فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 3028

ولا يفوتني أن أنبه إلى أنني لا أرى أن حالة المسلمين قبل احتكاكهم بالغرب وتأثرهم به كانت حالة مرضية, لا فقد كانت أوضاعهم سيئة, ولكن هذا العالم الإسلامي الذي صحا على أصوات المدافع الغربيين تدك حصونه, وتقتل أبناءه, كان عليه أن يلتمس طريقه الصحيح, ويبني قوته على أساس متين, ويقتبس من الغرب ما ينفعه ويهجر ما يضر, ولكنه لم يفعل بل تخبط في مسيرته, وانحرف اتجاهه, حتى وصل إلى حالة من الضعف مزرية.

رب يوم بكيت فيه فلما

صرت في غيره بكيت عليه

ولكن الفرصة لم تفتنا فبعد أن تحررت معظم أقطار المسلمين من الاستعمار العسكري ما علينا إلاّ أن نعمل لنحرر نفوس المسلمين مما علق بها من آثار الاستعمار الفكري, وهذه المصادر الشريعة لا تزال بين أيدينا خالصة من كل تحريف, وما وصلنا إليه من فوضى فكرية كاف لأن يعيدنا إلى ديننا تائبين {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} .

بقلم الشيخ ممدوح فخري

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية

لقد كان سقوط الخلافة الإسلامية وزوال الدولة العثمانية من أكبر الكوارث التي تعرض لها المسلمون في العصر الحديث وذلك أن هذه الدولة كانت تمثل المظهر الأخير من مظاهر قوة المسلمين وسيادتهم، وقد تضافر لذلك السقوط أسباب عديدة وعوامل شتى منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي ومنها ما هو ذاتي، ولسنا بصدد تعداد هذه العوامل أو مناقشتها ولكنا نركز على عاملين مهمين منها كان لهما الدور الأكبر في انهيار الخلافة والنصيب الأوفر من تركتها وهما الكيد اليهودي من الداخل والغزو الصليبي من الخارج. أجل لقد التقى الدس اليهودي مع المكر الصليبي على تحطيم القوة السياسية والعسكرية للمسلمين والتي كانت متمثلة في الدولة العثمانية. ونحن نستدرك قبل كل شيء ونقول:

إن الخلافة العثمانية لم تكن خلافة راشدة بل لها عيوبها الكثير ولكن مع ذلك فإن إصلاح الخلافة خير من إسقاطها. وعلى أية حال فقد زالت الخلافة واختفى هذا المنصب من حياة المسلمين للمرة الأولى، وزال بذلك رأس هذه الأمة عن جسدها وبقيت بعده جثة هامدة لا تبدي حراكا وهان بالتالي على الكلاب أن تنهشها وعلى الأفاعي أن تنفث سمومها فيها. ولقد كان دور اليهود في هذا الصراع دور دابة الأرض التي أكلت منسأة سليمان وذلك باندساسهم في مراكز الدولة الحساسة بواسطة منظماتهم السرية وخلاياهم الماسونية ففتوا في عضدها ونخروا في عودها إلى أن أقوت، فلما جوبهت بعد ذلك بالغزو الصليبي لم تلبث أن انهارت وخرت. وفرح المجرمون يومئذ بنصرهم وفازوا بأمنية من أعز أمانيهم ألا وهو قطع الخيط الذي كان ينتظم المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم كما ينتظم الخيط حبات العقد وألسنتهم كما ينتظم الخيط حبات العقد ألا وهو خيط الخلافة المنسوج من روح الإيمان والأخوة الإسلامية. وبانقطاع ذلك الخيط تناثرت فرائد العقد وانتهبتها اللصوص وبترت أوصال الأمة الواحدة فأصبحت أمما، وقسمت أجزاء الوطن الواحد فأصبح أوطانا وتقاسيم القتلة تركة المقتول. وكان هذا كما قلنا من أكبر الكوارث التي ألمت بالمسلمين وذلك لما ترتب عليه من آثار بعيدة المدى كما سنرى شيئا منه في هذه الكلمة. وأما التخطيط والإحكام اللذين عمل على أساسهما أعداء الإسلام بعد هدم الخلافة فقد أعظم خطرا مما قبله وذلك ما أن دالت دولة الإسلام وزالت شوكته حتى سارع الأعداء إلى الأخذ بالأسباب البعيدة التي تحول دون عودة الإسلام إلى الحياة من جديد، هذا الدين العملاق الذي كان ظهوره خطر على الكافرين على اختلاف أنواعهم والذي أجلاهم عن الجزيرة العربية كلها واستخلص من أيديهم أجزاء شاسعة من آسيا وإفريقيا واقتحم عليهم ديارهم في أوروبا وراحت خيوله تنطلق برسالة التوحيد من المحيط إلى المحيط في فترة لا تزيد على ربع قرن.

أجل لقد سارع أعداء هذا الدين إلى الأخذ بجميع الأسباب التي تبقيه صريعا وتضمن لهم السيطرة الدائمة على المسلمين وعلى بلادهم، ووضعوا لذلك مخططا رهيبا وسهروا على تنفيذه بدقة وإحكام إلى أن أتى جميع الثمار المرجوة منه. وسنحاول في هذه العجالة أن نلم بأبرز خطوط تلك المؤامرة الرهيبة التي استهدفت وجود المسلمين باعتبارهم أمة وأرضا وحضارة .

أولا: فكرة فصل الدين عن الدولة:

و هذا يعني باختصار إقصاء الدين عن الحياة والحيلولة بينه وبين أداء مهمته التي جاء لأجلها وسجنه في المعابد والأديرة والكهوف مع منعه من التدخل في شؤون الحكم والسياسة والاقتصاد والتعليم وسائر مرافق الحياة الحية وتفويض كل ذلك إلى مردة من الطواغيت الذين يتألهون على العباد ويستكبرون في الأرض ويسعون فيها فسادا ويستذلون الرقاب ويقيمون للناس شريعة الهوى والشيطان بدلا من شريعة الرحمن وهداية القرآن وينصبون من أنفسهم سدنة للدين الجديد الذي أتوا به. وقد كانت هذه الفكرة من أخطر ما جلبه الغزو الفكري إلى بلاد المسلمين فقد جاء الغزاة إلى الشرق المسلم وهم حديثو عهد بالتحرير من الطغيان البابوي الذي رزحوا تحت نيره زمنا طويلا وعانوا منه ما عانوا باسم الدين، واستطاعوا بعد صراع مرير إقصاء البابا ودينه من حياتهم ثم انطلقوا في الأرض وهم يحملون فكرة فصل الدين عن الدولة بمعنى أن الدولة سلوكها كله وفي جميع شؤونها الخاصة والعامة لا تسترشد بمبادئ الدين ومعتقداته ورجال الحكم والسياسة أحرار في تصرفاتهم بغير وازع أو رقيب من الدين والدين بحد ذاته لا يعدو أن يكون علاقة خاصة بين العبد وربه. وجاءوا إلى الشرق مزودين بهذه الفكرة ليجدوا في الشرق دينا عظيما يلبي جميع حاجات الإنسان في حياته الخاصة والعامة وينظم علاقته بربه وعلاقته بأخيه الإنسان. فكان هذا الدين بشموله وواقعيته وتكامل نظرته إلى الوجود أعظم عدو جابهوه لذلك ولتستقر أقدامهم في أرض الإسلام لا بد من الحيلولة بين الإسلام والحياة وذلك بتشويه فكرة أبنائه عنه ومسخ مفهوم الدين في نفوس المسلمين وجعله رهبانية سجين الصوامع. وقد أشار إلى هذا المعنى رئيس وزراء بريطانيا (غلاديستون) في مجلس العموم البريطاني حيث قال وهو يشير إلى القرآن الكريم:"لا قرار لكم في مصر ما دام هذا الكتاب في أيدي المصريين". وفعلا نجحت مخططاتهم واستطاعوا أن يزيحوا الإسلام تلك العقبة العظيمة عن طريقهم وذلك بإيجاد أجيال من المسلمين يؤمنون كما أراد لهم أسيادهم بضرورة فصل الدين عن الدولة، ويطلقون بين الحين والآخر تلك الكلمة الخبيثة:"الدين لله والوطن للجميع"، والواقع أن الدين لله والوطن لله والكون كله لله فلا يجوز أن يكون فيه ما لا يرضي الله وهكذا أصبح أبناء المسلمين عونا على دينهم مع أعدائهم وحملوا عن الأعداء عبئا كبيرا في محاربة الدين حتى يتفرغ الأعداء للإفساد في مجالات أخر.

فكرة القوميات والعصبيات الجاهلية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت