاب الإسلامي المعاصر عنده إنما يكون بإرجاع الخطاب إلى أصله، ونبذ كل ابتداع لغيره، وهذا يقتضي أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأسوة الحسنة في الدعوة إلى الله، وأن يكون الصحابة، رضوان الله عليهم، هم القدوة والمثل، وبذلك يتجلى معنى التجديد بأسمى صوره، وأرقى أشكاله، وأدق معانيه، وهذا يتطلب وجود حزب سياسي على الأقل، يكون مبدؤه الإسلام يرقى بركائز الخطاب الإسلامي، ويسمو بها إلى معارج السناء.

وإذا ما استشعرنا مدى النقاء في الخطاب، ومستوى الوعي والإدراك المنبثق عنه، ودرجة التزكية والإخلاص عند حملة الدعوة عند أخذ حزب سياسي مخلص ونزيه بعنان الخطاب الإسلامي المعاصر وبركائزه الثلاث، فإن درجة الارتقاء وصورة التجديد التي يتحلى بها المباشر للخطاب باعتباره الركيزة الأولى تتجلى بما يلي:

أولًا: العمل على تثقيف حملة الدعوة بالثقافة الإسلامية المركزة، بحيث يتلقى حامل الدعوة الأفكار تلقيًا فكريًا دافعًا إلى العمل، ومحدثًا طاقةً لا تنضب، وحيويةً لا تفتر، اقتداءً بالصحابة، رضوان الله عليهم، الذين ما كانوا يتجاوزون العشر آيات إلا بعد ترجمتها عمليًا في السلوك. وهذا يقتضي اجتناب طريقة الجامعات في تدريس الإسلام كمعلومات نظرية، وليست كمفاهيم عملية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت