الاجتماعي ، وتغيير السلوك والعادات ، حيث بدأت إعادة تشكيل الوعي في العالم
الإسلامي أو العالم العربي مع بدايات ظهور السينما في العالم العربي على وجه
التحديد بدءًا من مصر ، وقد أمر ( نابليون ) ( كليبر ) بإقامة فرقة مسرحية ، ودعا
الناس إلى حضورها سعيًا منه لتغيير عادات المصريين . ثم أتى الفن السينمائي ،
وكان لسان حال الغرب بعاداته وتقاليده ، فالقيم الجديدة تأتي عن طريق الصورة
وعليك أن تتلقاها ، وأنت تتلقاها يحدث ( التسريب اللاشعوري إلى الوجدان ) ،
فعند المشاهدة ترى رجالًا يحتسون الخمر في الإفطار .. تفاجئ بعادات وتقاليد
غريبة على واقع المجتمع ؛ رجال تقبل النساء ، النساء ترتدي أزياء عارية ...
ومع الوقت تحدث الإزاحة التدريجية للدين والقيم والتقاليد و .. و ... إلى الهامش ،
وتحل الصورة محل كل شيء في الاقتناع ، ولهذا يصح القول إلى حد كبير إننا
نحيا ثنائية ثقافية في حال غيبة الوعي في المجتمع .
-أ . محمد مبروك: في رأيي أن الفن أخطر سلاح في العالم بعد القنبلة
الذرية .. إذا لم يعِ الإسلاميون هذا فإنهم سيضارون ضررًا بالغًا ، فهذا السلاح إذا
لم تستخدمه أنت استُخدم ضدك ، المصيبة الكبرى أن غالب المسلمين لا يعون هذا
بالفعل ، وأن هناك تكاسلًا وتغافلًا إسلاميًا في هذا المجال ، ونتيجة أني تغافلت
وتكاسلت عن إنتاج إبداعات خاصة بي ومدارس فنية تتعلق بتياري ، هذا أعطى
فرصة للحداثيين أن تذاع مداركهم وأفكارهم ، صحيح أنهم يُدعمون وأن هناك
مؤامرات ، ولكن الخواء في إبداعي أنا أعطاهم الفرصة أكثر ، وهذا يجعلنا نقف
وقفة طويلة أمام السينما والفن ، فأنا في رأيي أن الفن الآن ليس مجرد مهم وذا تأثير
كبير على الناس ، ولكنه أخطر سلاح يمكن استخدامه في التغيير الاجتماعي
والثقافي .
-د . علاء عبد العزيز: أنا لا أهاجم السينما ولا المسرح ولكن هذه الوسائل
والفنون مثلها مثل السكين قابلة أن تطعن بها وقابلة أن تستخدمها في منافعك ،
وتحويل استخدامها إلى شيء سيئ عيب في المستخدم لا في الأداة ، وهذا يسري
على جميع وسائل وأدوات تشكيل الوعي من الصحافة والتلفزيون والمذياع والكتب ؛
إذ هي وسائل في حد ذاتها .
-د . إبراهيم الخولي: لكن من بين الفنون ما هو محرم كالباليه ، والنحت .
-د . علاء عبد العزيز: الفن التشكيلي ليس له أي تأثير على مستوى رجل
الشارع وكذلك الباليه ، ولنتكلم بصراحة ؛ فالناس تنظر إلى الفن التشكيلي على أنه
حرام ، وهذا متأصل لا شعوريًا بداخلهم ، فالصلة منبتة بينهم وبينه لأنه « شغل
خواجة » ، ولهذا ليس له أي مردود في الشارع .. والنحت كذلك ، حتى المسرح
تقلص . أما السينما والتلفزيون باعتبارهما أكبر وسيلتين لتغيير السلوك الاجتماعي ،
فعندما تنظر لتجد أن الممثل يتحول إلى مثال يحتذى على مستوى الملبس والسلوك
والشكل ، كما يتم محاكاته وتقليده على مستوى الكلام والحوار والألفاظ ، واللوازم
وطرق الحديث ، أصبحت الأفلام والمسلسلات هي مصدر ثقافة الجماهير ، حتى
أدق وأخطر المعلومات التاريخية صارت تُستقى من الأفلام ، وهذه خطورة السينما
في توجيه وتغيير وتعديل السلوك .
البيان: يعترف كثير من أهل الفن أن نسبة ضخمة من الأفلام والمسرحيات
مستوحاة من أعمال فنية غربية ، وغالبًا ما تكون منقولة بتفصيلاتها ، وبما
تحمله من معالجات تختص بالواقع الغربي يقدرها البعض بأكثر من 80% .
-د . علاء عبد العزيز: ليس على مستوى بناء الأعمال فقط ولكن أيضًا
استيراد ونقل المصطلحات والمدارس الفنية التي في الغرب دون أي وعي بمفهوم
الخصوصية الثقافية ، وهذا كارثة .. المسرح العبثي مثال واضح على ذلك .. أيضًا
رأينا أن مفهوم التجريد في الفن الإسلامي يختلف تمامًا وكليًا عن مفهوم التجريد في
الفن الغربي .
حتى الفن التشكيلي تؤخذ مدارس لا يجوز أن تؤخذ مثل المدرسة الانطباعية ،
مثلًا في رسم اللوحات تكون الألوان في الغرب نتيجة لغياب الشمس ألوانًا باهتة
ضبابية .. المنازل أسقفها مائلة لأن المطر غزير .. تفاجئ في لوحات الفنانين
التشكيليين العرب ينقلون هذا كما هو دون أي تغيير ، أما بالنسبة للألوان عندي
فالشمس عندي واضحة الإضاءة كل شيء عندي واضح .
كذلك على مستوى الزي ، وشيوع مفهوم الموضة ، فالسترة المأخوذة من ستر
الجسد ، تحولت هذه السترة إلى أنها تطوّل وتقصّر دون معايير أو ضوابط دينية
للزي عند المرأة .
حتى العمارة فالعمارة لها فلسفة لها رؤية إلى الكون والحياة ؛ في الماضي
التركي الإسلامي كان هناك الحرملك والسلاملك مأخوذة من: « الحرام لك ،
والسلام لك » ؛ مكان لك الحق أن تدخله ، ومكان ليس لك الحق في أن تدخله ،
لكن تحت دعوى الضرورة وظروف المعيشة الجديدة نجد الجدران قد أزيلت
والأبواب مفتحة ؛ إذن زوجتك مباح النظر إليها عبر هذه المساحة الفسيحة داخل
البناء .. هكذا تتمدد الحداثة دون وعي منا .
البيان: يرى بعض المراقبين للساحة الإسلامية والعربية أن تغلُّب الحداثيين
على الساحة وإقصاء قوى الأصالة ليس إلا صورة من صور التغلب بالقوة ، وأن
الهزيمة التي منيت بها هذه القوى لم تكن أبدًا ثقافية ، وإنما أمنية بالدرجة الأولى ،
ولعل أقرب تعبير يحضرني في تصوير آليات المواجهة هو تعبير تشومكسي في
توصيف السلوك الأمريكي بـ « إسكات الديمقراطية » مع الفارق طبعًا ، كما أنه
أشبه بسلوك شارون في المواجهة مع الفلسطينيين ، هكذا يصنع الحداثيون ، فإذا
كان الأمر كذلك فكيف تُتصور المواجهة ؟
-د . إبراهيم الخولي: المواجهة مع العلمانيين تتناول كل الأبعاد ، تتناول ما
يطرحه كفكر ، تتناول دعوته وتبشيره لهذا الفكر ، وتتناول موقفه العملي في ضوء
هذا الذي يتبناه من الدين والتراث عندنا كوني أنتهي في النهاية إلى إصدار حكم
عليه أو لا أصدر حكمًا ليست هذه هي القضية التي تعنيني ، لكن أقول ما يطرحه
فلان من الحداثيين ينتهي في التقويم الإسلامي إلى كفر ، ما يبشر به ينتهي إلى
حرابة في مجتمع الإسلام ، حين يدعو إلى الإلحاد ، فحين يأتي علماني يعتقد ما
يشاء .. في جلساته الخاصة هو حر ، لكن حين يعتلي منابر إعلام ومنابر فكر
وينشر ويدعو ويصبح داعية إلحاد في مجتمع المسلمين ؛ يدخل تحت حد الحرابة
والإفساد في الأرض ، فإن لم يتب يطبق عليه حد الردة وحكمت المحاكم على أمثال
هؤلاء بالردة وإن كانوا هربوا أو أخرجوا ، وأذكر هنا قول الله عز وجل:[ لَئِن
لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ
يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي
الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ] ( الأحزاب: 60-62 ) . سنة الله
في المجتمعات قاطبة أن تطهر مجتمعاتها من الهدامين فيها ، الشيوعيون صنعوا هذا
والرأسماليون والدنيا كلها تطهر مجتمعاتها مما تعتقد أنه هدم ، ونحن بالمقياس
الإسلامي عادلون تمامًا ، وإلى أبعد حدود التجرد في إعطاء هؤلاء حق أن يعتقدوا
ما يعتقدون ، لكن حين يتحول من معتنق إلى داعية وإلى مبشر وإلا فلم نواجه نحن
التبشير في بلادنا فلنترك هؤلاء على الأقل يبشرون بدين يزعم له أنه دين ، لكن أن
يبشر بإلحاد ، وهؤلاء جميعًا ينطبق عليهم قول الله تعالى: [ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ