هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن
يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّه ] ( الجاثية: 23 ) نحن لا نحاول مع هؤلاء إلا بمقدار إقامة
الحجة عليهم:[ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى
رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ] ( الأعراف: 164 ) .
-أ . محمد مبروك: في المواجهة مع العلمانيين والحداثيين لدي ملحظان
مهمان للغاية:
الأول: يتعلق بما له أولوية في المواجهة ، فينبغي ألا نشغل بالنا أكثر
بالأساس الفكري للحداثة ، وهو الإلحاد والانتماء إلى إحدى المدارس العلمانية
وجودية أو براجماتية ، فينبغي أن ينصب النقاش على أساس الفكر الحداثي ، ولا
نسمح لهؤلاء أن يجرونا إلى قضايا فرعية أو جزئية يسترون خلفها إلحادهم ، قد
يكون الرد على الشبهات بشأنها مهمًا لكن الأهم حصر الحداثي في فكره ، وتناقضاته ،
ومن هنا أؤكد على المفكرين الإسلاميين الذين يواجهون العلمانية ألا يسمحوا
للحداثيين في الحوار بسحبهم نحو قضايا فرعية متعلقة بالإسلام كمسألة المرأة
والحرية الشخصية ، أو الجمع بين التراث والمعاصرة ويحاول المسلم أن يقنعه بأن
الإسلام فيه كذا وكذا من الميزات ، فتتحول المسألة إلى انتقاءات كمية هل هنا
أفضل أم هنا كل هذا له مرتبة تالية ، أما القضية الأساسية مع الحداثي فهي إلحاده ،
والذي يهمني مواجهة هذه الأفكار الحقيقية التي تنتمي إليهم ، والتي تمثل الإلحاد
والعجز الفكري الغربي ، لذلك على الإسلاميين أن يقفوا في هذه المنطقة ، ولا نعني
بذلك التهوين من الرد على الدعاوى التي يعلنونها ، ولكن الرد على الدعاوى التي
يعلنونها تأتي في أولوية تالية .
وأما الأمر الثاني: فيسير متوازيًا مع مواجهة الأسس الفكرية ، هو بذر الثقة
بالنفس في عامة الناس ، وبالتالي لا أستبعد أن أقول أن ما لدي أفضل مما عندهم ،
فالعامة لهم ما يناسبهم من الخطاب ، والمثقفون لهم أيضًا ما يناسبهم من نقد وتعطيل
للأطر الثقافية التي يتحرك فيها الحداثيون ، ومنطق العامة أن أدعم وأقوي الثقة
بالذات ، فهناك تفاوت في المستوى والاستيعاب لهذا علينا التعامل مع كلا المستويين .
البيان: سؤال أخير: كثيرًا ما يلح علينا ، وهو أن المراقب لجميع المعارك
التي وقعت مع العلمانيين والحداثيين من جهة وقوى الأصالة من علماء ودعاة
وغيورين ؛ بدءًا بمعركة تحرير المرأة مع قاسم أمين ، ومرورًا بالإسلام وأصول
الحكم لعلي عبد الرازق ، ووصولًا لمعركة القرآن في الشعر الجاهلي لطه حسين ،
وانتهاء بمعارك مثل الوليمة وقوانين المرأة نجد إذا ما بحثنا في السياق التاريخي
لهذه المعارك أن قوى الأصالة هي التي انتصرت وألجمت دعاة « الغربنة » ،
لكننا نصدم فيما بعد بالنتائج الفعلية تصب في صالح « الغربنة » ، إذ حرفت
حقيقة هذه المعارك ووقعت الأجيال الجديدة في الخديعة ودفع المجتمع نحو مزيد
من العلمنة .
-د . مصطفى حلمي: في الحقيقة أن مسألة مثل هذه تحتاج إلى تقصٍ
ودراسة عميقة ، وتتبع لما كان يجري ، ولكن باختصار هنا يحضرني كلام لمالك
بن نبي - رحمه الله - حول قيام قوى الاستعمار باصطناع هذه المعارك ، واصطياد
وقودها عبر الإغراءات المادية والمعنوية ، والزج بهم في هذه المعارك ، لكن مع
إقامة الحجة وبيان الحق للناس ، وانحياز المجتمع لحقائق الإسلام ، إلا أننا نجد أنه
ومع مضي الوقت تبدأ قوى الاستعمار في اتخاذ تحركات فعلية ، وتحركات من
شأنها أن تطور الأمر في الاتجاه الذي تريده ، والأمر بالنسبة لها لا يعني سوى
الكمون شيئًا من الزمن حتى ينسى الناس هذه المعارك ، حيث تقوم هذه القوى
بعمليات مخططة ومنظمة من تشويه قوى الأصالة وشغلها في معارك جانبية
مستمرة ، مع ما يتم من تركيز الأضواء على مسائل ورموز بعينها تفرض مع
الوقت المشروع التغريبي ، كما تقوى بإنساء المجتمعات حقيقة هذه المعارك وما نجم
عنها ، ثم تقوم بدهاء وخبث شديدين ، وباستخدام آلة الإعلام الجبارة ، بإسدال
ستار الصمت والنسيان حول النتائج الفعلية لهذه المعارك ، ثم تشرع في عملية
إبدال وإحلال مستمرة للمفاهيم والسلوكيات يتناسى الناس معها هذه المعارك في ظل
واقع ضاغط ، ويسلمون لكل الرؤى التي تفرضها عليهم هذه القوى عبر عملائهم ،
ومن هنا ، فإن تحكم هؤلاء أو لنقل تمكينهم من توجيه الساحة الثقافية والإعلامية
والتعليمية ، يمكنهم من تزييف الوعي بحقيقة تلك المعارك .
وفي الجهة الأخرى نجد أن قوى الأصالة تفتقد إلى تدوين هذه المعارك تدوينًا
أمينًا يسهل من عملية التواصل بين أجيال الأصالة ، ثم ما يشغل به هؤلاء قوى
الأصالة من معارك جديدة لا تنتهي ، والتشويه المستمر لهم ، يفتح الباب واسعًا أمام
إضعاف أثر قوى الأصالة في توجيه المجتمعات ، ومن هنا فلا بد من استرجاع هذه
المعارك وتوثيقها ، وتوعية الأجيال بها ، والبناء عليها ، خاصة في ظل إفلاس
الحداثة والعلمنة وانكشاف أوراقها .
نشكر لضيوفنا الكرام هذا الجهد الطيب .. ونسأل الله تعالى أن ينفع به
الإسلام والمسلمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
إعداد: وائل عبد الغني
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .. وبعد:
فقد تحدث الناس قديمًا عن العنقاء ـ بوصفها إحدى المستحيلات ـ ذلك الطائر الغريب الأطوار .. الضخم الذي يضرب بجناحه المدينة الكبيرة.
وحديثًا تحدث الناس عن العولمة باعتبارها واقعًا، ورأوا فيها ذلك المستحيل القديم .. تلك القضية المثيرة للجدل التي تتكرر فيها قصة العميان والفيل مع فارق أن فيلنا متناهٍ في الضخامة والتعقيد والشراسة .. وعمياننا ضعفت لديهم سائر قوى الإدراك .. وقلَّ أن تجد معنى في بطن شاعر .. وعز من يداوي..!
وفي ندوتنا هذه نتناول الجانب الاقتصادي للعولمة، والذي لا نقول: إنه الأخطر ولكنه بحق من أخطر الجوانب.
والأمر الذي نريد بلوغه وإبلاغه هو تصوُّر لمستقبل هذه الأمة الممتحنة في ظل هذا الخطر.
لا نزعم أنا سنتناول كل شيء عن القضية .. ولكن حسبنا أن ننصب الأقدام على الطريق الصحيح .. ونخطو عليه خطوات، ونرتقب الرافد من بعد. نحن على ثقة أن المستقبل بيد الله ـ تبارك وتعالى ـ وهو ـ سبحانه ـ يداول الأيام بين الناس .. ثقتنا هذه هي لب زادنا ونحن نسعى لأن نقدم لأمتنا ولأنفسنا كما أمرنا ربنا.
معنا في ندوتنا هذه أربعة من خيرة الاقتصاديين المتخصصين:
? الدكتور/ رفعت العوضي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة.
? الدكتور/ عبد الرحمن يسري، رئيس قسم الاقتصاد الإسلامي بجامعة الإسكندرية.
? الدكتور/ عبد الحميد الغزالي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة.
? الأستاذ. يوسف كمال، أستاذ الاقتصاد الإسلامي غير المتفرغ بكلية التجارة جامعة عين شمس ـ الدراسات العليا.
والضيوف الكرام أصحاب إسهامات قوية في مجال الاقتصاد الإسلامي كما أن لبعضهم كتابات متنوعة أخرى في التفسير والمنهجية والحضارة.
نبدأ ندوتنا عن العولمة بوصفها مصطلحًا.. فماذا يعني هذا المصطلح في حقيقته وفق نظرة موضوعية مدققة؟
د . عبد الرحمن يسري: